هل تنقذ التبرّعات الإقتصاد المصريّ أم هي مجرّد أداة سياسيّة للتعبئة الشعبيّة؟

القاهرة – آية أمان: في الخطاب الأخير للرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي خلال مؤتمر "رؤية مصر 2030" في 24 شباط/فبراير، الّذي استغرق أكثر من ساعة ونصف ساعة، أشار إلى عدد من الأرقام توضح صعوبة الأوضاع الإقتصاديّة مع ضعف إيرادات الموازنة العامّة للدولة وما تحتاجه مصر من سلع غذائيّة ومواد بتروليّة مستوردة. وتعبيراً عن مدى صعوبة الوضع، قال السيسي: "هقول تعبير صعب جدّاً جدّاً... والله العظيم،...

al-monitor .

المواضيع

suez canal, gulf states, foreign investment, egyptian pound, egyptian economy, egypt tourism, donations, abdel fattah al-sisi

مار 14, 2016

القاهرة – آية أمان: في الخطاب الأخير للرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي خلال مؤتمر "رؤية مصر 2030" في 24 شباط/فبراير، الّذي استغرق أكثر من ساعة ونصف ساعة، أشار إلى عدد من الأرقام توضح صعوبة الأوضاع الإقتصاديّة مع ضعف إيرادات الموازنة العامّة للدولة وما تحتاجه مصر من سلع غذائيّة ومواد بتروليّة مستوردة. وتعبيراً عن مدى صعوبة الوضع، قال السيسي: "هقول تعبير صعب جدّاً جدّاً... والله العظيم، أنا لو ينفع أتباع لأتباع"، في إشارة منه إلى صعوبة الأوضاع الإقتصاديّة.

وطالب كلّ مصريّ لديه هاتف محمول بالتبرّع بجنيه يوميّاً من خلال رسائل نصيّة لصالح صندوق "تحيا مصر"، وقال: "لو كلّ يوم 10 ملايين من 90 مليون مواطن معاهم موبايل يصبّحوا على مصر بجنيه هانجمع 10 ملايين جنيه في اليوم... يعني 300 مليون في الشهر يعني 4 مليارات في السنة".

إنّ حديث السيسي المرتجل كان مثار تهكّم العديد من روّاد شبكات التّواصل الإجتماعيّ طوال الأسبوعين الماضيين، وكان أشهر هذه التهكّمات إعلاناً لبيع الرئيس على موقع المزايدات العالميّة Ebay، بينما انقسم العديد من روّاد "تويتر" و"فيسبوك" بين التأييد والسخرية من مطالب الرئيس بالتبرّع بجنيه كلّ صباح، وعدم الإستماع إلى أيّ معلومات إلاّ من خلاله فقط، وانفعاله على من يعارضه قائلاً: "من أنتم"، "قسماً بالله اللي هيقرب من مصر هشيلة من على وش الأرض".

ويأتي خطاب السيسي في وقت تسيطر عليه حال القلق داخل الشارع المصريّ من خطورة الأوضاع الإقتصاديّة وارتفاع الأسعار وعدم شعور المواطنين بالإنجازات الّتي تتحدّث عنها الحكومة والقيادة السياسيّة، خصوصاً مع أزمات السياحة وضعف توافر فرص العمل بسبب مشاكل الإستثمارات الأجنبيّة وانخفاض احتياطيّ النقد الأجنبيّ، وهو ما حاول السيسي مواجهته بالتّأكيد على وجود إنجازات على الأرض حتّى لو لم يشعر بها المواطن.

ووفقاً للتقرير الأخير للبنك المركزيّ، فإنّ معدّل النموّ للناتج المحليّ الإجماليّ تراجع في الربع الأوّل من العام الماليّ 2015/2016 إلى 3.1 في المئة، مقارنة بنحو 4.5 في المئة في الفترة نفسها من العام الماليّ، إضافة إلى انكماش نشاطي السياحة والصناعة، حيث قدّر البنك الدوليّ الخسائر الّتي تعرّضت لها السياحة المصريّة بعد سقوط الطائرة الروسيّة بنحو 3.3 مليار دولار، وانخفض عدد السيّاح إلى نحو 46.3 في المئة بسبب تراجع حركة السياحة الوافدة من روسيا ومنع العديد من الدول الأوروبيّة مواطنيها من السفر إلى شرم الشيخ.

وبالنظر إلى مناخ الأعمال، فلا تزال مصر في مركز متأخّر من تقرير المؤشّرات التنافسيّة، بحيث تحتلّ المرتبة 116 بين 140 درجة في المؤشّر التنافسيّ للمنتدى الإقتصاديّ العالميّ، بسبب صعوبات ومشاكل الإستثمار المستمرّة، رغم محاولات الحكومة الدفع بإجراءات عاجلة منذ المؤتمر الإقتصاديّ بشرم الشيخ في آذار/مارس من عام 2015، لجذب المستثمرين والحصول على ثقتهم في السوق المصريّة مرّة أخرى.

وكان الإقتصاد المصريّ قد اعتمد بصورة كبيرة على الدعم الخليجيّ، الّذي ضمن توفير الحاجات من النقد الأجنبيّ لشراء الغذاء والمنتجات البتروليّة في صورة منح وقروض مؤجّلة وودائع في الخزانة العامّة للدولة، إلاّ أنّ توقّف هذا الدعم لأسباب إقتصاديّة وسياسيّة تمرّ فيها دول الخليج الآن بعد انخفاض أسعار النفط واضطراب الأوضاع الإقليميّة وحرب اليمن، تسبّب في اضطراب الإقتصاد المصريّ مرّة أخرى.

وتأتي مبادرة السيسي لجمع تبرّعات من المصريّين لصالح صندوق "تحيا مصر"، والّذي قد أنشأه في تمّوز/يوليو من عام 2014 فور فوزه برئاسة الجمهوريّة لدعم الإقتصاد المصريّ، كبديل تمويليّ لصالح مشاريع تتعلّق بالعدالة الإجتماعيّة وخدمة الفئات الأقلّ دخلاً.

وكان صندوق "تحيا مصر" قد تلقّى مساهمات بقيمة 4.7 مليار جنيه، منها مليار جنيه تبرّعات من الجيش المصريّ، بحيث أجازت دار الإفتاء المصريّة التبرّع بأموال الزكاة والصدقات لصالح الصندوق، بهدف معاونة أجهزة الدولة في إقامة المشاريع الخدميّة والتنمويّة، لكنّ اتّجاه الدولة بالإعتماد على التبرّعات كحلّ لمواجهة مشاكل الإقتصاد كان مثار تحذير من خبراء الإقتصاد، الّذين أكّدوا أنّه لم ولن يكون بديلاً عن الاستثمار والمشاركة الحقيقيّة من القطاع الخاص. وأكّدت كريستين لاغارد، وهي المديرة العامّة لصندوق النقد الدوليّ في خطاب بشرم الشيخ في 15 آذار/مارس من عام 2015، أنّه لا يمكن أن تكون موارد المواطنين والتبرّعات سبيلاً دائماً لتمويل المشاريع الّتي تحلم الدولة بتنفيذها، في إشارة إلى مساهمات المصريّين في معظم التّمويل لمشروع قناة السويس.

وأشار الباحث في الإقتصاد السياسيّ عمرو عادلي في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ "الإعتماد على التبرّعات والإتّكال على رغبة المواطنين في المساهمة بتمويل مشاريع التنمية غير ممكنين"، وقال: "إطلاق مثل هذه الدعوات مجرّد هدف سياسيّ تعبويّ وليس إقتصاديّاً لتصدير وجود الأزمة في الدولة الّتي تتطلّب أن يشارك المواطن في حلّها، وكان إنشاء صندوق تحيا مصر منذ البداية استثماراً لشعبيّة الرئيس السيسي وجمع المساهمات من المواطنين ورجال الأعمال".

أضاف: "القيادة السياسيّة في مصر تعتمد بشكل أساسيّ على فكرة الزعامة وخلق الاصطفاف الوطنيّ، وهذه الأمور قد يكون لها أثر سياسيّ وليس إقتصاديّ".

وتابع: "لا تزال هناك أزمة ثقة في العلاقة بين المواطنين والدولة، ولا يمكن تصوّر التبرّع المطلق لصالح صندوق لا يدرك الرأي العام إلى أين تذهب موارده".

وأردف: "يجب أن تكون للدولة سياسات عامّة واضحة، خصوصاً أنّ تبرّعات المواطنين بالعملة المحليّة لن تساهم في شراء الحاجات النفطيّة أو توفير النقد الأجنبيّ للخزانة العامّة للدولة".

وبينما كان السيسي يطالب المواطنين بالتبرّع من أجل بناء الدولة في محض حديثه عن استراتيجيّات التنمية لعام 2030، لا تزال الإدارة السياسيّة المصريّة مطالبة بحلول سريعة قابلة للتطبيق على المدى الزمنيّ القريب لمواجهة معاناة المصريّين وتحسين مستوى معيشتهم والدفع بمؤشرات الأداء الإقتصاديّ المتدنيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو