نبض العراق

"الحشد الشعبيّ"... بين "الشيطنة" و"التّقديس"

p
بقلم
بإختصار
العودة الى الدولة، وتقوية الاجهزة الامنية والعسكرية، واعادة تنظيمها وتطهيرها من العناصر الفاسدة، هو الطريق الطبيعي الذي ينتظره العراقيون، مع فهم ان المرحلة التي يمر بها العراق في اية الحساسية والخطورة، وان وجود "الحشد الشعبي" ضروري الى حين انتفاء الحاجة الفعلية اليه بدحر تنظيم "داعش" وتسلم القوى الامنية والعسكرية زمام الامور بشكل كامل.

ثمّة ظاهرتان متقاطعتان تتصاعدان في العراق في شكل غير مسبوق، تتعلّقان بمجموعات "الحشد الشعبيّ"، الّتي تضمّ فصائل شيعيّة مسلّحة ومتطوّعين استجابة لفتوى "الجهاد الكفائيّ" التي أطلقها المرجع علي السيستاني في يونيو الماضي، لوقف تقدّم تنظيم "داعش" الّذي استثمر في ذلك الوقت انهيار القوّات العراقيّة، لمحاولة الاندفاع باتّجاه بغداد.

وتتمثّل الظاهرة الأولى في تحويل قوّات "الحشد الشعبيّ"، إلى مصطلح مقدّس، وتحريم التّعاطي معه أو انتقاد سلوك بعض أفراده، أو حتّى التساؤل عن آليّة عمله وكيفيّة اتّخاذ القرارات على الأرض، خصوصاً أنّ فصائل عدّة لا تعمل تحت راية "الحشد الشعبيّ" فقط، وإنّما ترفع راياتها الخاصّة، وتتّبع أوامر عسكريّة خاصّة بها.

وفي وقت تتصاعد فيه ظاهرة التّقديس في وسائل الإعلام ولدى السياسيّين في العراق، خصوصاً في الأوساط الشيعيّة، فإنّ ظاهرة أخرى تنمو في المقابل، وتتبنّاها وسائل إعلام وسياسيّون في الأوساط السنيةّ، وتحاول "شيطنة" "الحشد الشعبيّ"، وتحويل عناصره من متطوّعين، استجابوا للدّفاع عن بلادهم، إلى لصوص وقتلة، وطائفيّين.

وفي طبيعة الحال، يتبادل الطرفان الإتّهامات المستمرّة لمحاولة إثبات وجهتيّ نظريهما حول تقديس "الحشد الشعبيّ" أو تجريمه، ويبالغان في عرض الأحداث والوقائع.

وهناك اتهامات عديدة وجهت من قيادات سنية دينية وعشائرية وسياسية شاركت اخيراً في مؤتمر القوى السنية الذي عقد في اربيل في 18/12/2014 وحول تجاوزات واعتداءات واعمال نهب و حرق جثث مقاتلي داعش،  و معاقبة المنتسبين لها دون اجراء محاكمات قانونية، و معاقبة الافراد المحليين دون اثبات انتسابهم لداعش وامور اخرى تعتبر غير قانونية ومخالفة لحقوق الانسان. ويحدث ذلك لاسباب مختلفة منها: الاعتقاد بان تلك المناطق شكلت حاضنة لداعش وانها تستحق العقاب او روح الانتقام من التصرفات الوحشية لداعش. و يعتقد ان من نفذها مقاتلون من الحشد الشعبي ضد سكان من السنة في بعض المناطق التي حرروها من تنظيم "داعش" خصوصاً في محافظة ديالى شرق بغداد.

في المقابل ترفض الاطراف الشيعية هذه الاتهامات، وتعتبرها محاولة لانقاذ تنظيم "داعش".

وإنّ الحقيقة التي غابت وسط هذا الصراع، مفادها أنّ مقاتلي "الحشد الشعبيّ" ليسوا ملائكة. وبالتّالي، يمكن أن يشهد بعض ساحات القتال أخطاء وتجاوزات، يجب أن تعترف بها قيادات "الحشد الشعبيّ" قبل سواها، ويجب أن يعاقب مرتكبوها، لكن المتطوّعين ليسوا "شياطين" أيضاً، فهم يقاتلون في ظروف سيّئة منذ أكثر من أربعة أشهر، ويحرّرون الأراضي من تنظيم "داعش"، ويحقّقون تحوّلاً نوعيّاً في المعارك ضدّ هذا التّنظيم، خصوصاً في بلدتي آمرلي وجرف الصخر وغيرهما.

هناك تحوّل أساسيّ فرضته قوّات "الحشد الشعبيّ" على السّاحة العسكريّة، لأنّها كسرت تفوّق عناصر تنظيم "داعش" على مستوى حرب العصابات، والتنقّل السريع، والقدرة على إتّخاذ القرارات في الميدان من دون الحاجة إلى تعقيدات عسكريّة وأوامر عليا.

فدخول تلك القوّات واستخدامها التكتيكات العسكريّة الّتي يعتمد عليها تنظيم "داعش" كان متغيّراً أساسيّاً، لكن ثمّة متغيراً آخر يتعلّق بسلاح الشائعة والإعلام، فالمعلوم أنّ الحرب النفسيّة الّتي استخدمها "داعش" في الأيّام الأولى لدخول الموصل، أثّرت كثيراً على معنويّات الجيش العراقيّ، والتّنظيم عرض نفسه باعتباره، قوّة لا تقهر ولا تتردّد في ارتكاب أبشع الجرائم.

هذا العنصر في المعادلة، حاولت قوى "الحشد الشعبيّّ" استخدامه ولو رمزيّاً، عبر تكثيف وسائل الإعلام في عرض، بطولاتها، وتجنّب توجيه انتقادات لسلوك أفرادها.

وما يجب تأكيده في هذا الصدد، أنّ إنجازات "الحشد الشعبيّ" لا تغفر تجاوزات بعض عناصر، مهما كانت هذه التّجاوزات، فـ"الحشد الشعبيّ اليوم هو قوّة تعمل تحت ظلّ الدولة، وبرفقة الجيش والشرطة، وليست قوى مسلّحة خارجة على القانون، وهذا الواقع يحتّم على عناصرها الالتزام الكامل، بما تلتزم به قوّات الجيش، من ضوابط قانونيّة، ومن قوانين ساحات المعركة.

وفي هذا الصدد، يمكن التّنويه بأنّ السيّد السيستاني، حذّر من أيّ انتهاكات يرتكبها المتطوّعون خلال المعارك، وكان التّحذير نابعاً من رؤيته بضرورة أن تكون هذه القوّات مثالاً في الإلتزام، وألاّ تسمح بانعكاس سلوكيّات بعض أفرادها إلى التّجربة برمّتها، وذلك ما أوصى به السيستاني أيضاً وسائل الإعلام والسياسيّين، بضرورة عدم تعميم سلوك بعض أفراد "الحشد الشعبيّ" على الجميع.

ومن الضروريّ اليوم، أن ينظر إلى تجربة "الحشد الشعبيّ"، باعتبارها تجربة فريدة ساعدت فعلاً على إنقاذ العراق من السقوط بقبضة تنظيم "داعش"، وحمت مدناً عراقيّة عدّة، وحرّرت أخرى، لكن ذلك لايمكن أن يكون مبرّراً للتغافل عن أنّ تجاوزات تقوم بها عناصر من داخل هذه القوى قد تساهم في ترسيخ الاصطدام الطائفيّ، أو تقوّض الثّقة بأجهزة الدولة الرسميّة، الّتي يجب ألا تكون قوّات "الحشد الشعبيّ" في أيّ مرحلة بديلاً لها.

إنّ العودة إلى الدولة وتقوية الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة وإعادة تنظيمها وتطهيرها من العناصر الفاسدة، هي الطريق الطبيعيّة الّتي ينتظرها العراقيّون، مع تفهّم أنّ المرحلة التي يمرّ فيها العراق هي في غاية الحساسيّة والخطورة، وإنّ وجود "الحشد الشعبيّ" ضروريّ إلى حين انتفاء الحاجة الفعليّة إليه بدحر تنظيم "داعش" وتسلّم القوى الأمنيّة والعسكريّة زمام الأمور في شكل كامل.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : war crimes, sunnis, shiites, popular mobilization, islamic state, iraq, is, ali al-sistani
مصطفى الكاظمي كاتب عراقي متخصص في الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الانسان. لديه خبرة واسعة في مجال توثيق الشهادات الحية وأرشفة الأفلام الوثائقية المرتبطة بالممارسات القمعية. كتب العديد من الكتب منها: مسألة العراق، أنشغالات أسلامية ، علي ابن ابي طالب الامام والانسان و اهمها كتاب  ” انشغالات أنسانية “  الذي تم اختياره في عام 2000 من قبل الاتحاد الأوروبي كأفضل كتاب كتبه لاجئ سياسي.  
 
 
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept