تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تنامي العلاقات الديبلوماسيّة بين مصر وإيطاليا... هل تؤثّر على قضيّة ريجيني؟

أعادت زيارة وزير الخارجيّة الإيطاليّ إينزو موافيرو ميلانيزي للقاهرة في 4 أغسطس/آب، الزخم إلى العلاقات الديبلوماسيّة بين مصر وإيطاليا، بعد الخلافات التي تلت مقتل الطالب الإيطاليّ جوليو ريجيني، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مستقبل قضيّة ريجيني التي لم تنته تحقيقاتها بعد.
RTX6DZTG.jpg

القاهرة - محمّد مجدي: في تطوّر لافت للعلاقات المصريّة- الإيطاليّة، زار وزير الخارجيّة الإيطاليّ إينزو موافيرو ميلانيزي، السبت في 4 أغسطس/آب، القاهرة ليسجّل الزيارة الأولى لوزير خارجيّة إيطاليّ لمصر منذ عام 2015، وبعد أكثر من عامين من التوتّر، إثر مقتل الباحث الإيطاليّ جوليو ريجيني في مصر بفبراير/شباط من عام 2016.

ورأى مراقبون أنّ زيارة رأس الديبلوماسيّة الإيطاليّة تعزّز العلاقات المصريّة – الإيطاليّة، وتشير إلى تجاوز الخلافات بين القاهرة وروما التي دبّت إثر مقتل جوليو ريجيني (28 عاماً)، خصوصاً أنّها تأتي بعد أقلّ من شهر على زيارة وزير الداخليّة ونائب رئيس الوزراء الإيطاليّ للقاهرة ماتيو سالفيني، الذي التقى الرئيس عبد الفتّاح السيسي ورئيس جهاز المخابرات العامّة اللواء عبّاس كامل في 18 يوليو/تموز الماضي.

وكان ميلانيزي قد استهلّ زيارته بجلسة مشاورات سياسيّة مع نظيره المصريّ سامح شكري في مقرّ وزارة الخارجيّة المصريّة بقلب العاصمة في 5 أغسطس/آب، أعقبها مؤتمر صحافيّ مشترك بينهما تحدّثا خلاله عن قضايا مشتركة عدّة، في مقدّمها الأوضاع الليبيّة والهجرة غير الشرعيّة، بجانب تطوّرات التحقيقات في مقتل ريجيني، وذلك بعد أن التقى مع السيسي.

وأشار سامح شكري في المؤتمر الصحافيّ إلى أنّ الزيارة هي الأولى لوزير خارجيّة إيطاليّ منذ تمّوز/يوليو من عام 2015، وتأتي في إطار حرص البلدين على استعادة زخم العلاقات بينهما، وتجاوز التحدّي الذي واجههما.

توتّرت العلاقات بين مصر وإيطاليا، بعد العثور على جثّة ريجيني في شباط/فبراير من عام 2016، عليها آثار تعذيب شديد، بعد أيّام من اختفائه في الذكرى الـ5 لثورة 25 كانون الثاني/يناير. والقاهرة وروما حليفتان تقليديّتان في منطقة البحر المتوسّط تربطهما علاقات اقتصاديّة قويّة، وسحبت إيطاليا سفيرها لكنّها أعادته مرّة أخرى إلى القاهرة بعدها بعام في أيلول/سبتمبر من عام 2017.

وأشار ميلانيزي في ذات المؤتمر، إلى أنّ زيارته هي الأولى لوزير خارجيّة إيطاليّ منذ بضع سنوات، والمواضيع المهمّة التي ناقشها مع نظيره المصريّ كانت تستحقّ تلك الزيارة. ومن بين تلك المواضيع قضيّة ريجيني، وقال: "أسعدني أن أسمع من الوزير شكري عن الإرادة القويّة من جانب الحكومة المصريّة للخروج بنتائج ملموسة من التحقيقات القضائيّة... ونحن على ثقة بأنّ العدالة ستخرج إلى النور في هذه القضيّة المؤلمة".

ورغم مرور أكثر من عامين على الحادث، لاتزال التحقيقات المشتركة بين السلطات القضائية المصرية والإيطالية مستمرة للكشف عن قتلة "ريجيني". وتحدثت تقارير عن تورط الأجهزة الأمنية المصرية في قتل ريجيني، غير أن السلطات المصرية نفت مرارًا تلك التقارير، وبعد ذلك اعترفت السلطات المصرية أن الشرطة راقبت أنشطته لمدة 3 أيام وتركته بعد ذلك.

زيارة ميلانيزي للقاهرة، سبقتها زيارة أخرى لسالفيني في 18 تمّوز/يوليو المنقضي، بحث خلالها في تطوّرات قضيّة ريجيني مع السيسي. وقالت وزارة الداخليّة الإيطاليّة: إنّ سالفيني أجرى مباحثات مطوّلة ووديّة مع السيسي جدّد خلالها طلب إيطاليا حلّ قضيّة ريجيني. وهو الطلب الذي ردّ عليه السيسي قائلاً: إنّ هناك إرادة ورغبة قويّة في التوصّل إلى نتائج نهائيّة في التحقيقات بقضيّة مقتل ريجيني، والكشف عن الجناة.

وأشار متحدّث رئاسة الجمهوريّة المصريّة السفير بسّام راضي في تصريحات لقناة "دي إم سي" المحليّة، 5 أغسطس/آب، إلى أنّ قضيّة ريجيني ألقت بظلالها على العلاقات بين البلدين خلال الفترة الماضية، لافتاً إلى أنّ هناك شفافيّة في تبادل المعلومات والتطوّرات الخاصّة بالقضيّة، وهناك إرادة سياسيّة قويّة لكشف الحقيقة، وقال: "إنّ الأمر يتطوّر بشكل إيجابيّ، ونأمل في الكشف عن مرتكبي الجريمة قريباً".

وكانت آخر تطورات تحقيقات ريجيني في 28 يونيو/حزيران الماضي، بيان مشترك للنيابة العامة المصرية مع نظيرتها الإيطالية، ذكرت فيه أن فحص تسجيلات كاميرات محطات مترو الأنفاق بالقاهرة به صورا وفيديوهات مفقودة وتحتاج لفحوصات متقدمة لاسترجعاها؛ بعدما تردد أنه اختفى خارج إحدى محطات المترو قبل أيام من العثور على جثته وبها آثار تعذيب شديد.

وقال رئيس لجنة العلاقات الخارجيّة في البرلمان المصريّ طارق رضوان خلال تصريحات لـ"المونيتور": "أعتقد أنّنا (مصر) تخطّينا عواقب أزمة مقتل الباحث ريجيني".

ولفت إلى أنّ السلطات الإيطاليّة أبدت رضاها عن التحقيقات المصريّة حول مقتل الطالب الإيطاليّ، خصوصاً مع تعاون النيابة المصريّة مع نظيرتها الإيطاليّة في التحقيقات وتلبية طلباتها، وقال: إنّ العلاقات المصريّة - الإيطاليّة تشهد تطوّراً إيجابيّاً كبيراً على الساحتين السياسيّة والاقتصاديّة.

وأشار إلى التنسيق السياسيّ بين روما والقاهرة في الأزمة الليبيّة، وكذلك قضيّة الهجرة غير الشرعيّة، وتطوّر التعاون الاقتصاديّ بين البلدين وقيام الشركة الإيطاليّة "إيني" باكتشافات غاز في البحر المتوسّط لصالح القاهرة.

وتنسق روما مع القاهرة لمنع المهاجرين غير الشرعيين من عبور البحر المتوسط إلى إيطاليا، حيث سبق ووقعت وزارة الداخلية المصرية ونظيرتها الإيطالية في سبتمبر/أيلول 2017، بروتوكولا أمنيا تلتزم مصر من خلال بتدريب كوادر من الشرطة الإفريقية (من 22 جنسية تنتشر فيها جرائم الهجرة غير الشرعية) على أحدث أساليب مكافحة الهجرة غير الشرعية.

ووفقاً لبيان وزارة الخارجيّة المصريّة، تعدّ إيطاليا الشريك الثاني لمصر أوروبيّاً والرابع عالميّاً بحجم تبادل تجاريّ 4,75 مليار يورو. كما تعدّ أكبر مستورد من مصر بقيمة 1.8 مليار دولار. وتلعب إيطاليا أيضاً دوراً في مساندة مصر بمساعيها للتحوّل إلى مركز إقليميّ لتداول الطاقة عن طريق عمليّات التنقيب واستكشاف الغاز الطبيعيّ التي قامت به الشركة الإيطاليّة ENI.

وفي عام 2015، تمكّنت ENI من الكشف عن حقل "ظهر" للغاز الطبيعيّ، الذي يعدّ الأكبر من نوعه في البحر المتوسّط. وبحسب بيانات هيئة الاستعلامات المصرية، يبلغ عدد الشركات الإيطالية العاملة في مصر 1052 شركة في مجالات مختلفة أبرزها الغاز، والتي تشمل شركتي "إيني" المشاركة في اكتشاف حقل "ظٌهر"، وشركة "إديسون" في منطقة أبو قير، بحجم استثمارات إجمالي يصل إلى نحو 9 مليارات دولار.

وخلال لقائه بالسيسي، تطرّق ميلانيزي إلى موقف الحكومة الإيطاليّة الجديدة من القاهرة، مؤكّداً أنّها عازمة على ترسيخ العلاقات مع مصر ودفعها. وفي حزيران/يونيو، تشكّلت حكومة إيطاليّة جديدة من حركات شعوبيّة ويمينيّة متشدّدة. وبعد أيّام من تشكليها، قال سالفيني: إنّ علاقة إيطاليا بمصر أكثر أهميّة من قضيّة ريجيني.

أمّا أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة حسن نافعة فقال: إنّ قضيّة ريجيني لا تزال لها تأثيرات عميقة على العلاقات المصريّة - الإيطاليّة، وإن كان حدوث تغييرات في النظام السياسيّ الإيطاليّ بتولّي حكومة جديدة يمينيّة قد ساعد على تخفيف حدّة أزمة مقتل الباحث الشاب، وكشف عن رغبة لدى السلطات الإيطاليّة في تجاوزها.

وأوضح في تصريحات لـ"المونيتور" أنّ هناك مصالح كبرى بين البلدين، خصوصاً اقتصاديّة بعد الكشف عن حقل الغاز ظهر، فضلاً عن الأزمة الليبيّة التي تلعب فيها إيطاليا دوراً أساسيّاً. وبالتّالي، هناك رغبة مشتركة لدفع العلاقات الاقتصاديّة إلى الأمام، في ظلّ توقّعات باكتشافات جديدة في شأن الغاز والنفط تقوم بها "إيني".

ويقول مراقبون إن صراعًا سياسيا بين إيطاليا وفرنسا حول ليبيا. وبعد أن أطلقت فرنسا مبادرة لحل أزمة الصراع السياسي في ليبيا في مايو/أيار الماضي، تجهز إيطاليا أيضًا لطرح مبادرة لحل الأزمة الليبية في الخريف المقبل –حسبما كشف وزير الخارجية الإيطالي في مؤتمره المشترك مع نظيره المصري. ورد شكري، خلال المؤتمر، على المبادرة الإيطالية أن مصر تدعم كل الجهود لتحقيق استقرار ليبيا.

وقال نافعة إن إيطاليا تسعى لكسب دعم مصر في صفها باعتبارها أن لها دور مؤثر في ليبيا خاصة مع المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي.

وعن مستقبل قضيّة ريجيني، أشار حسن نافعة إلى أنّ التصريحات والبيانات المشتركة التي خرجت عن الزيارة أغلبها متفائلة، لكنّها لا تعكس بالضرورة حقيقة ما دار في هذه المباحثات، ولا تعني انتهاء الأزمة بين روما والقاهرة، وقال: "لدى إيطاليا رأي عام قويّ لن يتخلّى عن قضيّة ريجيني وسيضغط على النظام، وبالتّالي ربّما خفّت حدّة القضيّة قليلاً، لكنّها لن تنطوي".

More from Muhammed Magdy

Recommended Articles