تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"حماس" تزور موسكو لتحشيد معارضتها لصفقة القرن

أنهى وفد قياديّ من "حماس" زيارة لموسكو بحثت في جملة من القضايا، أهمّها صفقة القرن، مسيرات العودة، ملف المصالحة، العلاقات الثنائيّة مع روسيا، المساعدات الماليّة والاقتصاديّة لغزّة، والوضع الإقليميّ... السطور الآتية تحاول التعرّف على أهداف تكرار زيارات "حماس" لروسيا، وما هي المصالح المتبادلة للجانبين؟ وما موقف السلطة الفلسطينيّة منها؟ وكيف ستؤثّر هذه الزيارات على مجمل الوضع الفلسطينيّ؟
From L: Abed al-Hafeez Nofal, the Palestinian ambassador to Moscow, and exiled Hamas deputy leader Mussa Abu Marzuq give a press conference along with other representatives of Palestinian political parties and movements in Moscow on January 17, 2017. / AFP / Alexander NEMENOV        (Photo credit should read ALEXANDER NEMENOV/AFP/Getty Images)

تعتبر علاقة "حماس" مع روسيا استثنائيّة وفريدة لأنّها شهدت في السنوات الأخيرة تطوّراً مطرداً بصورة ملحوظة، إذ لا يمرّ عام منذ عام 2015، إلاّ وتحصل زيارة من قيادة "حماس" لموسكو. وتمّت آخر هذه الزيارات في 25 حزيران/يونيو عبر وفد قياديّ منها برئاسة عضو مكتبها السياسيّ موسى أبو مرزوق، والتقى ممثّل الرئيس الروسيّ للشرق الأوسط ونائب وزير الخارجيّة ميخائيل بوغدانوف في مقرّ وزارة الخارجيّة الروسيّة. وذكر موقع "حماس" الرسميّ في اليوم ذاته أنّهما استعرضا العلاقات الثنائيّة، وتبادلا الآراء حول قضايا المنطقة، ومستجدات الوضع الفلسطينيّ، وإتمام المصالحة مع "فتح".

وأشار موسى أبو مرزوق في اتّصال بـ"المونيتور" إلى أنّ "زيارته لموسكو بحثت في تخفيف حصار غزّة، ‏وعقوبات السلطة الفلسطينيّة ضدّها، وما قد تقدّمه روسيا من مساعدات إليها. أمّا صفقة القرن الأميركيّة فأكّد الروس لنا أنّهم لم يستشاروا بها، وليسوا شركاء فيها، وغير معنيّين بنجاحها، فموسكو ترى واشنطن غير مؤهّلة لحلّ مشاكل المنطقة، ونحن نرى أنّ روسيا مؤهّلة أكثر، فعلاقاتها بالأطراف متوازنة، ونعتبرها دولة عظمى في العالم، وعضواً فاعلاً في الرباعيّة الدوليّة ومجلس الأمن، والسلطة الفلسطينيّة يجب ألاّ تقلق من زيارتنا، لأنّها لم تعرف ما جرى فيها".

وكشف ميخائيل بوغدانوف في 25 حزيران/يونيو عن تفكير موسكو بدعوة الفلسطينيّين إليها لإنجاز المصالحة، من دون تحديد موعد، مؤكّداً أنّ الولايات المتّحدة لم تعرض على بلاده خطّتها لسلام الشرق الأوسط، المسمّاة بصفقة القرن، مشيراً إلى ثبات الموقف الروسيّ الداعم للشعب الفلسطينيّ، وتقديم مساعدات روسيّة لتفكيك الأزمة الإنسانيّة في غزّة.

تزامنت زيارة قيادة "حماس" لموسكو مع زيارة الوفد الأميركيّ الرفيع المستوى للمنطقة برئاسة مستشار الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب للشرق الأوسط جيراد كوشنير ومندوب دونالد ترامب لشؤون التفاوض الدوليّ جيسون غريبنلات، الأمر الذي قد يشير إلى رغبة "حماس" وروسيا معاً في إرسال رسالة إلى الإدارة الأميركيّة مفادها أنّها ليست اللاّعب الوحيد في المنطقة.

لعلّ "حماس" ترى في روسيا لاعباً مركزيّاً جدّاً في الشرق الأوسط، لأنّ لديها علاقات مباشرة مع جميع اللاّعبين في المنطقة: إسرائيل، مصر، السلطة الفلسطينيّة، "حماس"، وحتّى إيران، وهو ما لا يتوافر للولايات المتّحدة التي باتت علاقاتها تسوء مع العديد من الأطراف، وقطيعتها مع إيران و"حماس"، الأمر الذي يمنح روسيا إمكانيّة أن تتدخّل بقوّة في الساحة الفلسطينيّة: رفع حصار غزّة ومصالحة "فتح" و"حماس".

وقال رئيس الدائرة السياسيّة في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ وعضو المجلس الثوريّ لـ"فتح" عبد الله عبد الله في حديث لـ"المونيتور": "إنّ روسيا تريد تثبيت نفوذها الإقليميّ عبر فتح قنوات مع أطراف القضيّة الفلسطينيّة، وحماس منها، لكنّ خطأ حماس الاستراتيجيّ أنّها ترى نفسها بديلاً لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة وفتح، وتعتبر علاقاتها الدوليّة، مع روسيا مثلاً، تمهيداً للتعامل معها بهذه الصورة. حماس مطلوب منها أن تكون أكثر نضجاً، وتقتنع بأنّها لن تكون بديلاً لنا، وإن سعت إلى منح روسيا دوراً في إنجاز المصالحة فهذا صعب، فالمصالحة ملف حصريّ بمصر".

تعيش العلاقات السياسيّة الخارجيّة لـ"حماس" ظروفاً صعبة مع العديد من دول العالم والمنطقة، في ظلّ تصنيفها كحركة إرهابيّة لدى الولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبيّ، وحالة البرود التي تشهدها مع بعض الدول العربيّة كمصر والأردن، فضلاً عن قطيعتها مع المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة وسوريا، مع أنّ لديها شبكة علاقات متينة وقويّة مع عدد آخر من الدول الوازنة في المنطقة مثل إيران وقطر وتركيا.

إنّ محاولة "حماس" تعويض العزلة الإقليميّة والدوليّة، التي يحاول فرضها عليها أعداؤها وخصومها في المنطقة من خلال تواصلها مع دولة عظمى كروسيا، قد تصطدم بمعارضة إسرائيليّة تحاول كبح جماح التقارب الحمساويّ الروسيّ وممارسة ضغوط على موسكو لوقف توطيد علاقتها بالحركة لحرمانها من أيّ فضاء دوليّ، الأمر الذي يعني ألاّ تكون طريق "حماس" إلى الكرملين معبّدة بصورة سلسة، بل قد تعترضها عوامل الشدّ والجذب بين موسكو وتلّ أبيب.

من جهته، قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة "الأزهر" بغزّة مخيمر أبو سعدة لـ"المونيتور": "إنّ علاقات روسيا بحماس لم تنقطع منذ عام 2006، والروس معنيّون بإفشال صفقة القرن وقلقون من تأثير أوضاع غزّة على مرونة حماس مع الصفقة، رغم أنّهم لا يملون قراراتهم عليها، فيما السلطة الفلسطينيّة قلقة من علاقات حماس بموسكو، لأنّها تضرب تمثيلها الحصريّ للفلسطينيّين. ولأنّ حماس منافسة لها، فإنّها تتوجّس من الحراك الحمساويّ نحو موسكو".

وبالعودة إلى أجندة لقاءات قادة "حماس" مع المسؤولين الروس، نجد أنّ الرئيس السابق للمكتب السياسيّ لـ"حماس" خالد مشعل التقى في آب/أغسطس من عام 2015 وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف بقطر. وفي قطر أيضاً، التقى بوغدانوف خالد مشعل في آب/أغسطس من عام 2016، ووصل وفد من "حماس" إلى موسكو في كانون الثاني/يناير من عام 2017، ثم وصل وفد آخر إلى روسيا في أيلول/سبتمبر من عام 2017. وفي آذار/مارس من عام 2018، زار وفد من "حماس" موسكو.

أمّا أحمد يوسف، وهو المستشار السابق لرئيس المكتب السياسيّ لـ"حماس" إسماعيل هنيّة، فقال لـ"المونيتور": "إنّ زيارة حماس لروسيا تنطلق من علاقاتها الخارجيّة المحدودة، وحين تفتح موسكو أبوابها لنا فهو إنجاز لنا، فموسكو تمرّر رسائلنا إلى المجتمع الدوليّ، وهي تحتاج إلى حماس ذات النفوذ الجماهيريّ، الأمر الذي يعني وجود مصالح مشتركة، فحماس تخشى صفقة القرن وتريد الاستئناس بموقف روسيا الرافض لها، وإنّ اعتراض السلطة الفلسطينيّة على تواصلنا مع روسيا غير مقبول، فطالما غزّة محاصرة، فمن حقّها البحث عن فكّ عزلتها".

وأخيراً، تسعى "حماس" من خلال تكثيف زياراتها لموسكو واتّصالاتها بها إلى إيجاد ثغرات في جدار العزلة التي تفرضها عليها الولايات المتّحدة وإسرائيل ودول عربيّة، في ظلّ ارتباط روسيا بعلاقات وثيقة مع حلفاء "حماس" في المنطقة: قطر وتركيا وإيران. وربّما يتّفق ذلك مع رغبة موسكو في تفعيل دورها بالمنطقة، حيث يزداد نفوذها بعد تواجدها العسكريّ في سوريا، مقابل تراجع الدور الأميركيّ فيها، الأمر الذي يجعلها تجد في تقاربها مع "حماس" فرصة لتعبئة الفراغ الذي نشأ عن سوء العلاقات الأميركيّة مع العديد من أطراف المنطقة.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles