تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الهجوم على مفوضيّة الانتخابات يفاقم الوضع المتأزّم في ليبيا

تبنّى تنظيم الدولة الإسلاميّة الهجومَ الإرهابي الذي استهدف مقرّ المفوضيّة الوطنيّة العليا للانتخابات في العاصمة الليبيّة طرابلس في الثاني من شهر أيار/مايو الجاري، ما يثير المزيد من التخوّفات الأمنيّة حول الانتخابات المقبلة.
RTS1PLS7.jpg

 أتى الهجوم الإرهابي الذي استهدف مقر المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في العاصمة الليبية طرابلس في وقتٍ حرجٍ مع استعداد البلاد لإجراء الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة في وقتٍ لاحقٍ من العام الجاري.

في ساعات الصباح الأولى، دخل انتحاريان مسلّحان بأحزمة ناسفة إلى مقرّ المفوضيّة في طرابلس بعد أن قاما بقتل حارسين مسلّحين. وقد أسفر الاعتداء عن مقتل ما لا يقلّ عن 14 شخصًا، بينهم ضباط شرطة مسؤولين عن حماية الموقع وموظفين من المفوضية، وإصابة 50 شخصًا آخرين.

ليس الأمن محكمًا بشدّة حول مبنى المفوضيّة في منطقة غوط الشعال المتهالكة إلى الغرب من وسط طرابلس، إذ يمكن للأشخاص دخول المبنى بعد إجراءات التفتيش وتمرير الأغراض المحمولة في أجهزة المسح.

تبنّى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) العملية من دون تقديم أي دليل يتعلّق بالاعتداء السافر. وزعمت مصادر موجودة على الأرض أنّه في خضمّ العمليّة وارتباك المشهد، أطلقت قوى الأمن النار عن طريق الخطأ على الأشخاص الفارّين من المبنى. وفي محادثة مع المونيتور، صرّح حسن، وهو أحد الموظفين في المفوضية رفض الكشف عن شهرته، قائلًا: "قتلت الشرطة معظم الأشخاص وهم يفرّون من المبنى"؛ فعند وصول مجموعة كبيرة من الشرطة إلى مكان الحادث بعد وقت قصير من وقوع الهجوم، بدأت بإطلاق النار على الذين كانوا يغادرون المبنى معتقدة أنهم كانوا المهاجمين.

هذا ما أكده أيضًا شاهد عيان آخر يعيش بالقرب من مبنى المفوضيّة، في مكالمة مع المونيتور أثناء وقوع الهجوم. وقد قال عمر الذي اشترط عدم الإفصاح عن شهرته إنّ "عددًا من ضباط الشرطة وصلوا إلى بوابة المبنى بعد أن بدأ الهجوم وبدؤوا بإطلاق النار على الأشخاص الخارجين من المبنى".

تجدر الإشارة إلى أنّ قسم الشرطة الصغير نسبيًّا في العاصمة، والخاضع لسلطة حكومة الوفاق الوطني يفتقر إلى العتاد والتدريب المناسب؛ فمعظم عناصره هم أعضاء سابقون في الميليشيات التي قاتلت ضد نظام معمر القذافي في عام 2011 وتمّ دمجهم في قوات الأمن الحكومية من دون أي تحقيقٍ يذكر أو تدريب مهني في مجال التعامل مع الأوضاع الأمنية مثل الهجمات الإرهابيّة.

وقد قام سكان طرابلس يوم 3 أيار/مايو الجاري بتشييعٍ جماعي لضحايا الاعتداء في الميدان الرئيسي للمدينة قبل تسليم الجثث إلى عائلات الضحايا لدفنها.

قام رئيس المفوضية عماد السايح بالتحدث إلى جانب وزير داخلية حكومة الوفاق الوطني في مؤتمر صحفي عُقِد بعد الهجوم مباشرةً، مطمئنًا المواطنين بأن سجلات الناخبين لم تتضرّر. وعزا سبب الهجوم إلى الانقسام السياسي في البلاد، من دون إعطاء مزيد من التفاصيل. وتبرز حاجة إلى مثل هذه التطمينات في هذا الوقت مع قيام المفوضية بتوظيف الكثير من الوقت والموارد لتشجيع الناس على التسجيل للانتخابات المقبلة أينما ستُعقد.

ولا يزال الضرر الذي لحق بالمبنى ومحتوياته غير معروف، إذ لا يُسمَح لأحد بالتواجد في الموقع ولم تقدّم السّلطات أيّ تفاصيل أخرى.

على الرغم من تعرّض داعش للهزيمة في معقله في سرت على الساحل الليبي وإجباره على الانسحاب في عام 2016، هو لا يزال يجوب المناطق الصحراوية الشاسعة في البلاد، لا سيما في جنوب سرت وبني وليد جنوب غربي طرابلس.

قد يكون الهجوم في طرابلس متوقّعًا بالنسبة إلى البعض، نظرًا لهشاشة الوضع الأمني الذي تعيشه البلاد، بما في ذلك العاصمة. لكن مع ذلك، صدم هذا الهجوم الليبيّين لكونه الهجوم الأكثر جرأة على طرابلس بعد قيام التنظيم الإرهابيّ بقتل ثمانية أشخاص في أوّل هجوم كبير له على فندق كورينثيا الفخم في العاصمة في 27 كانون الثاني/يناير 2015.

وجاء الهجوم على المفوضيّة بعد أيام قليلة فقط من قيام حشد كبير بتشييع القيادي الإرهابيّ في بنغازي وسام بن حميد الذي قُتل في معركة مع القوات المسلحة الليبية قبل عامين، علمًا أنّ عائلته لم تؤكّد وفاته إلّا مؤخرًا من دون تقديم أي تفاصيل حول ظروف مقتله. فقد قام والد حميد وشقيقه بالإعلان عن مقتله في مؤتمر صحفيّ متلفز من مدينة اسطنبول التركية يوم 30 نيسان/أبريل. كان حميد أيضًا عضوًا معروفًا في داعش الذي قاتل قوات الجنرال خليفة حفتر في شرق ليبيا بين عام 2014 وتموز 2017 عندما سيطرت القوات المسلحة بالكامل على ثاني أكبر مدينة في ليبيا، وتعرّض بالتالي تنظيم الدولة الإسلامية للهزيمة بعد ثلاث سنوات من إراقة الدماء.

 ويشير تشييع حميد في وسط العاصمة قبل أيام قليلة من الهجوم على المفوضيّة إلى أنّ التنظيم ما زال يحظى ببعض الدعم في العاصمة نفسها. غاب حكم القانون في البلاد منذ الإطاحة بالزعيم معمّر القذافي في تشرين الأوّل/أكتوبر 2011 وسيطرة الميليشيات والعصابات المسلّحة التي لا تعدّ ولا تحصى على أجزاء مختلفة من البلاد حيث تراجعت سيطرة الحكومة أو انعدمت. ولا تزال الجماعات الإرهابية تجد ملاذات آمنة في المناطق الصحراوية الشاسعة لا سيما في الجنوب.

يثير الهجوم على المفوضية العليا للاجئين أسئلة مشروعة حول مستوى الأمن في البلاد قبيل إجراء الانتخابات النيابية والرئاسية في وقت لاحق من هذا العام. ويدعم مبعوث الأمم المتحدة الخاص غسان سلامة بقوة فكرة التوجّه إلى صناديق الاقتراع في هذا البلد المنقسم، باعتبارها أفضل طريقة لتحقيق الوحدة بين الحكومة في طبرق، مقرّ البرلمان، من جهة، وحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا في طرابلس، والتي لا سيطرة فعليّة لها على العاصمة، من جهة أخرى.

More from Mustafa Fetouri

Recommended Articles