تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أهالي تاورغاء في ليبيا... 7 سنوات من النزوح والمآسي وما زالوا يبحثون عن طريق العودة إلى ديارهم

على الرغم من توقيع اتّفاق المصالحة بين مصراتة وتاورغاء في ليبيا، منع مسلّحون من مصراتة نحو 600 عائلة من أهالي تاورغاء من العودة إلى ديارها. فافترش هؤلاء الأهالي العراء في مخيّم في منطقة قرارة قطيف ينتظرون فتح الطريق للعودة إلى بلدتهم التي هجّرتهم منها مصراتة قبل 7 سنوات، بسبب قتالهم إلى جانب نظام معمّر القذّافي وارتكابهم جرائم اغتصاب في حقّ نسائهم، وفق قولهم.
Libyan displaced from the town of Tawergha protest in their camp in Benghazi, Libya February 4, 2018. Picture taken February 4, 2017. REUTERS/Esam Omran Al-Fetori - RC126EB72FD0

في 1 شباط/فبراير 2018، شدّ نحو 600 عائلة من أصل 40 الف نسمة من بلدة تاورغاء الواقعة في الجنوب الشرقيّ لمدينة مصراتة في وسط ليبيا الرحال إلى ديارها التي هجّرت منها قبل 7 سنوات قسراً بسبب قتال رجال من بلدتهم مع نظام الليبي السابق ضد مصراته، واتهام بعضهم بارتكاب جرائم اغتصاب بحق نساء من مصراتة.

لكنّ رحلة هذه العائلات انتهت عند أبواب بلدتهم بعدما تصدّى لهم مجموعة من مصراته ومنعوا تحت تهديد السلاح من اكمال طريقهم. وذلك بالرغم من توقيع اتّفاق مصالحة بين ممثّلين عن مصراتة وتاورغاء برعاية رئيس المجلس الرئاسيّ لحكومة الوفاق الوطنيّ فايز السراج في 26/12/2017 يقضي بعودة أبناء تاورغاء إلى بلدتهم وبصرف دفعة من التعويضات للمتضررين من الجانبين. وعلى الرغم من غياب أيّ مقومات للصمود، قررت هذه العائلات الاستقرار في العراء بخيم غير مجهّزة في منطقة تدعى قرارة قطيف تبعد نحو 30 كيلومتراً عن تاورغاء. ويبدأ فصل جديدة في مأساة عائلات تاورغاء المشتتة أصلاً في مخيمات بمدن بنغازي وأجدابيا وطرابلس وبني وليد وترهونة.

أجرى "المونيتور" اتّصالات مع نازحين في المخيّم للاطّلاع على أوضاعهم. في هذا الإطار، يقول حسن عثمان حسن (38عاما): "وضعنا مأساويّ جدّاً، فأنا متزوّج ولديّ طفلان، ولم أحصل على خيمة للمبيت فيها، نحن ننام في العراء وأحياناً في سيّارات بعض الأهالي، وننتظر بفارغ الصبر العودة إلى منازلنا".

بدورها، تقول سليمة الغرياني (33 عاما) لـ"المونيتور": "كنّا ننتظر ساعة الفرج للعودة إلى منازلنا، لكنّ رصاص المسلّحين أوقف حلمنا، ووجدنا أنفسنا أنا وزوجي وطفلي نخرج من مخيّم لنعلق في مخيّم آخر بالغ السوء، حيث لا حمّامات ولا فرش ولا أغطية، وحتّى الطعام يتمّ إعداده على الحطب".

أمّا أمل بركة (43 عاماً) فتقول: "نعيش أوضاعاً نفسيّة صعبة جدّاً، تصوّر أنّنا ننتظر الليل للذهاب إلى منطقة بعيدة عن المخيّم من أجل قضاء حاجتنا".

تعود قضيَة تاورغاء إلى آب/ أغسطس 2011، حيث تمكّن مسلحو مصراته من إخراج مقاتلي تاورغاء من مدينتهم بداية، قبل أن يدخلوا تاورغاء نفسها ويدمّروها ويهجّروا كلّ أهلها انتقاماً من مقاتلين قاموا بجرائم اغتصاب بحقّ نساء من مصراتة.

ليس هناك أيّ وثائق رسميّة تثبّت جرائم الاغتصاب التي تتحدث عنها مصراتة، تقول البلدية أنّ لديها تسجيلات فيديو التقطت عبر الهواتف المحمولة تعرضها فقط على المحققين الرسميين. حتى مدّعي المحكمة الجنائية الدولية آنذاك لويس أوكامبو أعلن في 20/4/2012 أنه ينوي التحقيق في قضايا الاغتصاب في مصراتة، لكن الأمر أنتهى عند النوايا فقط، ولم يعرف سبب عدم مباشرته في التحقيق.

في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، قمت برحلة صحافيّة إلى ليبيا وقصدت تاورغاء المدمّرة والخالية عن بكرة أبيها، منعت يومها من التصوير وطلب منّي مسلّحون الخروج من البلدة. توجّهت إلى مصراتة وطلبت إثباتات حول حالات اغتصاب، فأتوني بسجينين من تاورغاء، وقد اعترفا باغتصاب نساء. على الرغم من اعترافهما، إلّا أنّه لا يمكن الأخذ بقولهما لأنّ الشابّين كانا يتحدّثان تحت أعين الحرّاس، وبالتالي ربّما كانا مجبرين على قول ذلك.

في بداية عام 2015، بدأت اللقاءات بين ممثّلين عن مصراتة وتاورغاء في طرابلس عن طريق شخص من مصراتة يدعى يوسف زرزاح الذي أصبح فيما بعد رئيس لجنة مصراتة–تاورغاء للحوار والمصالحة بهدف التوصّل إلى اتّفاق ينهي العداوة ويعيد الحقوق إلى المتضررين من الجانبين. وتوالت الاجتماعات حتّى توقيع اتّفاق في تونس في 31 آب/أغسطس 2016 من بنود عدّة أبرزها دفع تعويضات للعائلات المتضرّرة، تطبيق القانون في حقّ المتّهمين، وإعادة إعمار تاورغاء وضواحي مصراتة المتضرّرة .

شكل هذا الاتفاق الركن الأساسي في مسيرة المصالحة بين الطرفين، لكنه بقي من دون تنفيذ حتى تاريخ 19/6/ 2017 عندما صادق رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج على الاتفاق وطالب باجراء الترتيبات الأمنية لعودة أهالي تاورغاء إلى منزالهم. وفي 26/12/2017 أعلن السراج رسميا أن موعد بدء عودة أهالي تاورغاء إلى مدينتهم سيكون الأول من شباط/ فبراير 2018، تأكيدًا لاتفاق المصالحة بين ممثلين عن مصراتة وتاورغاء.

السؤال إذا، لماذا منع أهالي تورغاء من العودة إلى منازلهم؟

يقول رئيس لجنة مصراتة-تاورغاء للحوار والمصالحة زرزاح في اتّصال مع لـ"المونيتور": "كان يفترض دخول أهالي تاورغاء بأعداد محدودة وعلى مراحل إلى بلدتهم،" بناءً على تنسيق مسبق بين لجنتي تاورغاء ومصراتة حول أعدادهم وبعد إخطار الجهات الأمنية وفقا للاتفاق، "لكنّنا فوجئنا بوصول العدد إلى نحو عشرة آلاف شخص".

في المقابل، يرى القاضي السابق والمحلّل السياسيّ المستقلّ من مصراتة أحمد الروياتي في اتّصال مع "المونيتور" أنّ "سبب المشكلة هو مجموعة صغيرة من مصراتة لا تريد لاتّفاق المصالحة أن ينجح"، ويصف الروياتي هذه المجموعة بـ"المتشدّدة" المرتبطة بـ"دار الإفتاء" الذي يرأسه الصادق الغرياني ومعسكر الإخوان القديم ومجموعة "المقاتلة" المرتبطة برئيس حزب الوطن الليبي عبد الحكيم بلحاج. يضيف: "هذه المجموعة من تهدف من تأخير عودة نازحي تاورغاء إلى مقايضة الأمر بنازحي بنغازي". في إشارة منه إلى "سرايا الدفاع عن بنغازي" التي قاتلت الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر.

أمّا رئيس المجلس المحلّيّ في تاورغاء عبد الرحمن الشكشاك فيؤكّد في اتّصال مع "المونيتور": "الأهالي مصمّمون على العودة إلى بلدتهم. وسيبقون في الخيم والعراء حتّى تفتح الطريق أمامهم". وقال: "الاتّفاق كان واضحاً لناحية العودة ورئيس المجلس الرئاسيّ أعلن ذلك بنفسه، وقد رصد 25% من التعويض الذي وعدت به حكومة الوفاق كدفعة أولى للمتضرّرين من تاورغاء ومصراته، كما قدّمت دفعات إلى وزارتي الداخليّة والحكم المحلّيّ والقوّات الموالية للحكومة في المنطقة الوسطى لتسهيل العودة". يضيف الشكشاك: "لقد زرت المبعوث الأمميّ الخاصّ غسّان سلامة ورئيس المجلس الرئاسيّ فايز السراج، وشددا على أنّهما يضغطان حاليّاً على قادة مصراتة من أجل تنفيذ اتّفاق المصالحة وإنهاء معاناة الناس".

ينفّذ أهالي تاورغاء وقفات شبه يوميّة في قرارة قطيف احتجاجاً على أوضاعهم الصعبة منذ إقامتهم لهذا المخيم، في وقت يضغط أعيان ومشايخ قبائل على مصراتة والمجلس الرئاسيّ من أجل إنهاء القضيّة. كما شدّدت بعثة الأمم المتّحدة للدعم في ليبيا بدورها في 27/02/2017 على وجوب العودة الطواعيّة لأهالي تاورغاء إلى مدينتهم بما يحفظ كرامتهم. ورأت أنّه ينبغي ألاّ يكون الناس رهائن للنزاع السياسيّ. بينما دعت منظّمة هيومن رايتس ووتش المحكمة الجنائيّة الدوليّة إلى التحقيق مع المتورّطين في جرائم محتملة ضدّ الإنسانيّة في حقّ أهالي تاورغاء.

إذاً تزداد الضغوط على مصراتة من أجل إنهاء معاناة أهالي تاورغاء، ويبدو واضحاً أنّ القضيّة في طريقها إلى العلاج، وباتت مسألة وقت وبعض الأمور اللوجستيّة قبل فتح الطريق أمام الأهالي لعودتهم إلى ديارهم، وإنهاء إحدى أكبر المآسي في ليبيا.

More from Mohannad Obeid

Recommended Articles