تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

روسيا تنظر في تبديل مسارها بعد بروز تحدّيات جديدة في سوريا

مع اقتراب الانتخابات الرئاسيّة، تجد روسيا نفسها تحت ضغوط فرضتها مؤخّرًا سلسلة من الأحداث المشؤومة في سوريا ممّا دفعها إلى إعادة تقويم استراتيجيّتها هناك.
Russian President Vladimir Putin and Defence Minister Sergei Shoigu attend a state awards ceremony for military personnel who served in Syria, at the Kremlin in Moscow, Russia December 28, 2017. Sputnik/Alexei Druzhinin/Kremlin via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. - RC1FBBAD3FD0

موسكو — أودى تحطّم طائرة نقل عسكريّة روسيّة من طراز "أن-26" في 6 آذار \مارس، لدى اقترابها من قاعدة حميميم الجوّيّة في سوريا، بحياة جميع من كان على متنها، وهم ستّة أشخاص من طاقمها و33 راكبًا. وبعد مرور ساعات قليلة على كارثة تحطّم الطّائرة التي يعود تاريخ صنعها إلى العام 1980، أطلع وزير الدّفاع الروسي سيرغي شويغو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على المعلومات الأوليّة التي تشير، كما يُعتقد، إلى عطل تقني أو خطأ اقترفه الطيّار.

تسبّبت الحادثة — والتي تُعتبر الخسارة العسكريّة الأكبر التي مُنيت بها روسيا في سوريا — بمقتل اللواء فلاديمير يريمييف، وعقيد، وستة ضباط برتبة رائد، ونقيبين و29 عنصرًا من صغار الضباط والرقباء.

تبنّى تنظيم جيش الإسلام الحادثة، قائلاً إنه أطلق النار على الطّائرة وهي على وشك الهبوط. ويُفترض أنّ الاعتداء قد جاء ردًا على الدّعم الرّوسي للهجوم الذي شنّه الجيش السوري في الغوطة الشرقيّة. رأى فريق The Conflict Intelligence Team، وهو فريق مستقلّ من المحقّقين في النزاعات ومقرّه موسكو، أنّ البيان كاذب نظرًا إلى أنّ جيش الإسلام متواجد بشكل محدود في المنطقة المجاورة لموقع الحادثة. ولفت فريق المحقّقين أيضًا إلى أنّ صحيفة الديار اللبنانيّة دون سواها تحدّثت عن البيان الذي غاب ذكره عن أيّ من حسابات جيش الإسلام على مواقع التواصل الاجتماعي.

تواصل بوتين مع الرّئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر الهاتف بعد مرور وقت قصير على الحادثة. وجاء في بيان صحفي صادر عن الكرملين أنّ أردوغان تقدّم بتعازيه [لبوتين] وأنّه أبلغ القائد الروسي بمواصلة العمليّة التركيّة في عفرين. كما تطرّق الطّرفان إلى الأوضاع في الغوطة الشرقيّة.

يُعتبر تحطّم الطّائرة التطوّر الأخير في سلسلة من الأحداث المشؤومة بالنّسبة إلى موسكو في سوريا، كما يأتي في طليعة الضّغوط المتصاعدة المتعلّقة بالوضع في الغوطة الشرقيّة والاعتبارات الأمريكيّة المرتبطة باحتمال توجيه ضربة أخرى ضدّ مواقع الرئيس السّوري بشار الأسد بسبب تجدّد الاتّهامات ضدّه باستخدامه أسلحة كيميائيّة. وفي حين تفصلنا أيام تسعة عن الانتخابات الرئاسيّة الروسيّة، يُنظر إلى تلك التحركات على أنها ثمرة "الجهود الأمريكية الآيلة إلى أذيّة بوتين". ولكن الحدّ الذي يمكن أن تصل إليه الأمور قبل أن تشكّل خطرًا على المساعي الروسيّة في سوريا هو ما يتسبّب بقلق شديد لموسكو.

في حديث مع المونيتور، أشار مسؤول في الكرملين رفض الكشف عن اسمه إلى وجود "دليل واضح" على السعي الأمريكي إلى تعقيد الأمور في وجه روسيا.

وتابع المسؤول قائلًا إنّ الولايات المتّحدة "قد خسرت الكفاح العسكري بمعنى أنّ مجموعات المعارضة التي تمّ انتقاؤها بدقّة قد فشلت في إسقاط الأسد عسكريًا. لذلك تستثمر استثمارًا كاملًا في كافة أنواع المبادرات لمنعنا من تحقيق أيّ نجاح ممكن من خلال التسوية السياسيّة. وهم لم يقدّموا أيّ اقتراح بنّاء لإيجاد مخرج للأزمة".

وكان وزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف قد أعرب عن قلق مماثل في وقت سابق مشيراً إلى "رغبة الولايات المتّحدة ودول غربيّة أخرى في التّخفيف من الضّغط على" جبهة فتح الشام وغيرها من الجماعات المتطرّفة كي تستمرّ في استخدامها ضدّ الأسد. وتابع لافروف قائلًا إنّ "مصادر مختلفة توفّر معلومات إضافيّة لموسكو حول تشكيل الأمريكيّين جماعة غير شاملة ومحدّدة لتقوّي الخطط الهادفة إلى حلّ الدولة السوريّة".

يقرّ الطّرفان بضرورة استمرار موسكو وواشنطن في التواصل حول هذه المواضيع. لفت السّفير الأمريكي لدى روسيا جون هانتسمان في لقاءاته الأخيرة مع رئيس هيئة الأركان العامة الروسيّة الجنرال فاليري جيراسيموف ونائب وزير الخارجيّة الروسي سيرغي ريابكوف إلى أنّ "الثقة المتدنّية" بين البلدين تتطلّب منهما تكثيف الاتّصالات بدلًا من التخفيف منها. بيد أنّ هذه الاتّصالات لم تفلح بعد على ما يبدو في تهدئة المخاوف الروسيّة.

حقّقت روسيا ذات مرة عائداً على استثماراتها، وتمثّل ذلك في إنشاء مناطق خفض التصعيد ولجوئها إلى شركات عسكريّة خاصّة وإلى إشراك جماعات المعارضة. غير أنّ هذه الجهود باتت عاجزة عن تحقيق النتائج التي ترغب فيها موسكو. وربما استوعب الآخرون كيفيّة التكيّف والتعامل معها. لكنّ روسيا لن تتراجع عن مواجهة التّحدّيات، حتى ولو تكبّدت المزيد من الخسائر السياسيّة أو النفقات المادّية. وبدلًا من ذلك، ستراجع [روسيا] مسارها. ويبدو أنّ موسكو قد بدأت بالفعل في تبديل استراتيجيّتها العسكريّة والدبلوماسيّة.

تصمّم وزارة الدّفاع الروسيّة على الاستفادة من "المنطقة الرماديّة" الشّبيهة بمنطقة الحرب الباردة المتأرجحة بين السّلام والحرب التقليديّة.

في اليوم الذي تحطّمت فيه الطّائرة، كان جيراسيموف متواجدًا في قاعدة حميميم الجويّة. لم تتوفّر معلومات حول زيارته لسوريا، ولولا تحطّم الطائرة، لما عُلم أبدًا أنّه كان متواجدًا هناك. غير أنّ زيارته في هذا التوقيت الحرج تُظهر أنّ موسكو تُجري التعديلات اللّازمة على جيشها. وسيظهر ذلك جليًا وقريبًا في ديناميكيّات ساحة المعركة.

كشف تقرير استقصائي صادر عن موقع زناك الإعلامي الروسي عن استعدادات لنشر ما لا يقلّ عن 150 مقاتلاً من المرتزقة من مجموعة فاغنر في سوريا في خلال الأسبوعين المقبلين. كما نُشرت تقارير حول شركة فاغنر العسكريّة الخاصّة بعد 7 شباط\فبراير بقليل، عندما هاجمت الولايات المتّحدة وقوّات سوريا الدّيمقراطيّة التي تدعمها الولايات المتّحدة وحدات موالية للأسد يُزعم أنّها كانت برفقة مرتزقة من الرّوس. وفي حال تبيّنت صحّة ذلك، سيشكّل ذلك حتمًا تطوّرًا ذا أهميّة إخباريّة، غير أنه لا يمثّل سوى جزء صغير من خطوات عسكريّة محتملة تفكّر فيها موسكو.

 إنّ المسار الدبلوماسي متعثّر. استمرّت روسيا في إشراك تركيا وإيران عن كثب في الأسابيع الأخيرة. وأجرى ممثّلو الدّول الثلاث مشاورات مع المبعوث الأممي الخاص لسوريا ستافان دي مستورا في نيويورك في 6 آذار\مارس. قاد المشاورات من الجانب الروسي مدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الخارجيّة الروسيّة سيرغي فيرشينين الذي مارس ضغوطًا لتنفيذ القرارات التي تمّ التوصّل إليها في خلال مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي في أواخر شهر كانون الثاني\يناير، والتي تنصّ عمليًا على استهلال محادثات جنيف وفق آليّات ترعاها روسيا.

وفي الوقت الذي تحافظ فيه طهران على مسار خاصّ بها وتعمل بحكمة على تجنّب لفت الأنظار في ما يتعلّق بهذه المسائل، يُعدّ موقف أنقرة مهمًا على هذا الصّعيد. صحيح أنّ الانتقاد لطالما وُجّه إلى أردوغان بسبب استراتيجيّته الفاشلة في سوريا، ولكن تبقى تركيا دولة أساسيّة لكلّ من روسيا والولايات المتّحدة. يتوجّه وزير خارجيّة تركيا مولود جاويش أوغلو إلى روسيا للمشاركة في اجتماع مجموعة التخطيط الاستراتيجي المشترك الذي يعقد بين 12 و14 آذار\مارس، وذلك في أعقاب جلسة مجموعة العمل الأمريكيّة – التركيّة في واشنطن في 8 - 9 آذار/مارس. وبعدها، يتوجّه إلى كازاخستان للانضمام إلى نظيريه الروسي لافروف والإيراني محمد جواد ظريف في الاجتماع الثلاثي "للدول الضامنة لمحادثات أستانا" في 16 آذار/مارس. ستعمل تركيا على استغلال روسيا والولايات المتّحدة لتحقيق مصالحها الخاصّة، وهو أمر مفهوم. ستجتهد موسكو بدورها في إقناع أنقرة بأنها تمثّل شريكًا أفضل من الشّريك الأمريكي، كما ستعمل واشنطن على تحقيق الأمر عينه. كثيرة هي المخاطر، وقد تحدّد القرارات التي سيتّخذها أردوغان في الأسابيع القليلة المقبلة المعايير الأساسيّة الخاصّة بالموقف التركي في سوريا على المدى المنظور.

تنقلب الطّاولات بسرعة في الصّراع السوري. يسود موسكو شعور قويّ بأنّ الأمور ليست على ما يرام، كما يساور القلق أشدّ المؤيّدين للسّياسات الروسيّة في سوريا والذين باتوا ينادون بتحديثها. تتوخّى موسكو الحذر لتفادي أيّ خطوة جذريّة قبيل الانتخابات المقرّر عقدها في 18 آذار\مارس وذلك بهدف تجنّب المخاطر المحتملة. غير أنّ روسيا ماضية قدمًا في خطط تعديل استراتيجيّتها والتي سيكون قد جرى تطبيقها في اليوم الذي يفوز فيه بوتين بولايته الرابعة.

More from Maxim A. Suchkov

Recommended Articles