تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إجراء الانتخابات الليبيّة هذا العام قد يكون كارثيًا

تكثُر الضغوطات لعقد الانتخابات في ليبيا هذا العام فيما يخشى الكثير من المراقبين من أن تُفاقم هذه الانتخابات الوضع المتأزّم أصلًا في البلاد.
Libya_Election1.jpg

يضغط المجتمع الدولي والكثير من السّياسيّين اللّيبيّين من أجل إجراء الانتخابات الليبيّة بحلول نهاية هذا العام، على الرّغم من خطر إغراق البلاد التي مزّقتها الحرب الأهليّة في دوّامة الاضطرابات. ويدعم غسان سلامة، مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، فكرة إجراء الانتخابات ولكنّه يُشير إلى سلسلة من الشّروط التي يجب الوفاء بها قبل دعوة اللّيبيّين للتوجّه إلى صناديق الاقتراع.

في تصريحات للمراسلين الشهر الماضي من العاصمة طرابلس، أكّد سلامة أنّ الشرط الأساسي يكمن في إقرار دستور جديد يحظى بدعمٍ شاملٍ من جميع اللّيبيّين. ففي حال عدم إقرار هذا الدستور، قد تُهدّد الانتخابات البرلمانيّة بإطالة أمد الجمود السياسي الذي شلّ البلاد.

غير أنّ طارق مغريسي، وهو محلّل ليبي وزميل زائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجيّة، قال للمونيتور إنّ الكثير من الدّول تحثّ السياسيّين المحليّين على إجراء انتخابات سواء أقامت ليبيا بإقرار دستور أم لا. وأضاف أنّ "بعض الدول ترى الانتخابات كوسيلة لإيصال الحزب الذي تدعمه إلى الحكم، فيما تسعى دول أخرى إلى تحقيق مطامعها الاقتصاديّة وتحتاج إلى هيئة قانونيّة في ليبيا لتوقيع عقود كبيرة،" مؤكّدًا عبر الهاتف "أنّ أيًا من هذه الدّول لا يهتمّ حقَا باستقرار البلد".

في هذا السياق، أفاد دبلوماسي غربي مؤخّرًا لهيئة الإذاعة البريطانيّة (بي بي سي) بأنّ فرنسا هي إحدى الدّول التي تضغط بشدّة لعقد الانتخابات الليبيّة رغم انعدام الأمن في البلاد. وليست الميليشيات وحدها — مثل الجيش الوطني الليبي المُعلن ذاتياً والذي يسيطر على الجزء الشرقي من البلاد من طبرق — التي تقوّض المؤسّسات المدنيّة إذ تدخل عشرات الملايين من الأسلحة إلى البلد عبر الحدود التي يسهل اختراقها.

ويلخّص مغريسي مخاطر إجراء الانتخابات في وقت قريب "بعدم وجود طرق تسمح بالطّعن في نتائجها. إذا ما رأت بعض الميليشيات أنّ النتيجة لا تصبّ في صالحها، فلن تقبل بها."

وكان قائد الجيش الوطني اللّيبي المشير خليفة حفتر قد هدّد في حوار له مع مجلّة "جون أفريك" الناطقة بالفرنسيّة بتفعيل [خلايا نائمة] إذا لم تعجبه نتائج الانتخابات. وألمح حفتر إلى أنّه سيرشّح نفسه للانتخابات، ولكن يبدو أنّه لا يحظى بدعم جميع مناصريه. ويقول للمونيتور عمر خروبي، أحد مؤسّسي مكتب الإعلام التابع للجيش الوطني الليبي في بنغازي، إنّه يفضّل بقاء حفتر قائدًا للجيش الليبي. وصف خروبي حفتر قائلاً: "إنّه رجل جيّد، يجيد التعامل مع السلاح. إنّه رجل عسكري ولكنّه ليس الشخص الذي يمكنه إدارة سياسة البلاد".

ومع ذلك، يستطيع حفتر منع أيّ شخص من الترشّح ضدّه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني الليبي، ويبدو أنّه بدأ بالفعل باستهداف بعض الذين عبّروا عن تطلّعاتهم الانتخابيّة.

في 4 كانون الثاني/ يناير الماضي، قام مسلّحون مجهولون باغتيال صلاح القطراني، وهو مسؤول في قطاع التعليم، خارج منزله في منطقة الأبيار القريبة من مدينة بنغازي. وبالرغم من عدم الإعلان عن دافع محدد، يُذكر أنّ القطري قُتِل بعد أيّام فقط من إعلان نيّته الترشّح في الانتخابات البرلمانيّة.

هذا وتعيق الميليشيات من مدينة مصراتة الغربيّة، المتحالفة إسميًا مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتّحدة في طرابلس، الطّريق إلى الانتخابات. وعلى صعيد متّصل، شدّد المبعوث الأممي غسان سلامة على ضرورة عودة جميع النازحين داخليًا في ليبيا البالغ عددهم 165,478 إلى قراهم قبل إجراء الانتخابات. وتندرج ضمن الأولويّات الأساسيّة إعادة نحو أربعين ألف شخص هجّرهم مقاتلو مصراتة من تاورغاء في عام 2011 في خلال الانتفاضة التي تم فيها خلع الزعيم الليبي معمر القذافي ثم قتله. ومنذ ذلك الوقت، يعيش أهالي تاورغاء — الذين كانوا يدعمون القذافي — في خيم في المخيّمات الصّحراويّة.

في شهر آب/أغسطس من العام 2017، توسّطت الأمم المتّحدة لمصالحةٍ بين قوّات مصراتة وأهالي تاورغاء تهدف إلى ضمان عودة النازحين من تاورغاء. ولكن بعد فترة وجيزة من محاولة حكومة الوفاق الوطني تطبيق الاتفاق في الأوّل من شباط/فبراير، منع مقاتلو مصراتة آلاف النازحين من تاورغاء من العودة إلى منازلهم. وأتت هذه الانتكاسة بمثابة تذكير بأنّ مؤسّسات ليبيا لا تزال تحت رحمة الميليشيات.

ويقول عبد الحامد إشرا، وهو مقاتل في مجموعة في مصراتة تُسمى بـ"التيار الوطني"، "رفضت بعض الميليشيات في مصراتة فكرة عودة [أهالي تاورغاء]. لكنّني أعتقد أنّ الوقت قد حان لعودتهم."

وعندما سأل مراسل المونيتور إشرا عمّا إذا كان سيؤيّد إجراء الانتخابات بحلول نهاية هذا العام، أجاب هذا الأخير، "لا أعتقد أنّه يمكن إجراء انتخابات الآن أو في أيّ وقت قريب. لا يمكننا إجراء انتخابات في غياب سلطة واحدة في ليبيا وانتشار السلاح."

وأعربت زهراء لانغي، الشّريكة المؤسّسة لمنبر المرأة الليبيّة من أجل السلام، عن رأي مماثل، مقترحةً بدلاً من إجراء الانتخابات إقرار دستور يشمل النساء والأقليّات. ودعت لانغي إلى تعديل أوّل دستور ليبي من العام 1951 بحيث يعكس الوضع الراهن. غير أنّ الكثير من المراقبين لا يزالون يعتبرون هذه الوثيقة الدستوريّة متقدّمة لأنّها كرّست حقوق الإنسان.

شدّدت لانغي على ضرورة أن تتمثّل الخطوات التالية بتوحيد مؤسّسات البلد وبناء تماسك اجتماعي في المجتمعات المجزأة. وقالت للمونيتور، "أنا لا أؤيّد إجراء الانتخابات في وقت تعاني فيه ليبيا انعدامًا شديدًا للأمن والكثير من الصّدمات والفوضى. يحتاج اللّيبيّون إلى حلّ المسألة الدستوريّة أوّلاً. لن يتحقّق الاستقرار من خلال انتخابات أخرى ولا يمكن تحقيقه إلّا إذا خضنا عمليّة بناء الدولة ".

وما زالت ذكريات الانتخابات اللّيبيّة الأخيرة في حزيران/يونيو 2014 ماثلة في ذهن لانغي. في خلال تلك الفترة، قُتلت صديقتها المقرّبة التي أسّست معها منبر المرأة اللّيبيّة من أجل السلام، سلوى بوقعيقيص، في منزلها على يد مسلّحين مجهولين، ربما على خلفيّة تشجيعها اللّيبيّين على التصويت.

انزلقت ليبيا إلى أتون الحرب الأهلية الحالية في العام 2014 بعد أن رفض المؤتمر الوطني العام — الذي كان حاكمًا — التنحي واضطرّ مجلس النواب، الذي فاز في الانتخابات، إلى الانتقال إلى مدينة طبرق في أقصى شرق البلاد. وحذّرت لانغي من أن تواجه ليبيا مصيرًا أسوأ إذا تمّ دفع الناس إلى صناديق الاقتراع في وقت مبكر جدًا.

وقالت للمونيتور "إنّ إجراء الانتخابات في ليبيا في نهاية عام 2018 تكرار لخطأ فظيع. أنا متأكّدة من أنّ الانتخابات لن تؤدّي إلى انتقال سلميّ للسلطة".

More from Mat Nashed

Recommended Articles