تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

روسيا تواجه تحدّيات بسبب استضافتها المحادثات بشأن سوريا في سوتشي

تحيط شكوك واتّهامات كثيرة بموضوع محادثات السلام في سوريا المرتقبة في سوتشي هذا الشهر.
RTX3JNS1.jpg

بينما تستعدّ موسكو لاستضافة مؤتمر الحوار الوطنيّ السوريّ هذا الشهر، ما زالت لائحة المدعوّين قابلة للتعديل. فروسيا تأمل التوسّط من أجل السلام بين النظام السوريّ والمعارضة وفي الوقت نفسه تهدئة الأطراف المعنيّة الرئيسيّة – التي تثير المشاكل في الوقت الحاليّ.

وفي 11 كانون الثاني/يناير، اتّصل الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان بالرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين لمناقشة الوضع السوريّ. وحصل ذلك بعد يومين من استدعاء تركيا السفيرين الروسيّ والإيرانيّ بسبب انتهاكات وقف إطلاق النار في منطقة خفض التصعيد في إدلب. وبموجب اتّفاقات السلام الأوليّة التي تمّ التوصّل إليها في أستانا في كازاخستان، إنّ الدول الثلاث الضامنة لمناطق خفض التصعيد السوريّة الأربع هي تركيا وروسيا وإيران.

واستاءت أنقرة إلى حدّ كبير من الهجوم الأخير في إدلب الذي نفّذته قوّات الحكومة السوريّة بدعم من الميليشيات الموالية لإيران وسلاح الجوّ الروسيّ. وأفادت مراسلة "المونيتور" أمبرين زمان في 10 كانون الثاني/يناير أنّ وزير الخارجيّة التركيّ مولود داود أوغلو انتقد موسكو وطهران لعجزهما عن وقف الهجوم.

لكنّ موسكو كانت لديها بدورها تحفّظات على أنقرة التي دخلت قوّات مراقبة السلام التابعة لها إلى إدلب في تشرين الأول/أكتوبر وقرّرت "التعايش" مع أفعال هيئة تحرير الشام المرتبطة بتنظيم القاعدة "بدلاً من كبحها".

وبالإضافة إلى هذه الشكوك المتبادلة، دارت تكهّنات حول اضطلاع تركيا بدور في الهجمات الأخيرة على قاعدة حميميم الجويّة الروسيّة في سوريا، ما قد يؤدّي إلى الإخلال بالتوازن الهشّ بين الدول الضامنة لمفاوضات أستانا. وبالتالي، كان الاتّصال الهاتفيّ بين بوتين وأردوغان محاولة لإطفاء النيران المتأجّجة. وبعد المكالمة الهاتفيّة، نفى بوتين صحّة التكهّنات، قائلاً في 11 كانون الثاني/يناير إنّه واثق من أنّه "ليس للجيش التركيّ ولا للحكومة التركية أيّ علاقة بالهجمات".

وأضاف: "بالفعل، كان مصدر [الهجمات على حميميم] المنطقة التي يفترض أنّها خاضعة لسيطرة تركيا، لكنّنا بصراحة لم نتمكّن دائماً من السيطرة على ما يتوجّب علينا السيطرة عليه هناك. الوضع معقّد. بموجب اتّفاقاتنا، كان من المفترض أن ينشئ شركاؤنا الأتراك بعض نقاط التفتيش هناك، لكنّهم لم يفعلوا ذلك بعد، وهذا الأمر صعب".

ووصف بوتين الهجمات على حميميم بأنّها "استفزازات".

وقال: "نعلم من هم المستفزّون. ونعلم لمن دفعوا المال وكم دفعوا. لكنّهم ليسوا أتراكاً... وكان للهجمات هدفان، أوّلاً إخراج الاتّفاقات السابقة عن مسارها، [و] ثانياً، تدمير علاقاتنا مع شريكتينا تركيا وإيران. نحن ندرك ذلك تماماً وسنتضامن معاً".

وفي اليوم التالي، نفّذت وزارة الدفاع الروسيّة هجوماً بصواريخ موجّهة عالية الدقّة على ما أسمته "المجموعة المخرّبة" المشتبه في أنّها المسؤولة عن الهجمات على حميميم. وبالتالي، وإن كانت هناك أسس موضوعيّة أو غير موضوعيّة للاشتباه في ضلوع تركيا في تلك الحوادث، أوضح الكرملين أنّه لن يدع الشائعات تحدّد موقفه من تركيا واتّخذ قراراً سياسياً بتحسين علاقاته مع أنقرة في مرحلة مبكرة.

في ظلّ هذا الوضع، تبدو علاقات موسكو مع شريك آخر في أستانا، أي إيران، أكثر استقراراً. فعلى الأرض، يحارب الجيش الروسيّ وقوّات متعدّدة موالية لإيران جنباً إلى جنب مع الحكومة السوريّة ضدّ المقاتلين التابعين للمعارضة، محتفظين بآرائهم المتعارضة لأنفسهم. وسجّلت روسيا أيضاً نقاطاً مع القيادة الإيرانيّة عندما أعلنت أنّه من المفترض أن تكون إيران قادرة على التعامل مع مسائلها الداخليّة في ما يتعلّق بالتظاهرات الأخيرة هناك، وعندما استغلّت الفرصة التي قدّمها الرئيس دونالد ترامب لتظهر علناً ومن جديد تضامنها مع إيران في ما يخصّ خطّة العمل الشاملة المشتركة.

مع ذلك، لم يكن بالإمكان تسوية خلافات روسيا مع تركيا حول هجوم الحكومة السوريّة في إدلب من خلال اتّصال هاتفيّ. ولا يمكن أيضاً أن يخفّف موقف موسكو من خطّة العمل الشاملة المشتركة من "تنافسها الضمنيّ" مع إيران على قدرة التأثير على الرئيس السوريّ بشار الأسد وسوريا. فانعدام الثقة بين روسيا وإيران وتركيا ليس بجديد، والحوادث مثل الهجوم على حميميم أو القتال المستمرّ في إدلب تؤجّج الشكوك ومشاعر الامتعاض المكبوتة إلى حدّ ما. وبالتالي، من المهمّ جداً أن تحرص موسكو في هذه المرحلة على استمرار تحالف "ترويكا أستانا" في مؤتمر الحوار الوطنيّ السوريّ المرتقب في 29 و30 كانون الثاني/يناير في سوتشي، وعلى بقاء الدول الثلاث يداً واحدة إلى حدّ ما في ما يتعلّق بالمسائل الرئيسيّة وقدرتها على اتّخاذ قرارات مصيريّة ستتمحور حولها العمليّة السياسيّة اللاحقة.

من المهمّ جداً أن تحرص موسكو على بقاء الدول الثلاث يداً واحدة إلى حدّ ما في ما يتعلّق بالمسائل الرئيسيّة وقدرتها على اتّخاذ قرارات مصيريّة ستتمحور حولها العمليّة السياسيّة اللاحقة

سياسيّاً، تستمرّ موسكو، خلافاً لإيران، في لعب دور الشرطيّ الجيّد مع المعارضة في المفاوضات، بما في ذلك في جنيف. وقد باتت بعض الفصائل المتمرّدة ترى أنّ موسكو هي أهون الشرّين فيما يرى آخرون فرقاً بسيطاً بين الاثنين ويسعون إلى التقرّب من تركيا. ومع أنّ موسكو على علم بهذه الاتّصالات، إلا أنّها تأمل ألا تنحرف تركيا عن المسار وأن تحترم التزاماتها بموجب اتّفاق أستانا وألا تعرقل مشروع روسيا الشخصيّ المتمثّل بمؤتمر سوتشي.

ولدى تركيا وإيران تحفّظات بشأن دوافع روسيا الحقيقيّة خلف مبادرة سوتشي. وتدرك موسكو ذلك وترى أنّه من الضروريّ مناقشة هذه المخاوف – لكن ليس من الضروريّ معالجتها. وبالتالي، ناقش بوتين وأردوغان التحضيرات بالتفصيل على الهاتف، كما فعل وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف ونظيره الإيرانيّ محمد جواد ظريف أثناء زيارة هذا الأخير إلى موسكو. ويراجع كلّ من تركيا وإيران لائحة المشاركين في المؤتمر التي اقترحتها روسيا والتي تتضمّن 1700 مشارك. وفي 11 كانون الثاني/يناير، أُرسل مبعوث بوتين إلى سوريا، ألكسندر لافرنتييف، إلى دمشق من أجل الاجتماع بالأسد وتسوية "المسائل الأكثر صعوبة وتعقيداً لكي يتمكّن الأطراف من المضيّ قدماً".

في الواقع، لم تكن الفكرة الأساسيّة من مؤتمر سوتشي أن يكون المؤتمر عمليّة منفصلة، بل أن يشكّل محفّزاً لمحادثات جنيف. فمحادثات جنيف تعرقلت بسبب المواقف المتصلّبة للحكومة السوريّة والمعارضة. وعندما قرّر عدد متزايد من فصائل المعارضة السوريّة عدم المشاركة في الاجتماع، اعتبرت موسكو أنّ مهمّتها تقضي بجمع "المجموعة الصحيحة" من الممثّلين السوريّين من أجل شرعنة دورهم الإضافيّ في مستقبل البلاد. وسياسياً، يأمل الكرملين أن ينصّب الكونغرس روسيا الوسيط الأوّل والرئيسيّ في النزاع السوريّ.

ومع أنّ الكونغرس يبدو بمعزل عن جنيف في المرحلة الأوليّة، إلا أنّ مؤتمر سوتشي يمكنه أن ينعقد بشكل منفصل من دون إلحاق الضرر بمحادثات جنيف لأنّه ببساطة لا يتمتّع بالشرعيّة الدوليّة التي تشترطها الأمم المتّحدة. وبالتالي، تنفي موسكو ما تزعمه المعارضة عن أنّ الكونغرس يهدّد عمليّة جنيف. وتعتبر موسكو هذه المزاعم مجرّد محاولة سياسيّة لدفع الأوروبيّين والأميركيّين إلى الوقوف في وجه المبادرات الروسيّة، وبالتالي مساعدة المعارضة على التخلّص من الأسد.

بالإضافة إلى ذلك، لا تعتبر موسكو محاولة جنيف فاشلة لأنّها أوّلاً عمليّة مستمرّة، وثانياً لأنّ التوقّعات الأوليّة في ما يتعلّق بنتائجها المحتملة كانت صغيرة ومحدودة.

من جهة أخرى، كما أظهرت محادثات أستانا، إن لم تفضِ محاولة الأمم المتّحدة – عمليّة جنيف في هذه الحالة – إلى نتائج، فلن تتردّد موسكو في إنشاء منصّتها الخاصّة ودعوة الجهات المهتمّة بالمشاركة والتوصّل إلى قرار وفرضه على الأطراف المعنيّة الأخرى، بما في ذلك الأمم المتّحدة. ومن شأن ذلك أن يمنح العمليّة ونتائجها اللاحقة الشرعيّة اللازمة.

في هذه الحالة، سيتطلّب إقناع تركيا وإيران بالوقوف مع روسيا جهداً أكبر من التصدّي لمقاومة المعارضة.

وقال دبلوماسيّ روسيّ مضطلع على العمليّة لـ "المونيتور": "في خلال الحرب الأهليّة في سوريا، شهدت بعض مجموعات المعارضة تحوّلاً... فتفكّكت أو اندمجت في صفوف الإرهابيّين المتشدّدين. وإنّ بعض تلك المجموعات التي قادت الحركة المناهضة للأسد لم يعد موجوداً. واليوم، يقول لنا قادة المعارضة السابقون إنّ أولئك الذين يزعمون الآن أنّهم "المعارضة" بالكاد يمثّلون 10% من السوريّين، وإنّ ما كان ربّما في السابق حركة سوريّة حقيقيّة مناهضة للأسد وقع اليوم في فخّ قوّات خارجيّة. ما هي إذا مهمّة المعارضة، وهل هي قادرة بالفعل على تنفيذ القرارات التي تريد مناقشتها؟".

إذا كان هذا الرأي يعكس تفكير القيادات الروسيّة العليا، فهذا يدلّ على أنّ موسكو مستعدّة لفعل كلّ ما في وسعها لكي تبدأ عمليّة الانتقال السياسيّ في سوريا في العام 2018. لكنّ استقطاب تركيا وإيران قد يكون تحدّياً كبيراً نظراً إلى الظروف السياسيّة والوضع على الأرض.

More from Maxim A. Suchkov

Recommended Articles