تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

معاناة الجيش التركي من هجرة الأدمغة من صفوفه

يواجه الجيش التركي صعوبة في الاحتفاظ بالموظفين المؤهلين، ويعود ذلك جزئيًا إلى سياسات المؤسسة العسكرية الصارمة المتعلقة بالموظفين وعدم قدرتها على الاستفادة من إهتمامات ومهارات الضباط.
Turkey_Brain.jpg

أصبح النقيب أوزكان سيكماز أسطورة في السلك العسكري بعد أن خدم كقائد سرية عام 2012 خلال عمليات مكافحة الإرهاب ضد حزب العمال الكردستاني في مدينة سيمدينلي جنوب شرق البلاد. وقد أُطلق عليه اسم "بطل سيمدينلي"، ونال وسام الشجاعة المميز والتضحية. ولكن أين سيكماز اليوم؟ فهو، وبعكس ما قد يفترضه البعض، ليس في منصب حساس في الجيش التركي، بل يعمل في سيليكون فالي. وتُجسد رحلة سيكماز من تركيا إلى كاليفورنيا المشكلة الأوسع نطاقًا التي تواجهها القوات المسلحة التركية نتيجة عدم قدرتها على الاحتفاظ بعناصرها المؤهلين تأهيلًا عاليًا.

بعد بطولاته الأسطورية على جبهة سيمدينلي، تم نقل سيكماز، الذي تخرّج برتبة ملازم من الأكاديمية العسكرية التركية في عام 2002، إلى مدرسة سلاح المشاة العسكرية في اسطنبول. وأثناء تواجده هناك، أخذ إجازة لدراسة الأعمال في الكلية العليا للتجارة في باريس. وفي عام 2015، استقال من القوات المسلحة التركية من تلقاء نفسه لإكمال دراسته في كورنيل وستانفورد في الولايات المتحدة. ويستعد سيكماز اليوم لإطلاق تطبيق الكتروني قام بتطويره في سيليكون فالي لتوفير خدمات إستشفائية على الهاتف النقال بهدف مساعدة المرضى على الاتصال بالأطباء وتحسين نظام إدارة المرضى الخاص بالأطباء.

وخلال السنوات الخمس الماضية، استقال مئات الموظفين المؤهلين من تلقاء أنفسهم أو تقاعدوا من صفوف القوات المسلحة التركية. ولا شك أن مئات آخرين يبحثون عن فرص للخروج من وضعهم الراهن. فما الذي يدفعهم إلى الرغبة بترك السلك العسكري أو يجتذبهم إلى الحياة المدنية؟ ولماذا لا تستطيع القوات المسلحة التركية الاحتفاظ بعديدها؟ تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن عمليات التطهير التي أعقبت محاولة الانقلاب في تموز / يوليه 2016 أدّت إلى تقليص عدد الطاقات الفكرية في صفوف المؤسسة العسكرية بشكل هائل.

ولكن يجب التمييز بين هؤلاء الضبّاط المؤهلين اللامعين الذين فصلوا أنفسهم مؤخرًا وبين أولئك الذين تم فصلهم في عمليات التطهير. بكل بساطة، استفاد الضباط أمثال سيكماز من الهيكليات القانونية التي سمحت لهم بمغادرة السلك العسكري.

ومشدّدًا أنه ترك القوات المسلحة التركية والدموع في عينيه، قال سيكماز لـ "المونيتور": "كوني ضابطًا طموح وتتوفر لي أوسع الأفق، أردت حقًا أن أساهم في [تطوير] المؤسسة العسكرية. لطلما كنت مُهتمًا بالالكترونيات والبرمجيات منذ طفولتي. في عام 2005 صممت برفقة صديق أول طائرة من دون طيار. وقد حلّقت الطائرات الصغيرة من دون طيار التي صممتها على ارتفاع 1000 متر [328 قدم] وأنتجت خرائط طبوغرافية لمناطق بمساحة خمسة كيلومترات عرض بخمسة كيلومترات طول في سيمدينلي ".

غير أن سيكماز بقي يرغب بمتابعة شغفه الذي لازمه طوال حياته ولكنه لم يكن قادرًا على ذلك في مدرسة سلاح المشاة العسكرية. دفعه ذلك إلى طلب الإنتساب في برامج الدراسات العليا في تركيا ولكن تم رفضه بسبب انخفاض معدل علاماته الدراسية فقرر التقدم بطلب للكلية العليا للتجارة في باريس.

وقال: "كنت من بين المرشحين الـ22 المقبولين من بين المئات من المتقدمين. فأخذت إجازة سنوية من مدرسة سلاح المشاة العسكرية، وسافرت إلى باريس. وصرفت حوالي 30،000 يورو من مدخراتي الشخصية لمتابعة الماجستير في إدارة الأعمال في الكلية العليا للتجارة في باريس. لم تتكلف الدولة التركية أي مبلغ لتنمية قدراتي الشخصية غير أن طلب الإجازة أصبح يشكّل مشكلة في السنة الثانية. ولم تكن وحدتي راضية بمساعيي. وتقدمت بطلب للحصول على إجازة سنوية من دون أجر من قيادة القوات البرية فرأت القيادة أن الموافقة على طلبي [للحصول على إجازة إضافية للدراسة] ستشجع الآخرين للسعي للحصول على المعاملة ذاتها. تحدثت مع قادتي في أنقرة، لكنهم لم يتمكنوا من إيجاد حل لمشكلتي وهذا ما أجبرني للأسف على ترك مسيرتي العسكرية لمتابعة تطلعاتي."

وأضاف: "لكنني ما زلت أشعر بأنني جندي. لقد علّمني السلك العسكري التفاني في العمل الجاد والإبتكار ومواجهة التحديات. أصبحت مهمتي الجديدة هي النجاح في سيليكون فالي. إن هدفي هو تطوير تكنولوجيا لإنقاذ الأرواح وتوفير الخدمات الطبية الأكثر تقدمًا للفقراء".

من جهته تحدّث العقيد (إي. بي.)، الذي طلب عدم ذكر اسمه لـ"المونيتور"عن تقاعده عام 2016 لأسباب مماثلة وقال: "كان السبب الأول في تقاعدي هو عدم قدرة القوات المسلحة التركية على توفير آفاق أوسع للعقداء الشباب المؤهلين. يجد الضباط الشباب الناشطين الذين يرغبون في الإبداع والابتكار صعوبة في التأقلم أثناء خدمتهم في القوات المسلحة التركية."

"وتابع قائلًا: "شعرت بخيبة أمل كبيرة بعد أن سمحت القوات المسلحة التركية بشكل فاضح لضباط معروف إنتماؤهم لحركة فتحالله غولن بالتقدم للإنتساب إلى صفوفها. وبكل صراحة، شعرت بأنني خُدعت، ما أثّر سلبًا على معنوياتي ودوافعي، ودفعني لإتخاذ قراري بالتقاعد. ولكن ما زلت أحنّ للمؤسسة العسكرية. أدين بالكثير للقوات المسلحة التركية. "

أما (هاء. كاي.) والذي طلب أيضًا عدم ذكر اسمه لـ"المونيتور" فترك القوات المسلحة التركية في عام 2015 برتبة مُقدّم. وقد حصل على درجة الماجستير في إدارة المشتريات في الولايات المتحدة وهو يدير اليوم قسمًا رئيسيًا في شركة كبرى للصناعات الدفاعية في أنقرة. يعتقد (هاء. كاي.) أن مشكلة القوات المسلحة التركية هي مشكلة هيكلية، مشيرًا إلى أن القطاع الخاص يوفر فرصًا للضباط المندفعين والطموحين في حين تفتقر القوات المسلحة إلى الرؤية الاستراتيجية والتخطيط.

وأضاف لـ"المونيتور": "تقدم الحياة المدنية فرصًا جذابة متوافقة تمامًا مع مؤهلات المرشحين وتطلعاتهم المهنية. علاوة على ذلك، اكتشف القطاع الخاص خلفيّات الضباط الغنية والمتنوعة واستعدادهم لمواجهة التحديات وانضباطهم في العمل، الأمر الذي شجع هذا القطاع على تقديم عروض مغرية لهؤلاء الضبّاط. كما وشجّع غياب نظام الترقية القائمة على الجدارة في القوات المسلحة الشباب من رتبة مقدّم ورائد على الإنتقال إلى الحياة المدنية."

وبالنسبة للمُقدم (سي بي.) الذي فضل عدم ذكر هويته الكاملة أصبح امتلاك شركة خاصة أكثر جاذبية من الخدمة برتبة مُقدم وتنفيذ الأوامر. وتقاعد (سي بي.) في عام 2016 وهو اليوم يملك شركة تقدم التدريب والاستشارات في مجال تطوير البرمجيات وتكنولوجيا الاتصالات. وأضاف لـ "المونيتور": "إن الثقافة المؤسسية للقوات المسلحة التركية لا تسمح للضبّاط بتكوين هوية مزدوجة. فعلى سبيل المثال، لم تسمح لي هذه الثقافة بأن أكون ضابطًا ومتخصصًا في تكنولوجيا المعلومات في الوقت ذاته. لا يمكن لأي عنصر في القوات المسلحة التركية أن يكون جنديًا من جهة وأكاديميًا أم باحثًا، أم مؤرخًا أو خبيرًا قانونيًا من جهة أخرى. وهنا يُدرك المرء أنه حان الوقت لكسر الجواجز."

ولكن ما الذي يمكن للقوات المسلحة التركية القيام به لوقف هجرة الأدمغة من صفوفها؟ قدّم ضباط سابقون تحدثوا إلى "المونيتور" الاقتراحات التالية:

  • تعزيز عملية تحديد الهوية المؤسسية من خلال اتباع سياسات خاصة بشؤون الموظفين موجّهة نحو الإنسان، مثل سدّ الثغرات الداخلية في التواصل بين المناصب القيادية في القوات المسلحة التركية والضباط من ذوي الرتب الأدنى؛
  • السماح للضباط بالسعي لتحقيق توجهاتهم التي تهمهم بشكل خاص ضمن المؤسسة العسكرية؛
  • تمكين الموظفين من تحقيق أهدافهم الشخصية من خلال سياسات إجازة أكثر مرونة ودعمهم لتحقيق أهدافهم المناسبة من خلال الزمالات والمنح الدراسية في مجالات التعلّم والتدريب؛
  • تعيين الضباط في وحدات تتوافق مع مؤهلاتهم وخلفياتهم الأكاديمية من خلال سياسات ملائمة للموظفين والتوظيف؛
  • تمكين القوات المسلحة التركية من إقامة علاقات مع الجامعات والقطاع الخاص للسماح للأفراد العسكريين بإجراء البحوث وغيرها من المشاريع في المدارس والشركات.

ولو كان قد تم إتخاذ هذه الخطوات من قبل، فربما كان سيكماز ليكون اليوم في السيليكون فالي بصفته رائدًا يتابع دراسته من خلال منحة من القوات المسلحة التركية وبعد عودته إلى تركيا، كان ليواصل أبحاثه في جامعة الدفاع الوطني المُنشأة حديثًا.

ويعتبر عدم وجود "قاعدة قدرات" تجمع بين معارف وخبرات وتدريب المتقاعدين المؤهلين من أوجه القصور الصارخة الأخرى. وبغياب مثل هذا الترتيب وبمجرد خروج أي ضابط من السلك العسكري فلن يعود إليه إلا في المناسبات الاجتماعية.

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial