تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

زيارة بوتين إلى مصر تعطي الأمل بالنموّ في القاهرة

ربّما تشهد مصر انتعاش تحالفها غير النشط مع روسيا، وهذه علاقة محتملة ستحمل الكثير للطّرفين.
RTX3PDTX.jpg

في 11 كانون الأوّل/ديسمبر، أكمل الرّئيس الرّوسي فلاديمير بوتين سباقًا دبلوماسيًا فسافر إلى سوريا، ومصر وتركيافي يوم واحد. وفي حين أعلن الكرملين مسبقًا عن الزّيارتين الأخيرتين، شكّل تعريجه على القاعدة الجويّة الرّوسيّة في حميميم بسوريا مفاجأة للرّأي العام، وذلك لأسباب أمنيّة. وقد طلب بوتين في سوريا السّحب الجزئي للقوّات الرّوسيّة، وحضر عرضًا عسكريًا برفقة الرّئيس السّوري بشار الأسد.

قال بوتين متوجّهًا بحديثه إلى القوّات، "ستعودون إلى أسركم منتصرين. الوطن في انتظاركم أيّها الأصدقاء! شكرًا لخدمتكم! وفي حال قام الإرهابيّون مجدّدًا في سوريا، سنوجّه لهم ضربات لم يروا لها مثيلاً من قبل".

توجّه بوتين بعدها إلى القاهرة حيث استقبله في المطار الرّئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وتجدر الإشارة إلى أنّ رئيس الوزراء الرّوسي دميتري ميدفيديف وافق في 28 تشرين الثاني/نوفمبر على اتّفاقيّة مع مصر حول استخدام المجال الجوّي والبنى التّحتيّة للمطارات في البلدين، ما أثار تكهّنات بأنّ روسيا تخطّط لاستئجار قواعد جويّة مصريّة.

طُرِح هذا الاحتمال للمرّة الأولى في العام 2013 عندما ذكرت مصادر متعدّدة أنّ مصر مستعدّة لتقديم قاعدتي بور سعيد والسويس البحريّتين لتستعملهما روسيا بشكل موقّت.

وفي العام 2016، أعلنت موسكو عن احتمال عودتها إلى سيدي براني، وهي قاعدة عسكريّة مصريّة أخرى على البحر الأبيض المتوسّط. حتّى العام 1972، كان الاتّحاد السّوفياتي يستعمل هذه القاعدة لرصد تحرّكات حلف الناتو البحريّة في المنطقة؛ وتستعملها اليوم روسيا بشكل أساسي في عمليّات القوّات الجويّة. نقلت العام الماضي صحيفة ايزفستيا عن مصدر في وزارة الدّفاع الرّوسيّة تأكيده أنّ القاهرة مستعدّة لتأجير سيدي براني لفرقة عسكريّة روسيّة دائمة. لكن حتّى لو تحقّق ذلك، لا بدّ من تحديث القاعدة التي لن تصبح جاهزة قبل العام 2019، بحسب ما أفادت به الصّحيفة. وقد أصرّ المسؤولون في موسكو على أنّ وجود روسيا العسكري ضروري بسبب عمليّات مكافحة الإرهاب، وسيساعد على ترسيخ الاستقرار في شمال أفريقيا.

قد تصبح بالفعل مساعدة القاهرة على محاربة الإرهابيّين في سيناء أحد أعمدة التّعاون الأمني الرّوسي المصري، نظرًا إلى أنّ روسيا تعتبر الآن أنّها انتصرت على تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش) في سوريا. في شهر تشرين الأوّل/أكتوبر 2015، تبنّى أحد فروع داعش في مصر مسؤوليّة تفجير طائرة سياح روسيّة أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص. وقد أدّى هذا الهجوم إلى وقف النّقل الجوّي المباشر بين روسيا ومصر لأكثر من عامين.

تزامنت تقريبًا الاتّفاقيّة التي وافق عليها ميدفيديف بشأن المجال الجوّي والمطارات مع زيارة وزير الدّفاع الرّوسي سيرغي شويغو إلى مصر، وأتت بعد أيّام فقط على وقوع هجوم إرهابي في مسجد بسيناء يوم 24 تشرين الثاني/نوفمبر أدّى إلى مقتل أكثر من 300 شخص.

شكّلت التسوية في سوريا البند الأوّل على برنامج الأعمال لدى وصول بوتين إلى القاهرة وجلوسه مع السيسي. أثنى بوتين على السيسي لدعمه الفاعل لمؤتمر الحوار الوطني السّوري (وهو مبادرة روسيّة جرى تأجيلها مؤخّرًا حتّى شهر شباط/فبراير)، وأعرب عن تقديره لمساهمة مصر في عمليّة السّلام السّوريّة من خلال المساعدة على تأليف "مجموعة القاهرة" – وهي مجموعة رئيسيّة تمثّل بالدّرجة الأولى مجموعات المعارضة الكرديّة في سوريا. في المقابل، أكّد السيسي على شموليّة النّهج الرّوسي لتشكيل مجموعة المعارضة كهذه.

تطرّق الرّئيسان ثانيًا في حديثهما إلى التّجارة الثّنائيّة والاقتصاد. يبلغ حجم التّجارة السّنويّة بين روسيا ومصر 4 مليارات دولار وتبدي القاهرة اهتمامًا كبيرًا في جذب استثمارات روسيّة جديدة؛ حتّى إنّ بوتين والسيسي ناقشا مسألة إنشاء منطقة صناعيّة في مصر مع "شروط مؤاتية للشّركات الرّوسيّة". أمّا درّة التاج في ذلك الجزء من المحادثات فتمثّلت باتّفاقيّة من قسمين: بناء أوّل مصنع للطّاقة النوويّة في مصر، بموجب عقد بقيمة 30 مليار دولار مع شركة روساتوم الرّوسيّة. وقد قدّمت الحكومة الرّوسيّة قرضًا بقيمة 25 مليار دولار للمشروع. والجزء الثاني من الاتّفاقيّة ينصّ على أن تؤمّن روسيا الوقود للمصنع. ونشير إلى أنّ هذا الاتّفاق هو الأخير في إطار مشروع "الدّبلوماسيّة النوويّة" الخاصّ بروسيا، والذي يضمّ مصانع في إيران، وتركيا، والسودان والأردن.

شمل جدول أعمال اللّقاء أيضًا مسألة استئناف الرّحلات الجويّة. قال بوتين لوسائل الإعلام بعد الاجتماع إنّ "مصر أنجزت عملاً مذهلاً في زيادة كفاءة أمن المطارات. ذكرت الأجهزة الأمنيّة الرّوسيّة أنّنا بشكل عام مستعدّون لاستئناف هذا الاتّصال بين موسكو والقاهرة. لكن يجب في البداية التّوقيع على اتّفاقيّة بين الحكومتين ونحن نسعى إلى القيام بذلك قريبًا". إذًا ستبقى الرّحلات محظورة للوقت الراهن إلى مناطق المنتجعات المصريّة.

أمّا في ما يتعلّق بقرار الرّئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فوافق كلّ من بوتين والسيسي على أنّ هذه الخطوة "تعيق الجهود الرّامية إلى إقامة محادثات مباشرة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، في وقت يجب فيه حلّ المسألة في إطار القانون الدّولي وعلى أساس قرارات مجلس الأمن الدّولي ذات الصّلة".

بعد معالجة جميع هذه القضايا، لاحظنا غياب موضوع مهمّ، فلم يجر الإعلان عن وجود عسكري روسي فعلي في مصر، مع أنّ هذا الوجود منطقي نظرًا إلى الاتّفاقيّات القانونيّة وتواجد موسكو في المنطقة. لتعزيز موقعها أكثر في الشّرق الأوسط، على روسيا أن تضمن نفوذها على الحدود الآسيويّة وكذلك على الحدود الأفريقيّة.

تعتقد روسيا أنّ القاعدتين في سوريا ضروريّتان لكن ضعيفتان. ولمواجهة هذا الضّعف، تحتاج موسكو إلى خطط عسكريّة احتياطيّة لدعم الاتّصالات واللّوجستيّات.

بالنّسبة إلى القاهرة، عودة روسيا هي مسألة وجاهة. فكما لحظ بعض الصّحفيّين المصريّين، "إنّ خروج الاتّحاد السّوفيتي من مصر شكّل جرحًا نرجسيًا عميقًا يتمنّى الرّئيس فلاديمير بوتين محوه من ذاكرة [المصريّين] من خلال إعادة القواعد الرّوسيّة إلى مصر، الأمر الذي يُعتبَر أيضًا كنوع من الانتصار على الولايات المتّحدة". وحتّى لو كانت هذه الفرضيّة قابلة للنّقاش، سيكون وجود روسيا مثيرًا للإعجاب.

ومن بين الأسباب المحتملة الأخرى التي تدفع بموسكو إلى السّعي وراء نوع من المشاركة العسكريّة في البلاد، هي المصالح الرّوسيّة في ليبيا. استعملت روسيا من حين إلى آخر الأراضي المصريّة لدعم الجنرال خليفة حفتر، خصم رئيس الوزراء اللّيبي المعترف به دوليًا فايز السراج. وإنّ قاعدة سيدي براني، التي تبعد حوالي 100 كيلومتر عن الحدود اللّيبيّة، مناسبة تمامًا لهذا ولأنشطة أخرى.

في حال قامت روسيا بتوسيع نطاق تواجدها العسكري في المنطقة، قد يخشى الأوروبيّون من تعرّض مصالحهم الاستراتيجيّة الخاصّة للخطر، باعتبار أنّ موسكو قد تركّز قوّتها الرّئيسيّة بالقرب من قناة السويس، "مجرى دم" الاتّحاد الأوروبي، الذي ينقل كمّيّات هائلة من النّفط والغاز المستهلك في أوروبا.

وتتعزّز هذه المخاوف نتيجة المفاوضات "السريّة" الأخيرة بين بوتين والرّئيس السّوداني عمر البشير – المطلوب من محكمة لاهاي على خلفيّة ارتكابه جرائم حرب مزعومة – بشأن إمكانيّة استضافة قاعدة عسكريّة روسيّة على البحر الأحمر.

ومع أنّ البعض يخشى من أن تشير عودة روسيا المحتملة إلى مصر إلى نيّة موسكو ببدء تدخّل عسكري كامل في المنطقة، ترى القاهرة أنّ تحرّكات موسكو هي بشكل أساسي محاولة للقيام بدعاية سياسيّة.

تعتقد القاهرة أنّ روسيا تخطّط لإرباك السّياسيّين الغربيّين وتحويل انتباههم عن السيسي و"إخفاقاته في السّياسة الدّاخليّة التي تشوّه صورته". واستنادًا إلى هذا المنطق، يدعو السيسي موسكو إلى المساعدة على التصدّي للتحدّيات التي تواجهها مصر في سيناء والمساعدة على حلّ الأزمة اللّيبيّة، بعد أن تحوّلت هاتان المسألتان إلى نقطتين رئيسيّتين على جدول أعماله، نظرًا إلى التّهديد الذي يطرحه المتطرّفون الإسلاميّون.

على أيّ حال، تحصل روسيا بفضل هذا النّوع من التّعاون على مزيد من الفرص لتطوير وجودها في الشّرق الأوسط وتُفتَح أمامها آفاق التّعاون العسكري التّقني بين البلدين الذي جرى تقييده في سبعينيّات القرن الماضي عندما انتقلت مصر إلى دائرة النّفوذ الأميركي.

فيما تعاني مصر اقتصاديًا وتعتمد على السّعوديّة للمساعدة الماليّة، الأرجح أن تقوم روسيا بتزويد القاهرة ببعض الأسلحة مقابل استعمال القواعد العسكريّة. في العام 2014، وافقت مصر على شراء أنظمة مدفعيّة، وأسلحة ناريّة ووحدات للدّفاع الجوي من روسيا بقيمة 3.5 مليارات دولار، وتفاوض الفريقان أيضًا بشأن شراء مصر لمروحيّات بحريّة من طراز كا-52ك (كتجهيزات لحاملات مروحيّات ميسترال)، ومروحيّات كا-50 قتاليّة ودفعة كبيرة (46 طائرة) من طراز سو-34 وميج-29 إم. يعود في الغالب اهتمام مصر بشراء هذه الأسلحة إلى نيّتها بالضّغط على أثيوبيا التي تقوم ببناء سدّ على النيل الأزرق من شأنه أن يعرّض إمدادات المياه العذبة في مصر للخطر.

بالنّسبة إلى بوتين، شكّلت الزّيارة إلى مصر المحطّة الثّانية في دبلوماسيّته المكوكيّة عبر المنطقة. لكن بالنّسبة إلى القاهرة، قد يحمل اللّقاء معاني أكبر بكثير، مشيرًا ربّما إلى أنّ التعاون الروسي المصري قد يكون في طريقه إلى مستوى جديد.

More from Sergey Balmasov

Recommended Articles