تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف تواجه صفقة القرن الرأي العامّ والمنافسة العسكريّة في توقيت حرج؟ المناورات المصريّة-الإسرائيلية تجيب

تردّدت أنباء عن مناورات عسكريّة مشتركة تجمع القوّات المسلّحة المصريّة بالجيش الإسرائيليّ للمرّة الأولى. وتعرّض النظام المصريّ إلى العديد من الانتقادات بسبب تلك الأنباء، وسط نفي العديد من المصادر المقرّبة من المؤسّسة العسكريّة لها، وتوقّع العديد من المحلّلين استحالتها بسبب ردود فعل الرأي العامّ المصريّ تجاههها، وبسبب عنصر المنافسة العسكريّة بين الجيش المصريّ والإسرائيليّ الذي ما زال قائماً، على الرغم من التطبيع.
Military students stand at attention to mark the opening of the Mohamed Najib military base, the graduation of new graduates from military colleges, and the celebration of the 65th anniversary of the July 23 revolution at El Hammam City in the North Coast, in Marsa Matrouh, Egypt, July 22, 2017 in this handout picture courtesy of the Egyptian Presidency. The Egyptian Presidency/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. - RC1831D7DF40

القاهرة — "أوّل مناورات عسكريّة بين مصر وإسرائيل"، عبارة ما زالت تقترن بالعديد من الانتقادات التي وجّهها معارضون للنظام السياسيّ المصريّ برئاسة عبد الفتّاح السيسي، إضافة إلى الصحف، حيث نشر موقع "التقرير المصريّ" المعارض تقريراً، في 8 تشرين الأوّل/أكتوبر، جاء فيه: "السيسي ينتهك عقيدة القوّات المسلّحة بأوّل مناورات مع إسرائيل"، بينما وفقًا لموقع "القدس العربي قال القياديّ في تحالف التيّار الديمقراطيّ المعارض سيّد الطوخي، في تدوينة له على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" في 6 تشرين الأوّل/أكتوبر إن المناورات العسكريّة مع إسرائيل "عار كبير سيلاحق السيسي وكلّ من وافقه عليها من القادة".

البداية كانت عندما أعلن وزير الدفاع اليونانيّ بانوس كامانوس في تصريحات إلى وكالات الأنباء في1 تشرين الأوّل/أكتوبر أثناء زيارته إلى نيقوسيا لحضور عدد من العروض العسكريّة القبرصيّة بمناسبة عيد استقلالها، عن اعتزام اليونان إجراء تدريبات عسكريّة مشتركة مع دول شرق المتوسّط، وهي قبرص ومصر وإسرائيل.

الرد الرسمي

لم تذكر الصفحات الرسميّة لوزارة الدفاع أو للمتّحدث العسكريّ باسم القوّات المسلّحة أيّ تعليق عن المناورات العسكريّة بين القوّات المسلّحة المصريّة والجيش الإسرائيليّ، إلّا أنّ مصدراً مقرّباً من المؤسّسة العسكريّة المصريّة، فضّل عدم ذكر اسمه، قال لـ"المونيتور": "الإعلام العسكريّ المصريّ في منتهى الشفافية، ومن المستحيل أن تشارك القوّات المسلّحة في مناورات كهذه حتّى ولو سرّاً، لأنّ حدثاً كهذا لن يخبّأ، فالمناورات العسكريّة حدث ضخم، يشترك فيها ضبّاط القوّات المسلّحة وجنودها والقادة، وتستعمل فيها المعدّات والأسلحة، ومن المستحيل أن تمارس مصر ضغوطاً على كلّ هذه الأطراف من 4 دول لإخفاء أمر هذه المناورات".

وقال مسؤول فحص الصحف العبريّة في مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة منير محمود لـ"المونيتور" انه ربّما قصد المسؤول اليونانيّ أنّ اليونان تعتزم تنظيم مناورات منفصلة مع إسرائيل ومصر وقبرص، أو ربّما هو عرض يونانيّ لم توافق عليه مصر.

وتوقع أن وزير الدفاع اليوناني ربما حاول أن يوصل من خلال الإعلان عن مثل هذه المناورة رسالة لإقناع تركيا بأن القوى الإقليمية مثل مصر وإسرائيل تنحازان إلى دعم الموقف اليوناني ضد التركي، حيث تعتبر اليونان أن تركيا تسطو على حقوقها في غاز شرق المتوسط.

وتجدر الإشارة إلى أن انحياز مصر إلى موقف اليونان وارد في ظل الخلافات السياسية بين مصر وتركيا منذ أن أطاحت القوات المسلحة المصرية بنظام الإخوان والرئيس المعزول محمد مرسي إثر مظاهرات شعبية ضده في 2013، واعتبرت تركيا موقف القوات المسلحة المصرية انقلاب عسكري.

كما ترتبط اليونان بمصالح مشتركة مع إسرائيل في ظل المساعي الإسرائيلي إلى تصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر أنابيت غاز تمر بالبحر المتوسط ثم اليونان، إلا أن تلك المصالح لا تبدو كافية كي تنحاز إسرائيل إلى الموقف اليوناني، حيث تناقش إسرائيل مشروعا مشابها لتمرير غازها إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.

صفقة القرن

ربط موقع إذاعة "مونت كارلو الدوليّة" في تقرير له في 6 تشرين الأوّل/أكتوبر الأنباء عن المناورات العسكريّة المشتركة بين مصر وإسرائيل بلقاء السيسي برئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، على هامش انعقاد الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في أيلول/سبتمبر الماضي، وبالأنباء عن زيارة أمير سعوديّ إلى إسرائيل في الشهر نفسه، من دون نفي من الرياض، مشيراً إلى أنّ هذه التطوّرات ترتبط بالتعبير الذي أطلقه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عندما تحدّث عن صفقة القرن لحلّ أزمة الشرق الأوسط.

وجاء في ختام التقرير: "وتكمن المشكلة في أنّ تفاصيل هذه الصفقة مجهولة تماماً، واكتفى الجانب الأميركيّ بالحديث عن تعاون سعوديّ-مصريّ-إسرائيليّ-فلسطينيّ لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة في مواجهة إيران".

وقال صحافيّ مصريّ متخصّص في الشأن الإسرائيليّ، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ"المونيتور": "العديد من الشواهد تؤكّد أنّنا في الاتّجاه إلى تطبيع عربيّ يجمع الخليج ومصر مع إسرائيل لمواجهة مخاطر النفوذ الإيرانيّ، ومن بين هذه الشواهد تسارع السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة وإسرائيل إلى الإعلان عن دعمها لإعلان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في 13 تشرين الأوّل/أكتوبر عن نيّته عدم المصادقة على الاتّفاق النوويّ الإيرانيّ".

إلا أنه استبعد أن يؤدي التطبيع إلى أن تتخلى الدول العربية عن بعض الثوابت مثل أن تتخلى دول الخليج عن الموقف الرافض لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل أو أن تتخلى القوات المسلحة المصرية عن اعتبار الجيش الإسرائيلي عدوا تاريخيا، معللا ذلك بأن التخلي عن تلك المواقف ربما يؤدي إلى غضب شعبي في الخليج أو تذمرا في صفوف القوات المسلحة المصرية.

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من تصريحات القادة العسكريين المصريين ما زالت معبرة عن ثابتة اعتبار الجيش الإسرائيلي عدوا تاريخيا، وكان آخر تلك التصريحات ما قاله قائد القوات الجوية الفريق يونس المصري يوم 13 أكتوبر في لقاء صحفي جمعه بالمحررين العسكريين بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لانتصارات حرب أكتوبر 1973، حيث وصف الجيش الإسرائيلي بالعدو عدة مرات في تصريحاته.

المنافسة العسكرية

واستبعد أستاذ علم الإسرائيليات في جامعة عين شمس بالقاهرة منصور وهابي أن تشارك القوات المسلحة المصرية في مناورات مشتركة مع الجيش الإسرائيلي، قائلا لـ"المونيتور": "الغرض من أي مناورات هو اكتشاف تسليح الجيوش الأخرى، وإسرائيل محدودة في مصادر تسليحها وأغلبه سلاح أمريكي وأوروبي، بينما تملك مصر العديد من تلك الأسلحة بالإضافة إلى التسليح الروسي والصيني، وهذا يعني أنه ليس للقوات المسلحة المصرية أي مصلحة من المشاركة في مثل هذه المناورات مقابل الأضرار التي سيواجهها النظام من رفض الرأي العام وربما عناصر الجيش للتوسع في التطبيع".

قال منير محمود لـ"المونيتور" أن التقارب مع إسرائيل اقتصاديا وسياسيا وأمنيا لمواجهة التنظيمات الإرهابية لن يلغي عنصر المنافسة بين جيوش مصر وإسرائيل وتركيا وإيران على تحقيق التفوق العسكري في المنطقة، مشيرا إلى أن المنافسة تمنع الدولتين من الكشف عن قوة جيشيهما في مناورات مشتركة.

وتجدر الإشارة إلى أن ذلك ربما يكون نفسه السبب وراء عدم وجود مناورات مشتركة بين تركيا وإيران على الرغم من تقاربهما على العديد من المستويات الاقتصادية والسياسية وأحيانا الأمنية في مواجهة نفوذ الأكراد في العراق على سبيل المثال، أو السبب وراء عدم وجود مناورات تدريبية بين تركيا وإسرائيل إلا في مرات معدودة بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية، أخذا في الاعتبار أن تلك المناورات توقفت منذ 2008.

المصالحة الفلسطينية

واختتم حديثه، قائلاً: "حتّى لو تجاهلنا محدوديّة المصالح المصرية من تلك المناورات مقارنة بالأضرار، فسنجد أنّ التوقيت الحاليّ يصعب فيه السعي إلى إجراء مثل تلك المناورات، لأنّ النجاح المصريّ في تحقيق مصالحة فلسطينيّة ربّما يوتّر العلاقات بين مصر وإسرائيل، في ظلّ رفض نتنياهو الاعتراف بتلك المصالحة لعرقلة الدخول في مفاوضات سلام حقيقيّة مع فلسطين".

لم يمنع الصراع التاريخي بين السنة والشيعة من تقارب براجماتي بين نظام تركيا ذو الصبغة السنية والنظام الإيراني الشيعي، خاصة عندما مثلت محاولات انفصال دولة الأكراد عن العراق في أكتوبر وسبتمبر 2017 تهديدا لحدود الدولتين، وهي نفسها الحالة فيما يخص مصر وإسرائيل صاحبتي العداء التاريخي والتنسيق البراجماتي الحالي في السياسة والاقتصاد والأمن لمواجهة الإرهاب على حدود الدولتين، إلا أن البراجماتية لن تكون قادرة، حتى ولو في القريب العاجل فقط، على محو العداء التاريخي من خلفية المشهد للدرجة التي يتطور معها إلى تعاون عسكري ومناورات تدريبية مشتركة.