تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إرث نتنياهو: تقسيم اليهود وتوحيد العرب

أسلوب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في التعاطي مع أزمة جبل الهيكل/الحرم الشريف يُهدّد بتحويل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني من صراع قومي إلى مواجهة دينية.
Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu attends the weekly cabinet meeting in Jerusalem July 30, 2017. REUTERS/Amir Cohen - RTS19PQE

خلال الحقبة الرومانية، أدّى جبل الهيكل دوراً محورياً في استراتيجية "فرّق تسد" التي اعتمدتها الأمبراطورية. في القرن الأول قبل الميلاد، أعاد الحاكم الروماني غابينيوس تنصيب يوحنا هركانوس الكاهن الأعلى على الهيكل اليهودي، لكنه سلّم مجموعة من النبلاء الأنداد الجزء الأكبر من السلطة والصلاحيات لحكم الإقليم. في الزمن الحديث، سوف يذكر التاريخ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان سياسياً بنى مسيرة سياسية حافلة على ركائز العداوة، وعلى الجدران التي رفعها بين أبناء الشعب الإسرائيلي – بين اليمين واليسار، اليهود والعرب، المتديّنين والعلمانيين، الإسرائيليين العاديين ونشطاء حقوق الإنسان ووسائل الإعلام. وسوف تنسب إليه كتب التاريخ أيضاً الفضل في تحقيق إنجاز فريد من نوعه، توحيد العالمَين العربي والمسلم ضد إسرائيل والشعب اليهودي.

حاول الفلسطينيون، على امتداد سنوات، توحيد العالمَين العربي والمسلم حول نضالهم من أجل الحق في تقرير المصير، ولم يحقّقوا سوى نجاح محدود جداً. حتى فيما ترفرف الأعلام الإسرائيلية فوق عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة والمتوسِّعة في الضفة الغربية المحتلة، لا يزال العلمان الأردني والمصري يرفرفان فوق سفارتَي البلدَين في إسرائيل. دول الخليج غارقة في حرب في اليمن ونزاع مع قطر، في حين ينشغل السنّة والشيعة بسفك الدماء المتبادَل. فضلاً عن ذلك، عندما يأخذ حلفاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس استراحة من خصومتهم مع "حماس" في قطاع غزة، يسعون إلى الاحتماء من المؤامرات التي يحوكها محمود دحلان، القيادي السابق في حركة "فتح"، وأتباعه من أجل إطاحة عباس. ناهيك عن الحروب الشاملة التي تشهدها سوريا والعراق.

طوال سنوات، صوّب الفلسطينيون أيضاً أنظارهم نحو واشنطن والعواصم الأوروبية الكبرى لإقناعها بأحقّية قضيتهم. وعندما لم تتبقَّ لهم خيارات كثيرة، علّقوا حتى في البداية آمالاً عالية على الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي بالكاد يستطيع تدبّر الأمور في الداخل الأميركي. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الداخل حديثاً إلى قصر الإليزيه، فيركّز الجزء الأكبر من طاقاته على معالجة الشؤون الداخلية لبلاده. تخوض المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حملة انتخابية. وتواجه رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي صعوبات مع الاتحاد الأوروبي. كما أن حملة "مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" لا تحقّق أداء جيداً. ففي مقابل كل مغنٍّ يقاطع إسرائيل، يتوافد عشرات الآخرين – مغنّون وفرق راقصة ومسرحية – إلى هناك. فضلاً عن ذلك، عدد الفنانين الإسرائيليين الذين يرفضون تقديم عروض في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية – وهم مجموعةٌ تُعتبَر حصناً لليسار – هو نقطة في بحر بالمقارنة مع عدد العروض التي تُقدَّم في المراكز الثقافية في مستوطنتَي أرئيل وكريات أربع.

صحيح أن عباس والمحيطين به ليسوا قدّيسين، لكنهم كوفئوا على صبرهم. الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو هي التي قامت بالمهمة عنهم، فحوّلت نضالهم الوطني المتلاشي إلى ضغينة دينية متأجِّجة. لقد أدّت الحكومة الإسرائيلية، بإذعانٍ، الدور الذي دفعها نحوه العرب الإسرائيليون الثلاثة الذين أقدموا على قتل شرطيَّين إسرائيليين في جبل الهيكل في 14 تموز/يوليو الماضي. كان الثلاثة يدركون جيداً ما يفعلون عندما اختاروا هذا المكان المقدّس بالنسبة إلى اليهود والمسلمين على السواء لارتكاب فعلتهم.

من المعلوم تماماً أن مجرد التلميح إلى أن هناك مؤامرة يهودية من أجل سحب السيطرة تدريجاً من أيدي المسلمين على الحرم الشريف، كما يُسمّونه، كافٍ لتعبئة المسلمين حول العالم. صورةٌ واحدة لكاميرا مراقبة "يهودية" أو كاشِف معدني "يهودي" في المكان كفيلة بأن تدفع بالمتظاهرين إلى النزول إلى شوارع رام الله وغزة وعمان والقاهرة بأعداد تفوق بأشواط تلك التي يمكن أن تتحرّك بدفعٍ من آلاف الكلمات التي تُكتَب عن مقتل مئات الفلسطينيين في صدامات مع الجنود الإسرائيليين. كان الإرهابيون الثلاثة من أم الفهم يعرفون حق المعرفة أنه المكان الأكثر تأجيجاً للمشاعر على وجه الأرض.

عادت المسألة الفلسطينية، وفي قلبها المسجد الأقصى، لتتصدّر من جديد العناوين الرئيسة حول العالم، إنما أيضاً الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي وسواها من منصّات الجهاد العالمي. عندما "يكون الأقصى تحت الحصار"، يدعو تنظيم "القاعدة" أنصاره إلى إبادة أي يهودي أو أميركي أو أوروبي يعترض طريقهم للوصول إلى المساجد الشريفة في القدس.

القرار الأحادي الذي اتّخذته إسرائيل بوضع أجهزة كاشفة معدنية عند مدخل جبل الهيكل/الحرم الشريف بعد مقتل الشرطيَّين هناك، ضربَ وتراً حسّاساً جداً لدى سكّان الجوار. فقد ألحق نتنياهو، من خلال هذه الخطوة العبثية، الأذى بادّعائه السيادة الإسرائيلية على جبل الهيكل، نظراً إلى أنه عندما كانت جميع الأبواب مغلقة أمام المسلمين، لم تكن مفتوحة أيضاً أمام الزوّار اليهود.

مسيرة الغباء التي يسلكها رئيس الوزراء الإسرائيلي لم تتوقّف عند جدران المدينة القديمة في القدس. فقد أقام أيضاً جسراً حديدياً بين الفلسطينيين في إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية. أوردت القناة الثانية الإسرائيلية في 27 تموز/يوليو أن نتنياهو اقترح مقايضة البلدات والقرى العربية الإسرائيلية في وادي عارة ذات الأكثرية العربية في الشمال، بمستوطنات الضفة الغربية التي ينوي ضمّها إلى إسرائيل. لم يصدر عن رئيس الوزراء أي نفي لهذا الخبر، ما يضعه في الخانة نفسها مع حزب "إسرائيل بيتنا" المتشدّد برئاسة وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، والذي يتبنّى نقل العرب الإسرائيليين. إذاً الزعيمان السياسيان الأبرز في إسرائيل يتصرّفان بطريقة تصبّ في مصلحة المتعصّبين دينياً، ويجعلان المواطنين العرب في إسرائيل الساعين إلى الاندماج في المجتمع الإسرائيلي يبدون وكأنهم مغفّلون يجري استغلالهم.

قدّم سعيد أبو شقرا، الذي يعرض أعمالاً لفنّانين إسرائيليين عرب ويهود في صالة العرض التي أسّسها ويتولّى إدارتها في أم الفهم، إلى موقع "المونيتور" نسخةً عن رسالة تفطر القلوب وجّهها مؤخراً إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي. كتب في مقتطف من الرسالة: "أخاطبكم في هذه الرسالة الشخصية، بصفتي شخصاً وُلد ويعيش في هذه الدولة؛ شخصاً أبصر أفراد عائلته النور هنا، وجذوره مغروسة عميقاً في هذه الأرض؛ شخصاً يهمّه أن يُضمَن مستقبل الأجيال القادمة؛ شخصاً لطالما كان ناشطاً من أجل التجمعات المتعددة الثقافات ومعالجة التصدّعات داخل المجتمع الإسرائيلي؛ شخصاً غالباً ما يواجه أسوأ أزمات الثقة التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي، لكنه يواصل العمل بعزم وتصميم من أجل العيش المشترك".

وهو يتّهم نتنياهو بزرع الشقاق بين اليهود والعرب. ويذكّره بالنداء الشهير الذي وجّهه إلى الناخبين الإسرائيليين في آذار/مارس 2015 لحضّهم على الاقتراع لأن "العرب يتوافدون بأعداد هائلة إلى مراكز الاقتراع". يتساءل أبو شقرا بسخرية مريرة: "ربما تودّ أن تقول إن أم الفهم تتدفّق بأعداد هائلة إلى القدس؟" ويختم رسالته بالتعهّد بأنه سيسعى جاهداً، مع كثيرين حوله، لخلق واقعٍ جديد من أجل الأجيال المقبلة، واقعٍ حيث يعيش العرب واليهود بسلام جنباً إلى جنب.

السؤال المطروح هو الآتي، كم من الدماء سترُاق بعد في إطار الصراع الوطني بين الشعبَين، والذي يُحوّله الأوغاد والحمقى إلى نزاع بين ديانتَين؟

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Already a Member? Sign in

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial
What's included:
Our Expertise

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

Already a Member? Sign in