تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

قرار اليونسكو عن مدينة الخليل يرتدي أهمية لجميع الأديان

القرار الذي اتخذته منظمة اليونسكو بإدراج مدينة الخليل القديمة على قائمة التراث العالمي، على الرغم من الاعتراضات الإسرائيلية، يجب أن يُنظَر إليه بأنه تأكيدٌ على أن تراث المدينة أكبر بكثير من الخلافات بين الفلسطينيين واليهود.
An Israeli soldier walks past Ibrahimi Mosque, which Jews call the Jewish Tomb of the Patriarchs, in the West Bank city of Hebron July 7, 2017. REUTERS/Ammar Awad - RTX3AJ9Z

القرار الذي اتخذته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في السابع من تموز/يوليو الجاري بإدراج مدينة الخليل القديمة على قائمة التراث العالمي المهدّد، بعَثَ الطمأنينة لدى عدد كبير من المؤمنين الأتقياء حول العالم. لقد أعرب الرئيس الفلسطيني محمود عباس ووزير الخارجية رياض المالكي عن ترحيبهم بالتصويت، فيما شنّ المسؤولون الإسرائيليون هجوماً غاضباً، حتى إنهم سخروا من القرار الصادر عن هذه المنظمة التابعة للأمم المتحدة.

استخدمت اليونسكو في قرارها التسمية الإنجليزية للمدينة Hebron، وكذلك التسمية العربية الخليل. وكلمة "الخليل" تعني الرفيق، في إشارة إلى مصطلحات العهد القديم حيث ورد أن إبراهيم هو خليل الله. يجب أن يكون صون هذا المكان المقدّس هدفاً للمؤمنين من جميع الأديان. يقول الفلسطينيون إن محاولات احتكار هذه الأماكن من قبل دينٍ واحد أو استخدام الدين أداةً للسلطة السياسية ليست خطوة ناجعة.

إبان صدور القرار، وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ"الهذياني" في بوست نشره عبر موقع "فايسبوك"، وأشار إلى أنهم "حدّدوا هذه المرة أن مغارة المكفيلة أو كهف البطاركة موقعٌ فلسطيني، ما يعني أنه ليس يهودياً". بيد أن "المجلة اليهودية" التي تتخذ من لوس أنجلس مقراً لها، أوردت عن صواب أن القرار لم يأتِ على ذكر كهف البطاركة [الحرم الإبراهيمي]، وأنه لا يحدّد أنه ملك للفلسطينيين. ولفتت إلى أن نتنياهو ربما يلمّح إلى ذلك بالاستناد إلى قرار اللجنة قبول الطلب الذي تقدّمت به "دولة فلسطين" (اليونسكو من الهيئات الدولية القليلة التي تعترف بفلسطين كدولة).

يُشار إلى أن إسرائيل منعت وفداً من اليونسكو من زيارة الخليل في أواخر الشهر الماضي.

بعد التصويت، اقتحم سفير إسرائيل لدى اليونسكو، كارمل شاما-هاكوهن، غاضباً مكتب رئيس الجلسة للتعبير عن احتجاجه على طريقة إجراء الاقتراع السري. وبحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، "انتهت المشاجرة بعدما قام الرئيس، وهو ديبلوماسي بولندي، باستدعاء الأمن".

كذلك أوردت تقارير صحافية من كراكوف في بولندا، أنه مباشرةً بعد التصويت، أمسك شاما-هاكوهن بهاتفه الخلوي وقال للجنة بازدراء شديد: "إنه السمكري في شقتي في باريس. ثمة مشكلة كبيرة في المرحاض، وهي أكثر أهمية إلى حد كبير من القرار الذي اتخذتموه للتو".

غالباً ما يكون تحديد ملكية دينٍ معيّن لموقع ما محاطاً بالتعقيدات، لا سيما في ما يتعلق بعدد كبير من الأماكن المقدسة في فلسطين وإسرائيل. تلتقي الأديان الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية والإسلام) حول النظرة إلى إبراهيم بأنه نبي عملاق تحلّى بالإيمان والشجاعة للعمل بوصايا الله حتى عندما طُلِب منه التضحية بابنه. في حين يعتقد اليهود والمسيحيون أن الابن الذي ضحّى به إبراهيم هو اسحق، يقول المسلمون إن الرواية التي يذكرها القرآن عن الواقعة تُظهر أن ذلك الابن هو اسماعيل.

يرد على الموقع الإلكتروني الرئيس لمنظمة اليونسكو: "مواقع التراث العالمي هي ملكٌ لجميع الشعوب حول العالم، بغض النظر عن الأراضي التي تقع عليها".

بعد اقتراع سرّي خطّطت له إسرائيل، صوّت أعضاء اللجنة بـ12 مقابل 3، مع امتناع ستة عن التصويت، فنال القرار بذلك أكثرية الثلثَين المطلوبة لاعتماد مثل هذه القرارات المهمة.

وفقاً لمجلة "الإيكونوميست"، من أصل 1052 موقعاً صنّفتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي – وهي ذات قيمة كونية للبشرية – قد يكون لعشرين في المئة من المواقع رابطٌ ما مع العبادة. غير أن المجلة نقلت عن أليساندرو بالسامو، وهو مسؤول في اليونسكو ينظر في الطلبات الجديدة للإدراج على قائمة التراث العالمي، قوله بأنه ليس للمنظمة الثقافية التابعة للأمم المتحدة "أي تفويض للتعامل مع المسائل الدينية بحد ذاتها".

ليس مطلوباً من كل بلد في العالم يمتلك مواقع يهودية أو مسلمة أو مسيحية أن يُخضعها لسيادة بلدٍ لديه رابطٌ ما مع تلك الديانة. اليوم، هناك مثلاً مواقع مقدّسة يهودية ومسيحية في الأردن. هل ينبغي على الأردن تسليم المواقع اليهودية إلى إسرائيل وتلك المسيحية إلى الفاتيكان؟ بالطبع لا.

قام الفلسطينيون في الخليل بالحفاظ على الحرم الإبراهيمي وحمايته على امتداد قرون، ويُقال إن إبراهيم وأسرته دُفِنوا في الحرم.

قال سفير فلسطين لدى اليونسكو، الياس صنبر، لصحيفة "الغارديان" في السابع من تموز/يوليو إن مسألة الدين لم تكن جزءاً ممّا يُسمّى عملية التسجيل. فقد نُقِل عنه قوله: "لم تسجّل فلسطين ديناً على قائمة التراث العالمي. لا يمكن تسجيل الدين على مثل هذه القائمة".

قال محافظ مدينة الخليل كامل أحمد في بيان وُزِّع على الصحافة: "يُظهر هذا القرار أن مدينة الخليل، مع تراثها الثقافي والإنساني، هي ذات أهمية للعالم بأسره وليس للفلسطينيين وحسب".

يجب ألا يُنظَر إلى إدراج الخليل على قائمة مواقع التراث العالمي المهدّدة بأنه قرار موجَّه ضد اليهود أو السامية أو مؤيّد للفلسطينيين. بل ينبغي أن يُنظَر إليه كما رآه محافظ المدينة، أي إن إرث الخليل أكبر بكثير من الفلسطينيين واليهود. ويجب صونه للأجيال القادمة.

More from Daoud Kuttab

Recommended Articles