تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أجواء رمضان في إدلب آخر معاقل المعارضة في شمال سوريا

مع قدوم شهر رمضان هذا العام تعيش مدينة إدلب شمال شرق سوريا اجواء مميزة كونها باتت مدينة تجمع فيها سوريون تم ترحيلهم من مجمل المحافظات، وأتى رمضان في فترة تخفيف التصعيد في سوريا مما ساهم بعودة الحياة إلى الشوارع.
People shop during the holy month of Ramadan in the rebel-held Idlib city, Syria June 8, 2017. Picture taken June 8, 2017. REUTERS/Ammar Abdullah - RTX39SDA

اسطنبول - إنّه سابع رمضان يمرّ على سوريا بعد بداية الثورة فيها في عام 2011. في بداية كلّ شهر من رمضان، يتحضّر المسلمون لأجواء خاصّة يعيشونها في هذا الشهر من مأكولات وحلويات وجلسات جماعيّة.

تغيّرت ملامح البيوت السوريّة بعد تدمير قسم كبير من سوريا، ومع هذا التدمير تغيّرت التركيبة السكّانيّة بعد حملات واسعة من التهجير ونقل العديد من السكّان الأصليّين إلى مناطق أخرى أو هجرة الملايين من السوريّين خارج حدود سوريا، كما فقدت العديد من العائلات أفراداً منها بين مقتول أو معتقل أو مغيّب. كلّ ذلك أثّر على العادات اليوميّة الرمضانيّة في هذا الشهر.

باتت مدينة إدلب السوريّة في شمال غرب سوريا ملجأ للعديد من المدنيّين والمقاتلين المعارضين الذين تمّ تهجيرهم إليها من مختلف المناطق، فبات يسكنها سوريّون من مختلف المحافظات مثل ريف دمشق وحمص وحلب يعيشون مع سكّانها الأصليّين.

تعيش مدينة إدلب خارج سيطرة النظام منذ آذار/مارس 2015، وتقع تحت سيطرة الفصائل المعارضة (منها معتدل ومنها ينتهج خطّ التشدّد الدينيّ)، وهذا ما حرم المدينة من الخدمات التي كان يوفّرها النظام ووضعها تحت قصف شبه دائم منذ خروجها من سيطرة النظام. وبعد سنوات من هذه الحالة، تأقلم السكّان مع الحياة الجديدة وظهرت عادات ومظاهر وتقاليد لم تكن موجودة سابقاً. وكان لشهر رمضان وتقاليده نصيب من هذه التغييرات.

تزداد في شهر رمضان الصلوات لدى المسلمين، كما تزداد الزيارات الاجتماعيّة والأعمال الخيريّة، وقد حافظ السكّان على العادات الدينيّة كالصلوات والطقوس الدينيّة، إلّا أنّ العادات الاجتماعيّة تغيّرت بسبب الحرب، كما اختفت الكهرباء من معظم المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة، ونقصت الخدمات المتوافرة، ممّا قيّد حياة السكّان، من حيث الموائد الرمضانيّة الكبيرة والزيارات على موائد السحور باكراً وغيرها، كما نقل النازحون الجدد إلى مدينة إدلب معهم عاداتهم وتقاليدهم من مختلف المحافظات، بحسب ما يقول الصحافيّ محمّد أحمد الموجود في مدينة إدلب بعدما خرج من حيّ الوعر في حمص، في اتّصال مع "المونيتور": "نفتقد هنا في إدلب إلى أجواء مدينتنا حمص التي كانت تتغيّر ملامحها في رمضان نتيجة الزينة والاحتفالات والأسواق المكتظّة، ولأنّ أهل حمص يحملون أفكارهم وعاداتهم أينما ذهبوا فهم الآن ينقلون التراث والفلكلور الحمصيّ إلى مدينة إدلب مثل الأغاني التراثيّة الحمصيّة، والمأكولات الشعبيّة التي باتت تتوافر في الأسواق في إدلب نتيجة الطلب عليها، وافتتاح عدد من المحلّات من قبل الحماصنة".

تتميّز المائدة الرمضانيّة عن المائدة العاديّة بتعدّد الأصناف ووجود بعض الموادّ الخاصّة بشهر رمضان كالحلويات الرمضانيّة وشراب السوس، ومائدة كبيرة تجتمع العائلة كاملة حولها لتتشارك طعام رمضان. يقول عبد الكريم البيوش في حديث له عبر الـ"سكايب" من إدلب لـ"المونيتور": "لا توجد عائلة في مدينة إدلب اليوم إلّا وفقدت أحد أفرادها على الأقلّ، فمنهم من قتل في القصف أو في المعارك خلال الستّ سنوات، ومنهم من يزال معتقلاً في سجون النظام أو سجون المعارضة، ومنهم من خرج من المدينة ليقاتل في مدينة أخرى ولا يمكنه العودة. الآن تشهد مدينة إدلب هدوءاً من المعارك والقصف منذ أن تمّ الاتّفاق على مناطق تخفيف الصراع في اجتماع الأستانة، ولذلك بدأنا نشاهد عودة للحياة من جديد في شوارع هذه المدينة، وهو ما غاب عنها منذ سنوات".

الوضع الاقتصاديّ في مدينة إدلب متباين بين طبقة ميسورة لديها دخل بالدولار نتيجة مشاريع تجاريّة أو العمل لصالح منظّمات أجنبيّة، وبين عائلات عاديّة تعيش من أعمال حرّة أو وظائف ذات رواتب منخفضة بالليرة السوريّة، أمّا عن الوضع الإنسانيّ في المدينة، فهي تعيش حالة هدوء من القصف والعمليّات العسكريّة منذ بدء سريان اتّفاق مناطق تخفيف الصراع الذي تمّ التوافق عليه في الأستانة في 4 أيّار/مايو 2017.اتفاقية تخفيف التصعيد تخص أربع مناطق من سوريا وهي محافظة إدلب، وغوطة دمشق، وريف حمص الشمالي، وأجزاء من محافظة درعا، والمتفق عليه أن يستمر لمدة ستة أشهر.

ويقول البيوش عن هذا الموضوع: "أسعار الموادّ في مدينة إدلب مقبولة نوعاً ما، وتتنوّع طبيعة الحياة بين عائلات مرتاحة إلى عائلات تعيش بالحدّ الأدنى، أمّا العائلات التي تعيش تحت خطّ الفقر فهي قليلة جدّاً، والآن في رمضان تنشط المنظّمات الإنسانيّة في شكل كبير كما يقوم الأغنياء بتوزيع الطعام على الفقراء. أما بالنسبة للمواد والمنتجات فهي متوفرة بشكل كبير في الأسواق، حيث يتم استيراد معظمها من تركيا بينما الخضراوات واللحوم فهي ذات انتاج محلي، والأسعار دوماً متغيرة بسبب تغير قيمة المواد المستوردة وغلاء اسعار المحروقات والنقل".

على الرغم من الغالبيّة المسلمة في مدينة إدلب، إلّا أنّه كانت توجد عشرات العائلات المسيحيّة التي تقيم في المدينة ومئات العائلات التي تقيم في الريف، إضافة إلى عدد من القرى الدرزيّة، كانت هذه العائلات تعيش أجواء رمضان والعيد مع المسلمين كطقس اجتماعيّ. الآن، وبعد ستّ سنوات من المعارك وتواجد عدد من المتطرّفين في المدينة، لم تعد الحياة هناك ممكنة بحسب ما قال أحد سكّان إدلب المسيحيّين والذي هجرها بعد سيطرة المعارضة عليها في آذار/مارس 2015 في حديثه إلى "المونيتور" عبر اتّصال هاتفيّ معه: "بقينا في مدينة إدلب إلى ما بعد تحريرها من قوّات النظام السوريّ. لكنّ الفوضى التي حصلت في المدينة بعد ذلك، وانتشار المحاكم الشرعيّة، ووجود عدد من المتطرّفين الأجانب، جعل الحياة غير ممكنة، كما أنّه تمّ إعدام أب وابنه مسيحيّين في إدلب بسبب امتلاكهما محلّ مشروبات روحيّة، ممّا دفع العديد من الأقلّيّات إلى عدم الشعور بالأمان في المدينة".

يتماثل شهر رمضان في مختلف المحافظات في شكل أو في آخر مع بعض الاختلافات نتيجة اختلاف الثقافات بين المدن السوريّة، إلّا أنّه وفي المجمل، لا يزال يتمتّع بطبيعة خاصّة وعادات مميّزة لدى السكّان، كما يختلف رمضان من مناطق المعارضة إلى مناطق النظام التي باتت تفرض نوعاً من الرقابة على الجوامع وتحاول التضييق على الشعائر الدينيّة، وخصوصاً في مناطق العاصمة دمشق.

حيث بدأ النظام في السنوات الأخيرة بزيادة التشديد على ما يدور بالجوامع والأماكن الدينية وتقول نيفين دالاتي الصحفية مع راديو الكل عبر اتصال لها مع المونيتور " يقوم النظام بالتشديد الأمني على الجوامع في العاصمة دمشق وكثيراً ما يتم ايقاف شباب ممن يرتادون الجوامع دون سبب، هذا التشديد كان موجود بدرجة أقل ما قبل عام ٢٠١١ إلا أنه ازداد في السنوات الأخيرة بعد أن تحولت دمشق لما يشبه الثكنة العسكرية".

More from Asaad Hanna

Recommended Articles