تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إجراءات السلطة ضدّ غزّة... هل هي جزء من مشروع السلام الإقليميّ؟

تعهّدت السلطة الفلسطينيّة بمواصلة إجراءاتها للضغط على حركة حماس لتحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، في حين اعتبر محلّلون وسياسيّون تلك الإجراءات، كجزء من دور السلطة لإضعاف قطاع غزّة، تمهيداً لمشروع السلام الإقليميّ الذي بدأ الحديث عنه يزداد في المنطقة.
A Hamas supporter holds a crossed poster depicting Palestinian President Mahmoud Abbas during a protest against Abbas and Palestinian Prime Minister Rami Hamdallah in Khan Younis in the southern Gaza Strip April 14, 2017. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa - RTX35K2I

رام الله، الضفّة الغربيّة - دخلت علاقة السلطة الفلسطينيّة مع حركة حماس، في مرحلة عضّ الأصابع، في انتظار من سيصرخ أوّلاً، منذ أن أعلن الرئيس محمود عبّاس، في 12 نيسان/أبريل 2017، خلال كلمة له في مؤتمر سفراء السلطة الفلسطينيّة في البحرين أنّه في صدد اتّخاذ إجراءات غير مسبوقة، للضغط على حماس لإنهاء الانقسام، وتوعّده خلال زيارته إلى واشنطن في 4 أيّار/مايو حماس باتّخاذ إجراءات مؤلمة وغير مسبوقة، بدأت السلطة في تنفيذها ولا تزال مستمرة وستصعدها في مستقبلا، والتي ادت احدى تلك الإجراءات، منع التحويلات العلاجية لمرضى قطاع غزة إلى وفاة 9 من المرضى بينهم 3 أطفال في 26 حزيران/يونيو.

وتقول السلطة إنّ هدف إجراءاتها، دفع حماس إلى الموافقة على شروط الرئيس عبّاس لتحقيق المصالحة، والمتمثّلة في حلّ اللجنة الإداريّة التي شكّلتها لتسيير قطاع غزّة، وتمكين حكومة الوفاق الوطنيّ من العمل في القطاع، والموافقة على إجراء انتخابات رئاسيّة وتشريعيّة في غضون 6 أشهر، وهي إجراءات اعتبرتها حماس متساوقة مع مخطّطات إسرائيل ضدّ قطاع غزّة.

وبدأت إجراءات السلطة، بخصم الحكومة بين 30 و50% من رواتب موظّفيها في القطاع في 4 نيسان/أبريل، تبعها وقف مساعدات اجتماعية لـ 630 عائلة في القطاع، ، ووقف مئات التحويلات إلى مرضى السرطان في غزّة للعلاج في مستشفيات القدس أو المستشفيات الإسرائيليّة، ومصادقة الرئيس عبّاس على قانون التقاعد المبكر، الذي سيشمل جميع الموظّفين العسكريّين في القطاع والمقدّر عددهم بـ35 ألف موظّف. واحدثها قطع رواتب 277 أسيراً محرّراً من حماس جلّهم من القطاع، ووقف دفع مستحقّات كهرباء القطاع إلى إسرائيل.

وشكّل إقرار قانون التقاعد كما بقيّة الإجراءات، مناسبة لتراشق الاتّهامات بين حماس والسلطة، إذ اعتبر رئيس اللجنة القانونيّة في المجلس التشريعيّ في غزّة النائب فرج الغول، في 14 حزيران/يونيو إجراءات التقاعد المبكر الإجباريّ "عنصريّة وتستهدف قطاع غزّة للتضيق عليه"، بينما نفت السلطة ذلك على لسان الناطق باسم الأجهزة الأمنيّة اللواء عدنان الضميري الذي أكّد في تصريحات صحافيّة أنّ هدف القرار إعادة هيكلة الأجهزة الأمنيّة.

وأكّد رئيس مجلس إدارة هيئة التقاعد الفلسطينيّة وعضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة والمقرّب من الرئيس عبّاس أحمد المجدلاني لـ"المونيتور"، أنّ "التقاعد المبكر ليس له علاقة بإجراءات السلطة ضدّ حماس، بل هدفه إعادة هيكلة الأجهزة الأمنيّة".

ويبدو جليّاً أنّ إجراءات السلطة ستتواصل خلال الفترة المقبلة، إذ اكّد المجدلاني أنّ "الإجراءات للضغط على حماس ستتواصل تباعاً، لأنّه على حكومة حماس في غزّة، أن تتحمّل مسؤوليّة القطاع كاملة، والسلطة لا يمكنها تمويل الانقلاب وحكومته".

وحسب ما أكّده مصدر مسؤول في السلطة الفلسطينيّة لـ"المونيتور" رفض الكشف عن هويّته، فإنّ "الإجراءات التي ستتّخذ، تلخّص موقف السلطة بعدم تمويل الحكومة التي شكّلتها حماس، ممّا يشمل وقف أيّ مشتريات لصالح القطاع كالوقود والكهرباء والأدوية، وأيّ إعفاءات ضريبيّة، وأيّ مصاريف جارية للمدارس والجامعات وما إلى ذلك".

في ضوء هذه الإجراءات، ازداد الحديث في وسائل الإعلام عن نيّة الرئيس عبّاس إعلان قطاع غزّة إقليماً متمرّداً كمحطّة أخيرة من الإجراءات، الأمر الذي نفاه مجدلاني، قائلاً: "هذا الأمر غير صحيح إطلاقاً، ولم يطرح هذا الموضوع للنقاش في أيّ من دوائر صنع القرار الفلسطينيّ على الإطلاق".

بدورها، تحاول حركة حماس الخروج بأقلّ الأضرار من الأزمة التي شكّلتها إجراءات السلطة على واقع القطاع، عبر التواصل مع السلطات المصريّة، وعقد تفاهمات مع القياديّ المفصول من حركة فتح والمقرّب من مصر محمّد دحلان للمساعدة في إيجاد حلول لمشاكل القطاع، وخصوصاًفتح معبر رفح وأزمة الكهرباء، بعد توقّف السلطة عن دفع ثمن الكهرباء إلى إسرائيل، حيث أدخلت مصر نحو مليون لتر من السولار المصري الى قطاع غزة في 21 حزيران /يونيو، ما رفع عدد ساعات وصول التيار الكهربائي إلى المنازل إلى 6 يوميا، بعد أن تراوحت بين ساعتين الى 4.

وترى السلطة التقارب بين دحلان وحماس، على أنّه محاولة من حماس للهروب من المصالحة، إذ قال مجدلاني: "هذه محاولة يائسة من الطرفين، لأنّهما في مأزق، وكلّ طرف يحاول استغلال مأزق الآخر لتحسين ظروفه في قطاع غزّة، لكنّ معلوماتنا تفيد بأنّ الأطراف الداعمة لدحلان وحماس، لن تسمح لهما بالمضي في علاقتهما".

في السياق ذاته، هاجم القياديّ في حركة حماس يحيى موسى في حديث إلى "المونيتور" إجراءات الرئيس عبّاس ضدّ القطاع، واصفاً إيّاها بأنّها "جرائم ضدّ الإنسانيّة" وهدفها خدمة اسرائيل، مدافعاً عن تفاهمات حماس مع دحلان، قائلاً: "عندما تعيش في أزمة فإنّه ينبغي عليك تجميع كلّ الأطراف الفلسطينيّة، وتوحيدها لمواجهة الأزمة، وحين يغلق الرئيس عبّاس كلّ السبل فإنّ على الأطراف أن تتوحّد لمواجهة الأزمة".

وأثار توقيت إعلان السلطة إجراءاتها ضدّ القطاع، والتي تزامنت مع جهود الإدارة الأميركيّة لإطلاق عمليّة السلام، شكوكاً بأن تكون تلك الإجراءات ناتجة عن ضغط عربيّ ودوليّ بقيادة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على السلطة، لعقد تسوية إقليميّة تنهي الصراع الفلسطينيّ-الإسرائيليّ.

وقال الكاتب المقرّب من حماس مصطفى الصوّاف لـ"المونيتور" إنّ "إجراءات السلطة ليست للضغط على حماس، بل لمعاقبة أهل غزّة لأنّهم مؤيّدون لها"، مضيفاً: "السلطة تريد الضغط على غزّة، انسجاماً مع مشروع السلام الإقليميّ التي هي جزء منه، والهادف إلى تصفية المقاومة في غزّة، وتكريس فصل غزّة عن الضفّة الغربيّة لتسوية القضيّة الفلسطينيّة".

من جانبه، قال القياديّ في حركة فتح يحيى رباح لـ"المونيتور" إنّ حلفاً عربيّاً يتشكّل برئاسة المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر، يصف الإخوان المسلمين وحماس بالإرهاب، وهذا يتطلّب من حماس مراجعة مواقفها السياسيّة، موضحاً: "ما تطرحه السلطة، هو دعوة حماس لدخول منظّمة التحرير لتكون جزءاً من الشرعيّة الفلسطينيّة، لإنقاذها من الطوفان المقبل في المنطقة".

وأشار رباح أنّ "خطّة الرئيس للمصالحة، تمثّل تحدّياً لكلّ الضغوط الخارجيّة التي تمارس عليه وتطالبه باعتبار حماس إرهابيّة، بينما هو يفتح الطريق أمامها لتصبح جزءاً من الشرعيّة الفلسطينيّة".

وأخيراً، يبدو أنّ السلطة ستمضي خلال الفترة المقبلة بفرض المزيد من إجراءاتها على قطاع غزّة، للضغط على حماس التي من المرجّح أنّها لن تستجيب لها، ممّا يضيّق خياراتها اما باتجاه تعزيز تعاونها مع مصر والقيادي دحلان المقرب من السلطات المصرية لإدخال بعض التسهيلات الى قطاع غزة وحل جزء من أزماته، وهو ما يجري في الوقت الراهن، أما الخيار الآخر الذي يبقى أمام حماس إذا ما شددت مصر ومنعت التسهيلات، هو اضطرار حماس للدخول في حرب مع إسرائيل في محاولة للخروج من الأزمة التي يعيشها القطاع، وهو ما توقعه عدد من المحللين الإسرائيليين الذين حذروا الحكومة بعد تقليص كميات الكهرباء إلى قطاع غزة من احتمالية اندلاع مواجهة مع حماس، على خلفية تردي الأحوال المعيشية للفلسطينيين في القطاع من كافة الجوانب.

More from Ahmad Melhem

Recommended Articles