تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يقضي قانون الجمعيّات الأهليّة الجديد في مصر على عمل منظّمات المجتمع المدنيّ؟

أقرّ الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي قانوناً جديداً في 29 أيّار/مايو الماضي ينظّم عمل منظّمات المجتمع المدنيّ وحقوق الإنسان، الأمر الذي أثار انتقادات نشطاء وجماعات حقوق الإنسان محليّاً ودوليّاً، إذ اعتبروه يحظّر فعليّاً عملهم ويفرض قيوداً على أنشطة الجمعيّات الأهليّة والخيريّة.
Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi gives an address after the gunmen attack in Minya, accompanied by leaders of the Supreme Council of the Armed Forces and the Supreme Council for Police (unseen), at the Ittihadiya presidential palace in Cairo, Egypt, May 26, 2017 in this handout picture courtesy of the Egyptian Presidency. The Egyptian Presidency/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. EDITORIAL USE ONLY. TPX IMAGES OF THE DAY - RTX37T68

القاهرة – أصدر الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي في 29 أيّار/مايو الماضي قانوناً جديداً ينظّم عمل منظّمات المجتمع المدنيّ والأهليّ، بعد 6 أشهر من موافقة مجلس النوّاب عليه، الأمر الذي أثار انتقادات منظّمات حقوقيّة، بداعي "أنّ القانون الجديد يقيّد عمل تلك الجمعيّات ويزيد من الأعباء الإداريّة ويضع إجراءات عقابيّة ".

ويرى مراقبون أن القانون يحد من نشاط الجمعيات الأهلية، ويوجهها فقط للأهداف التنموية التي تحتاجها الحكومة المصرية، ويتضمن القانون عقوبات قاسية جداً في حال مخالفته، وهو ما تعترض عليه جماعات حقوق الإنسان.

كما يحظر القانون الجديد على المنظمات القيام بأعمال ميدانية أو استطلاعات رأي أو التعاون مع أي هيئات دولية دون الحصول على الموافقات التي يحددها جهاز جديد نص عليه القانون مسؤول عن متابعة الجمعيات الأهلية. والجهاز الجديد تحت مسمى (الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية) يضم أجهزة أمنية رفيعة.

مشروع القانون تقدّم به رئيس لجنة التضامن الإجتماعيّ في مجلس النوّاب المصريّ عبد الهادي القصبي، عضو ائتلاف دعم مصر بـ9 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016، وهو موقّع من 204 نوّاب، بهدف تنظيم عمل منظّمات المجتمع المدنيّ والجمعيّات الأهليّة، وناقشه البرلمان على عجل في جلستين يومي 14 و15 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، دون طرحه للحوار المجتمعي أو عرضه على الجمعيات الأهلية، قبل أن يقرّه في 29 تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، ويرسله إلى رئيس الجمهوريّة للتصديق عليه.

وقال حقوقيّون ومحلّلون تحدّثوا لـ"المونيتور": "القانون فيه قيود إداريّة شديدة على الجمعيّات الأهليّة، ويلغي عمل المجتمع المدنيّ، وإن الموافقة عليه بشكل نهائي وضعت مصر تحت انتقادات دوليّة".

أمّا العضو في مجلس النوّاب محمّد أبو حامد فدافع عن القانون قائلاً في تصريحات هاتفيّة لـ"المونيتور": "إنّ مخاوف بعض منظّمات المجتمع المدنيّ ليست في محلّها، وأيّ قانون لا يظهر أثره التشريعيّ سوى مع التطبيق".

وأشار إلى أنّ مجلس الوزراء المصريّ سوف يصدر اللاّئحة التنفيذيّة للقانون خلال شهرين على الأكثر.

وألزمت المادّة الثانية من القانون، الذي حمل رقم 70 لسنة 2017، "جميع منظّمات المجتمع المدنيّ بالعمل على توفيق أوضاعها، وفقاً لأحكامه خلال سنة من تاريخ العمل به يوم 29 آيار/مايو الماضي من خلال تقديم أوراق اعتمادها مجددًا وإعلان مصادر تمويلها وأنشطتها وإلاّ قضت المحكمة المختصّة بحلّها وتؤول أموالها إلى صندوق دعم الجمعيّات والمؤسّسات الأهليّة ويقف بقوّة القانون كلّ نشاط يمارس بالمخالفة لأحكام هذه المادّة.

وقال رئيس المنظّمة المصريّة لحقوق الإنسان حافظ أبو سعدة في تصريحات هاتفيّة لـ"المونيتور": "ستكون هناك صعوبة في إجراءات توفيق الأوضاع بالنّسبة إلى المنظّمات، فالمادّة الثامنة من القانون نصّت على دفع رسوم قدرها 10 آلاف جنيه لقيد المنظّمات، إلى جانب حزمة من الأوراق والمرفقات التي قد لا ترضي الجهة الإداريّة، رغم أنّ المنظّمة تعمل في مصر منذ سنوات، وفقاً للقانون والدستور. هناك مشكلة حقيقيّة في هذا القانون الجديد".

أضاف: "القانون صدر رغم اعتراض جماعات حقوق الإنسان والمجتمع المدنيّ، فهناك ملاحظات كثيرة ستقيّد، ليس فقط عمل منظّمات حقوق الإنسان، ولكن كذلك عمل المنظّمات الخيريّة والتنمويّة في مصر، إذ ستواجه أوضاعاً صعبة، فالقانون فيه قيود إداريّة شديدة على المجتمع الأهليّ". وتابع: "هذا قانون متشدّد للغاية ويرهب المواطنين من الاشتراك في العمل المدنيّ والأهليّ".

وإنّ مأخذ حافظ أبو سعدة أنّ القانون تضمّن موادّ عقابيّة للمشتغلين في المجتمع المدنيّ، ومنها ما ورد في المادّة 87 من القانون الجديد، والتي تنصّ على أن "يعاقب بالحبس الذي لا تقلّ مدّته عن سنة ولا تزيد عن 5 سنوات وبغرامة لا تقلّ عن 50 ألف جنيه ولا تزيد عن مليون جنيه كلّ من أنشأ جمعيّة مخالفة للقانون، أو كلّ من عاون أو شارك منظّمة أجنبيّة في ممارسة نشاط أهليّ في مصر من دون الحصول على تصريح من الجهاز المختص وتقضي المحكمة بمصادرة أموال هذه المنظّمة إلى صندوق دعم الجمعيات وهوّ صندوق حكومي".

وقال أبو سعدة: "إن غالبية الدول لا تقوم بوضع تقييدات أمام الجمعيات الأهلية على عكس ما يحدث في مصر. القانون الجديد يتدخّل في كلّ تفاصيل العمل اليوميّ للمنظّمات، كما أنّ الحصول على تصريح لمزاولة نشاط يستلزم موافقة الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية.

وأشار مدير مركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونيّة رضا الدنبوقي في بيان بـ30 أيّار/مايو إلى "فرض القانون الجديد قيداً على المتبرّعين بمبلغ 10 آلاف جنيه بأن يكون للمتبرّع حساب بنكيّ، فضلاً عن وجوب إخطار المنظّمة الجهة الإداريّة المختصّة عند تلقّي الأموال، وعدم الصرف إلاّ بعد موافقة الجهة الإداريّة"، وقال: هذا أمر يعرقل مساهمة صغار المتبرّعين في العمل الأهليّ.

أمّا عضو مجلس النوّاب محمّد أبو حامد فقال في تصريحات لـ"المونيتور": "وضعنا تلك الإجراءات لضبط الأمور، ولن تتأثر بها أيّ مؤسّسة أو جمعيّة أهليّة تعمل بشكل طبيعيّ وفقًا للقانون الجديد، وتقدّم مستنداتها إلى الجهاز المختص، فمن سيتأثر حقًا بتلك الموادّ العقابيّة الجمعيّات التي كانت تعمل من دون أيّ ضوابط قانونيّة، فنحن لدينا جمعيّات تعمل من دون ضوابط. وبالتّالي، لديها تخوّفات من العمل وفق القانون".

أضاف: "ليست هناك رغبة للتضييق أو المنع، فالنصوص جاءت بعدم تدخّل الدولة في شؤون الجمعيّات." لكنّ تجدر الإشارة إلى أن القانون لم ينص صراحة على عدم تدخل الدولة في شؤون الجمعيات.

وأكمل قائلاً: "خلال مرحلة المناقشات، جلسنا مع عدد من أصحاب المنظّمات الأهليّة وأوضحنا وجهة نظرنا، وكانت لديهم ملاحظات تمّ قبول بعضها ورفض بعضها الآخر".

ورغم حديث محمّد أبو حامد عن ضمانة استقلاليّة المنظّمات الحقوقيّة وعملها، قال نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتجيّة وحيد عبد المجيد في تصريحات هاتفيّة لـ"المونيتور": "إنّ القانون الجديد يلغي دور المجتمع المدنيّ، ولا يبقي له أثراً ويضعف الدولة، لأنّ المجتمع المدنيّ يقوم بدور فعّال، وإلغاء هذا الدور يضعف الدولة بكلّ مكوّناتها"، مشيراً إلى أنّه كان يحتاج إلى جلسات استماع مع المنظّمات الحقوقيّة قبل موافقة البرلمان عليه لحسم تلك الخلافات.

وتعرّض القانون الجديد لانتقادات أجنبيّة، إذ اعتبرته هيئة الاتحاد الأوروبي للعمل الخارجي في بيان ب 31 أيار/مايو، "يضع عبئاً إضافيّاً على أنشطة منظّمات المجتمع المدنيّ ويقيّد مساحة النقاش والحوار في مصر، ويخاطر بجعل مساهمة المجتمع المدنيّ في التنمية السياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة أكثر صعوبة"، مرجّحاً أن "يؤثر بشكل مباشر على المساعدة في مجال التعاون الأوروبيّ مع مصر، خصوصاً أنّ جزءاً كبيراً من التعاون يعتمد على المنظّمات غير الحكوميّة كشركاء".

كما انتقدته مفوّضة الحكومة الألمانيّة لحقوق الإنسان بيربل كوفلر في بيان بـ1حزيران/يونيو، مشيرة إلى "أنّه يقيّد بشدّة الحقوق والحريّات الخاصّة بمنظّمات المجتمع المدنيّ".

وردّت وزارة الخارجيّة المصريّة على تلك الانتقادات في بيان الأول حزيران/يونيو الجاري، بالقول: "إنّ مجلس النوّاب حرص في صياغته للقانون على تحديث الإطار التشريعيّ المنظّم لعمل الجمعيّات الأهليّة، بما يتّسق ومبادئ وأحكام الدستور".

أضافت: "إنّ القانون يهدف إلى إدراج كلّ المنظّمات غير الحكوميّة - التي يصل عددها إلى قرابة الـ50 ألف جمعيّة- تحت منظومة قانونيّة واحدة مع وضع ضوابط محدّدة للتمويل، وعملاً بمبدأ الشفافيّة وسيادة القانون، ومن دون أيّ نيّة للتضييق على عملها".

More from Ahmed Gomaa

Recommended Articles