تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مشاورات "حماس" الداخليّة بين الانتقام لفقهاء أو امتصاص الضربة

بعد أسابيع على اغتيال القائد العسكريّ في "حماس" بغزّة مازن فقهاء، ما زالت الحركة تدرس خيارات ردّها على إسرائيل، الأمر الذي قد يشير إلى نقاشات تشهدها الحركة للموازنة بين الانتقام لفقهاء، وفي الوقت ذاته، لا تستجلب حرباً ضارية قد تجعلها تدفع أثماناً باهظة... السطور الآتية تنشغل في طبيعة خيارات "حماس" المتوقّعة للانتقام من إسرائيل، وهل في "حماس" خلافات، كما تحدّثت وسائل إعلاميّة عن ضرورة وجود ردّ لهذا الاغتيال.
Hamas Gaza Chief Yehya Al-Sinwar (C) and Hamas leader Ismail Haniyeh (L) take part in the funeral of senior militant Mazen Fuqaha in Gaza City March 25, 2017. REUTERS/Mohammed Salem - RTX32NQR

منذ أن اغتال مسلّحون مجهولون في غزّة القائد العسكريّ لـ"حماس" مازن فقهاء في 24 آذار/مارس، والحركة تهدّد بالانتقام من إسرائيل التي اتّهمتها باغتياله، وشملت تهديداتها كلّ مستوياتها القياديّة، السياسيّة والعسكريّة، في الداخل والخارج، الأمر الذي رفع سقف الفلسطينيّين بتوقّع حجم انتقامها، وهو ما لم يتحقق حتى اليوم.

لكن مصادر في لجنة التحقيق الخاصة باغتيال فقها، كشفت يوم 10 نيسان/أبريل لوكالة "فلسطين الآن" القريبة من حماس، أنها أنهت أعمالها، وستسلم تقريرها النهائي خلال الساعات القادمة لقائد حماس بغزة يحيى السنوار، وبات من المؤكد أنها اعتقلت قاتل فقهاء، وستستكمل التحقيق معه، تمهيداً لمحاكمته.

وقد أكّد رئيس المكتب السياسيّ لـ"حماس" خالد مشعل في 27 آذار/مارس أنّ إسرائيل باغتيال فقهاء تتحدّى الحركة، وقيادتها العسكريّة والسياسيّة قبلت بالتحدي، فيما أعلنت كتائب القسّام - جناح "حماس" العسكريّ في 25 آذار/مارس أنّها ستجبي من إسرائيل ثمناً على اغتيال فقهاء.

وربّما دفعت المواقف القويّة لـ"حماس" بالفلسطينيّين إلى الاعتقاد بأنّ ردّها سيكون قاسياً على إسرائيل، كي لا تكرّر اغتيالاً جديداً، الأمر الذي دفع بخروج مطالبات فلسطينيّة عدّة لـ"حماس" بالانتقام لفقهاء.

حاور "المونيتور" بعض ناطقي "حماس" في الداخل والخارج لمعرفة النقاش الذي تجريه الحركة في أروقتها حول الانتقام لفقهاء، فهل تسارع إليه أم تتأنى فيه؟ وما دقّة ما يتردّد عن خلافات داخليّة حوله؟

وفي هذا السياق، قال حسام بدران، وهو المتحدّث باسم "حماس" والمبعد إلى قطر والقائد العسكريّ السابق لـ"حماس" - شمال الضفة الغربيّة ومن رفاق فقهاء، في حديث لـ"المونيتور": "إنّ معركتنا كفلسطينيّين مع إسرائيل مفتوحة، وحماس تدير صراعها معها كمشروع متكامل، وليس كردّات فعل عاطفيّة، فنحن حركة حكيمة لا نتعامل بالثأر والانتقام. ونحن أيضاً طلاّب حق، لا حرب، وموحّدون، نتحمّل نتائج أيّ قرار نتّخذه في الداخل والخارج، وسبق أن استهدفت إسرائيل قياداتنا في الداخل والخارج، ولا يوجد تنازع وصراعات داخل حماس بين الساسة والعسكر حول الردّ على اغتيال فقهاء".

من جهته، قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة "النّجاح" بالضفّة الغربيّة عبد الستّار قاسم لـ"المونيتور": "إنّ حماس قد تمتنع عن الانتقام الكبير لاغتيال فقهاء، فكلّ ردّ كبير ضدّ إسرائيل ستكون له أثمان باهظة على حماس لا تقوى على دفعها، إذا قررت إسرائيل الرد على انتقام حماس، كأن تبادر إلى حرب ضدها في غزة، أو تقوم بحملة اغتيالات ضد قادتها. ولذلك، ستبحث عن انتقام محتمل يكون ردّ فعل إسرائيل عليه معقولاً، من دون إطلاق الصواريخ".

قد تسعى "حماس" إلى الانتقام لمقتل فقهاء خارج غزّة، خشية انزلاق الأمور مع إسرائيل إلى حرب ضارية، لكنّ استعراض فرضيّات ردودها المتوقّعة يشير إلى أنّها في الضفّة الغربيّة تشهد ملاحقة أمنيّة من السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، اللتين تواصلان كشف خلايا الحركة.

وخارج فلسطين يصعب على "حماس" ضرب أهداف إسرائيليّة، خشية تعرّضها لعقوبات الدول التي تتواجد فيها سفارات إسرائيلية، أو تجمعات للسياح الإسرائيليين، خاصة تلك المنتشرة في العديد من البلدان الأوروبية، حيث تشهد تنفيذ العمليّات. لقد سبق لـ"حماس" الإعلان عدة مرات، أهمها على لسان سامي خاطر عضو مكتبها السياسي في ورقة عمل رسمية صدرت عن مركز الزيتونة للدراسات ببيروت في يوليو/تموز 2015، أنّ صراعها مع إسرائيل محصور جغرافيّاً داخل فلسطين، لكنّ آراء قريبة منها كالمحلل السياسي حمزة أبو شنب المقرب من حماس قال في كانون الأوّل/ديسمبر أنّ "انتقال الصراع بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل خارج حدود فلسطين أمر وارد، لأن إسرائيل كررت اغتيالها لقادة المقاومة خارج فلسطين، مما سيجعل أمر الرد من قبل المقاومة خارج فلسطين مطروحاً وبقوة، وستحمل الفترة المقبلة مفاجآت لإسرائيل، فربما تتفاجأ برد المقاومة في خارج فلسطين"، عقب اتهام حماس لإسرائيل باغتيال المهندس التونسي محمد الزواري في تونس يوم 15 كانون أول/ديسمبر، وحذّرت آراء أخرى من هذه الخطوة، مثل الخبير الفلسطيني في الشأن الإسرائيلي عمر جعارة، الذي أكد يوم 19 كانون أول/ديسمبر أن "حماس لها المقدرة على الرد على إسرائيل خارج حدودها، لكن لا يمكن أن تقدم على هذه الخطوة، لأنها تحمل تعديا على سيادة الدول التي توجد فيها مصالح إسرائيلية، مما قد يعرض الحركة وقادتها لملاحقة تلك الدول".

أمّا عن تنفيذ "حماس" تصفيات ضدّ إسرائيليّين داخل إسرائيل فهو أمر في غاية الصعوبة، نظراً لحاجتها إلى معلومات أمنيّة دقيقة قد لا تتوافر لديها، رغم طموحها محاكاة الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في عام 2001، التي اغتالت وزير السياحة الإسرائيليّ رحبعام زئيفي في فندق حياة ريجنسي بالقدس، انتقاماً لقتل زعيمها أبو علي مصطفى في رام الله قبل أشهر من قتل رحبعام زئيفي.

وقال أحد مسؤولي "حماس" في الضفّة الغربيّة، أخفى هويّته، لـ"المونيتور": "إنّ سعي حماس إلى الانتقام لفقهاء يتزامن مع اعتقالات يوميّة لأفرادها من السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، بهدفين: أوّلهما منع قيام بنية تنظيميّة قادرة على إخراج عمليّات مسلّحة ضدّ إسرائيل، وثانيهما دفع كوادر حماس للانشغال بتأمين أنفسها بعيداً عن الملاحقة والاعتقال، أكثر من التفكير بتنفيذ هجمات مسلّحة".

وصدر شريط فيديو عن وكالة "شهاب" الإعلاميّة المقرّبة من "حماس" في 31 آذار/مارس، يعرض قادة إسرائيليّين في المرمى، والبندقيّة موجّهة إليهم، كوزيري الدفاع أفيغدور ليبرمان والأمن الداخليّ غلعاد أردان، رئيس أركان الجيش غادي أيزنكوت، ورؤساء أجهزة الموساد يوسي كوهين والاستخبارات العسكريّة أفيف كوخافي، والأمن العام الشاباك نداف أرغمان.

وعلّقت "حماس" في 27 آذار/مارس لافتات باللغة العبريّة في غزّة، وكتبت بجانب صورة فقهاء عبارة "الجزاء من جنس العمل"، في إشارة إلى إسرائيل.

من جهته، قال أستاذ العلوم السياسيّة بجامعة الأمّة في غزّة والخبير في "حماس" حسام الدجني، لـ"المونيتور": "إنّ نقاشات حماس تشير إلى أنّها قد تمتصّ الضربة التي تلقّتها باغتيال فقهاء، لأنّها تعلم أنّ تبعات ردّها ستكون مكلفة عليها. كما أنّ الحركة تجري حاليّاً اتّصالات إقليميّة ودوليّة، لم يذكر تفاصيلها، وقد تخشى أن يتسبّب ردّها على اغتيال فقهاء بخلط أوراقها السياسيّة، وربّما أرادت حماس من إعدام 3 جواسيس في غزّة بـ6 نيسان/إبريل التنفيس من احتقان الرأي العام الفلسطينيّ عقب اغتيال فقهاء".

وكان لافتاً أنّ أفيغدور ليبرمان أعلن في 2 نيسان/إبريل، عدم مسؤوليّة إسرائيل عن قتل فقهاء، زاعماً أنّه بسبب تصفيات داخليّة داخل "حماس"، لكنّ كتائب القسّام أصدرت في اليوم ذاته بياناً أكّد أنّ إسرائيل من قتلته، معتبرة أنّ تصريحات ليبرمان تظهر الخوف الذي يتملّكه من ردّ الحركة على الاغتيال.

بدوره، قال المتحدّث باسم "حماس" في غزّة حازم قاسم لـ"المونيتور" أنّ "موقف حماس وجناحها العسكريّ بعد اغتيال فقهاء موحّد، بأنّ الجريمة لن تمرّ مرور الكرام. أمّا طريقة الردّ وشكله فهو من اختصاص كتائب القسّام، الجناح العسكري للحركة، حيث تمنح القيادة السياسيّة لحماس ثقتها الكاملة لقيادة الجناح العسكريّ باختيار طريقة الرد وطبيعته على اغتيال فقهاء، دون الدخول في تفاصيل ميدانية".

وأخيراً، تتزامن إمكانيّة انتقام "حماس" من إسرائيل ردّاً على اغتيال فقهاء، مع ما تمرّ به الحركة حاليّاً من إعادة هيكلة مؤسّساتها وانتخاب قيادتها الجديدة.

حماس أيضا منشغلة هذه الأيام بقرب إصدار وثيقتها السياسيّة الجديدة بالنصف الثاني من نيسان/أبريل الجاري، ونقلت صحيفة الحياة اللندنية يوم 11 نيسان/أبريل عن مسئولين بحماس، لم تعلن أسماءهم، أن الوثيقة تمثل نقلة كبيرة في فكرها السياسي، وتشكل جواز عبور للحركة للمجتمعيْن الدولي والإقليمي، لأنها تعلن قبول حماس بدولة فلسطينية على حدود 1967، وهي تحارب الاحتلال الصهيوني، وليس اليهود بصفتهم الدينية.

هذه التطورات الداخلية في حماس، قد تجعل الحركة تفضّل الانتظار بالردّ على الاغتيال، رغم المطالبات الداخليّة بضرورة إنجاز هذا الردّ حتّى لا تتجرّأ إسرائيل عليها باغتيال جديد.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles