تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا توطّد قطر وتركيا علاقتهما

تسعى تركيا وقطر إلى توسيع علاقاتهما إلى ما هو أبعد من الصداقة بين رئيسيهما بغية التطرّق إلى مخاوفهما المشتركة بشأن الإدارة الأميركيّة الجديدة والتهديدات الأمنيّة ونفوذ إيران وروسيا المتنامي في المنطقة.
Turkey's Prime Minister Tayyip Erdogan (C) cuts the ribbon during the opening ceremony of the new building of the Turkish Embassy in Doha December 4, 2013. REUTERS/Mohammed Dabbous (QATAR - Tags: POLITICS) - RTX163FZ

توسّع تركيا منذ فترة علاقاتها مع الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجيّ، خصوصاً قطر. وقد اكتسبت العلاقات التركيّة القطريّة زخماً كبيراً في الأشهر الثلاثة الماضية بفضل الجهود الشخصيّة للرئيس رجب طيب أردوغان والأمير القطريّ تميم بن حمد آل ثاني، اللذين ينادي واحدهما الأخر بـ "أخي". ويستحقّ هذا التطوّر المثير للاهتمام التمّعن فيه عن كثب.

عندما زار الأمير القطريّ تركيا في كانون الأول/ديسمبر 2014، أنشأ البلدان مجموعة ثنائيّة للتعاون والاستشارة اسمها اللجنة الاستراتيجيّة التركيّة القطريّة العليا ووقّعا اتّفاقات حول التدريب العسكريّ والصناعة الدفاعيّة ونشر قوّات مسلّحة تركيّة في الأراضي القطريّة. وبالتالي، تمركز نحو 150 عضواً من الجيش والقوّات البحريّة والقوّات الخاصّة التركيّة موقّتاً في قاعدة عسكريّة قطريّة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2015، في انتظار الانتهاء من بناء قاعدة تركيّة دائمة. وتعتزم تركيا زيادة عدد قوّاتها هناك إلى 3000 عضو عندما تصبح القاعدة جاهزة.

يجتمع أردوغان وآل ثاني بشكل متكرّر. وكان الاجتماع الأخير لهما في 18 كانون الأول/ديسمبر عندما زار الأمير طرابزون الواقعة على البحر الأسود.

وأثناء تلك الرحلة، وقّع الرجلان اتّفاقات مهمّة تتعلّق بالطاقة والسياحة والبناء والدفاع والأمن. ومن المتوقّع أن تصدّر تركيا إلى قطر مدرّعات ورادارات وطائرات بلا طيّار، بالإضافة إلى معدّات عسكريّة للتواصل والرؤية الليليّة والحراريّة وغيرها من الاستخدامات بقيمة ملياري دولار.

وفي 15 شباط/فبراير، شدّد إردوغان، أثناء زيارته إلى قطر كجزء من جولته على دول مجلس التعاون الخليجيّ، على أهميّة العلاقات التركيّة القطريّة، قائلاً: "لطالما كانت قطر، خصوصاً في الأوقات العصيبة مؤخّراً، صديقة مقرّبة لتركيا. نحن وقطر ننظر إلى كلّ المشاكل الإقليميّة من المنظار نفسه. وإنّ هذا التعاون التركيّ القطريّ الوثيق مهمّ جداً لمستقبل المنطقة".

لقد تجلّت هذه الصداقة على الأرض. فعندما أسقطت تركيا طائرة حربيّة روسيّة من طراز "سو-24" في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، تراجعت علاقة تركيا مع روسيا – الجهة الرئيسيّة التي تزوّدها بالغاز الطبيعيّ – بشكل كبير. ووافقت قطر على تزويد تركيا بالغاز الطبيعيّ المسال.

وبالإضافة إلى نشر قوّات عسكريّة في قطر للقيام بتدريبات وتمارين مشتركة، تعتزم تركيا بيع قطر منتجات دفاعيّة. وتقدّر قطر المقاربة التي تعتمدها تركيا من أجل الإنتاج والأبحاث والتنمية المشتركة والنقل السهل للتكنولوجيا. وتدرك تركيا أنّ قطر، بالإضافة إلى حلفائها التقليديّين مثل الولايات المتّحدة الأميركيّة، مهتمّة بتنويع مشترياتها الدفاعيّة والأمنيّة.

في الواقع، ما تحتاج إليه قطر فعليّاً يتخطّى ما يمكن أن تقدّمه تركيا. فقطر مهتمّة بشكل خاصّ بأنظمة ومنصّات تتطلّب تكنولوجيا عالية، مثل منظومة "القبّة الحديديّة" الإسرائيليّة المتطوّرة للدفاع الجويّ، وتكنولوجيا الأقمار الصناعيّة والفضاء، والطيّارات بلا طيّار والفرقاطات.

للوهلة الأولى، يبدو أنّ دافع تركيا الأوّل هو المال وأنّ قطر تتودّد إلى تركيا للاستفادة من فرصة التنويع والحصول على تكنولوجيا عسكريّة. لكنّ الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.

لقد اختارت تركيا وقطر توطيد علاقاتهما في مجالي الدفاع والأمن لأنّهما تواجهان معضلات أمنيّة مشابهة.

ومن بين المخاطر المشتركة التي تتهدّدهما خصمهما الإقليميّ المشترك، إيران. فنفوذ إيران المتنامي في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ومهارتها في تعبئة ميليشيات مسلّحة، وبرامجها الصاروخيّة والنوويّة كانت الدافع وراء التعاون التركيّ الإيرانيّ.

ومن الاعتبارات الأخرى الوجود الروسيّ المتزايد في الشرق الأوسط، خصوصاً في دول مجلس التعاون الخليجيّ. ففيما تتوقّع دول مجلس التعاون الخليجيّ الاستفادة من منافع اقتصاديّة من جرّاء اهتمام روسيا بالمنطقة، تتخوّف من تداعيات خطرها الأمنيّ. وأكثر ما يثير مخاوفها هو إشارة وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف مؤخّراً إلى النظام العالميّ "ما بعد الغرب"، التي فُسّرت على أنّها انعكاس لرؤية روسيا التعديليّة.

ومن العوامل الأخرى التي دفعت تركيا وقطر إلى توطيد علاقاتهما الغموض في الشرق الأوسط الذي بدأ مع انتخاب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. فقراره بمنع رعايا ستّ دول إسلاميّة من الحصول على تأشيرة دخول، وإشارته إلى "الإرهاب الإسلاميّ المتشدّد"، وآراء مستشاره ستيف بانون المتعلّقة بالإسلام دفعت مجلس التعاون الخليجيّ إلى التقرّب أكثر من تركيا. ويخشى بعض المسؤولين والأكاديميّين القطريّين أن يطال الحظر على تأشيرات الدخول دول مجلس التعاون والخليجيّ، مع أنّ ذلك مستبعد جداً نظراً إلى مصالح الولايات المتّحدة الاقتصاديّة في المنطقة ووجودها العسكريّ الضخم في قطر.

وتواجه قطر وتركيا أيضاً خطراً أمنيّاً مشتركاً يتمثّل بالشبكات السلفيّة المتطرّفة العنيفة في المنطقة.

وبحسب نجار تاراكشي، وهو خبير في المركز التركيّ الآسيويّ للدراسات الاستراتيجيّة، إنّ قطر براغماتيّة وماهرة فعلاً في ما يتعلّق بالتكيّف مع التطوّرات في المنطقة.

وقال تاراكشي لـ "المونيتور" إنّ "الشركات التركيّة التي تعمل في قطر في مجالات البناء والدفاع والمال والبيع بالتجزئة وصلت إلى مستوى 15 مليار دولار. وبعد العراق والمملكة العربيّة السعوديّة، أصبحت قطر البلد الثالث المفضّل لدى الشركات التركيّة". وأضاف: "أعتقد أنّ حجم العلاقات الاقتصاديّة هذا يؤدّي تلقائيّاً إلى تعاون عسكريّ. لم يتمّ الاتّفاق على التفاصيل نهائيّاً بعد، لكنّ قطر ستستقبل بعد سنتين 3000 جنديّ تركيّ على أرضها. وسيُسمح لقطر بفتح قاعدة عسكريّة في تركيا، إذا رغبت في ذلك".

وقال مصدر أمنيّ في المركز القطريّ العسكريّ للدراسات الاستراتيجيّة لـ "المونيتور"، طالباً عدم الكشف عن اسمه، إنّ هناك فراغاً أمنيّاً في المنطقة بسبب الربيع العربيّ، والانسحاب التدريجيّ للعراق وسوريا ومصر من الساحة الشرق أوسطيّة، وانشغال المملكة العربيّة السعوديّة والدول الأوروبيّة بقضاياها الخاصّة، وتراجع الاهتمام الأميركيّ بالأمن في المنطقة. ويشكّل هذا الواقع فرصة لتركيا لصدّ النفوذ الإيرانيّ والروسيّ. وقال الخبير القطريّ، وهو عقيد متقاعد، إنّ الأوان قد آن للتشكيك في صحّة "العادة القديمة المتمثّلة بوضع كلّ البيض في سلّة واحدة". وأضاف أنّ الأوان قد آن لكي تنوّع قطر شركاءها ومجازفاتها.

وعلى ضوء التطوّرات الإقليميّة، وضعت قطر استراتيجيّة جيوسياسيّة مزدوجة. أوّلاً، تنوّع دخلها القوميّ من خلال استثمار الأموال والأصول التي تحصل عليها من عائدات الطاقة في مجالات دوليّة. وثانياً، تسعى قطر إلى كبح الخطر الأمنيّ المحتمل الذي تمثّله إيران بالتعاون مع لاعبين إقليميّين وخارجيّين. في ظل هذا الوضع، تُعتبر تركيا مؤهّلة أكثر من غيرها لتلبية هاتين الحاجتين القطريّتين.

مع ذلك، إنّ التعاون القطريّ التركيّ، القائم على الصداقة الشخصيّة بين إردوغان وآل ثاني، هو عمليّة نخبويّة من الأعلى إلى الأسفل بحاجة إلى الاستناد إلى أساس صلب تعزّزه مشاركة فعليّة للبيروقراطيّات الأمنيّة في الدولتين ومراكزهما الفكريّة وصناعاتهما الدفاعيّة.

More from Metin Gurcan

Recommended Articles