تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حياد المؤسّسة العسكريّة في تونس على محكّ الانتخابات المحليّة

صادق البرلمان التونسيّ على مشروع قانون جديد يتعلّق بالانتخابات البلديّة والمحليّة، منح فيه المنتسبين إلى المؤسّستين الأمنيّة والعسكريّة حقّ الانتخاب للمرّة الأولى في تاريخ البلاد، استناداً إلى نصوص دستوريّة تمنح حقّ الانتخاب إلى كلّ المواطنين. هذه السابقة أثارت جدلاً واسعاً في تونس بين من يعتبر ذلك حقّاً يجب أن يتمتّع به العسكريّون كغيرهم من المواطنين، ومن يعدّ ذلك تهديداً لحياد المؤسّسة العسكريّة وزجّاً بها في الشأن السياسيّ وهواجس أمنيّة من كشف هويّات الضبّاط والجنود القوائم الانتخابيّة.
Tunisian soldiers listen to the national anthem along the frontier with Libya in Sabkeht Alyun,Tunisia February 6, 2016. Tunisia has completed a 200-km (125 mile) barrier along its frontier with Libya to try to keep out Islamist militants, and will soon install electronic monitoring systems, Defence Minister Farhat Hachani said on Saturday. REUTERS/Zoubeir Souissi - RTX25SJ3

في مطلع شباط/فبراير الحاليّ، صادق البرلمان التونسيّ على مشروع قانون جديد يتعلّق بالانتخابات البلديّة والمحليّة، منح فيه المنتسبين إلى المؤسّستين الأمنيّة والعسكريّة حقّ الانتخاب للمرّة الأولى في تاريخ البلاد. هذه السابقة أثارت جدلاً واسعاً في تونس بين من يعتبر ذلك حقّاً يجب أن يتمتّع به العسكريّون كغيرهم من المواطنين، ومن يعد ذلك تهديداً لحياد المؤسّسة العسكريّة وزجّاً بها في الشأن السياسيّ.

بعد سنوات من الحياد التامّ والصارم تجاه كلّ ما هو سياسيّ وانتخابيّ، سيتوجّه جنود الجيش التونسيّ وضبّاطه وعناصر المؤسّسة الأمنيّة إلى مراكز الاقتراع لاختيار من يمثّلهم في المجالس المحليّة والبلديّة، خلال الانتخابات المقبلة، وفقاً للفصل السادس من قانون الانتخابات المحليّة الجديد القائل " يُرسّم في سجل الناخبين العسكريون وأعوان قوات الأمن الداخلي في الانتخابات البلدية والجهوية دون سواهما ". لكنّ ذلك يبدو متعارضاً مع الفصل 18 من الدستور التونسيّ الذي يشير إلى أنّ "الجيش الوطنيّ جيش جمهوريّ يضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، وهو ملزم بالحياد التامّ"، والفصل 19 الذي يلزم المؤسّسة الأمنيّة بالحياد التامّ.

وفي هذا السياق، يقول العضو السابق في الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات في تونس سامي بن سلامة لـ"المونيتور: "إنّ الأمنيّين والعسكريّين ومختلف عناصر القوّات الحاملة للسلاح هم مواطنون من نوع خاصّ ومتميّز. لذلك يجب على الدوام ملائمة الحقوق التي يمكن أن يتمتّعوا بها كمواطنين مع احترام المبادئ التي يخضع إليها من ينخرط في الحياة الأمنيّة والعسكريّة وهي خصوصاً، الانضباط، والولاء، والحياد، والاستعداد والجهوزيّة. لذلك فإنّ منحهم حقّ التصويت في الانتخابات ولو كانت بلديّة في ظلّ مسار انتقاليّ غير مكتمل ويشهد صعوبات لا حصر لها وفي ظلّ محاولات للاختراق من قبل الأحزاب، يعتبر عمليّة خطيرة من شأنها التأثير على تلك المبادئ الأربعة، وبالتالي على عملهم وإنزالهم إلى الحلبة السياسيّة، على الرغم منهم". لكن لا أحد يعلم رأي المؤسسة العسكرية في تونس حول الأمر لأن قياداتها وجنودها شديدو التحفظ والانضباط ولا يعبرون عن أراءهم السياسية في وسائل الإعلام.

ويشير بن سلامة إلى المخاطر الأمنيّة التي تحفّ بمنح العسكريّين والأمنيّين حقّ التصويت بالقول: "علاوة على ما يطرحه تسجيلهم بقائمات الناخبين من كشف لهويّاتهم ومقرّاتهم، وما سيخلّفه تصويتهم من كشف لانتماءاتهم الفكريّة والسياسيّة". وشهدت تونس منذ عام 2011 العديد من العمليّات الإرهابيّة التي تقف خلفها مجموعات جهاديّة بعضها موالٍ لتنظيم القاعدة ككتيبة عقبة بن نافع، وبعضها الآخر موالٍ لتنظيم "داعش"، وقد خلّفت هذه العمليّات أكثر من 220 قتيلاً في صفوف قوّات الأمن والجيش و98 قتيلاً مدنيّاً، وفقاً لمسح قام به موقع إنكيفادا المحليّ. وكان أخرها هجوماً استهدف عربة عسكرية في جبل سمامة غرب البلاد وأودى بحياة ثلاث عناصر من الجيش في أغسطس/أب 2016.

في المقابل، يرى الصحافيّ والمحلّل السياسيّ عبد الستّار العايدي في حديث إلى "المونيتور" أنّ منح حقّ الانتخاب إلى الأمنيّين والعسكريّين في الانتخابات البلديّة والمحليّة فقط، دون الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة، سيكون اختباراً جيّداً لمدى انضباط القوّات الحاملة للسلاح بمبدأ الحياد التامّ تجاه السياسة، وفي الوقت نفسه يمارس هؤلاء حقّهم في المواطنة كاملاً من دون نقصان، خصوصاً وأنّ فصول الدستور تؤكّد المساواة التامّة بين المواطنين من دون تمييز، ومن بينها التمييز المهنيّ، وتؤكّد كذلك حقّ الانتخاب لكلّ التونسيّين".

ويشير العايدي إلى أنّ "تقييم تجربة الانتخابات البلديّة المقبلة سيكون مهمّاً ومفيداً، فإن واجهت البلاد صعوبات في الجمع بين حياد المؤسّستين الأمنيّة والعسكريّة وحقّ عناصرها في التصويت، فيمكن التوجّه مرّة ثانية نحو تعديل القانون وإبطال الفصل الذي يمكّنهم من حقّ التصويت، وبذلك نكون قد استفدنا من التجربة، والقانون الانتخابيّ كغيره من القوانين، تدفع حاجات الدولة والمجتمع إلى تعديله إن لزم الأمر".

من جانبها، ترى مديرة مكتب مركز كارتر في تونس المتخصّص في مراقبة الانتخابات ومراقبة عمليّة صياغة الدستور ووضع الإطار القانونيّ للانتخابات فداء نصر الله، في تصريحات سابقة للمونيتور، أنّ ''حرمان القوّات العسكريّة وقوّات الأمن الداخليّ يتعارض مع الالتزامات الدوليّة للجمهوريّة التونسيّة وذلك بموجب العهد الدوليّ للأمم المتّحدة الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، إضافة إلى ذلك، فإنّه يتعارض مع الفصلين 21 و34 من الدستور التونسيّ''.

وقالت نصر الله في حوار سابق مع "المونيتور" : "الخوف من عدم التزام الجيش بالحياد ومن إمكان التلاعب بالتصويت بطريقة ما، يمثّل هاجساً تتقاسمه العديد من البلدان. ومع ذلك، فيمكن الحدّ من هذه المخاوف من خلال اعتماد تدابير معيّنة، وليس عن طريق الإنكار القاطع لحقوق القوّات الحاملة للسلاح التابعة إلى الدولة. وكان مكتب مركز كارتر في تونس قد حثّ في 28 أيلول/سبتمبر الماضي في بيان له البرلمان التونسيّ على "منح حقّ التصويت إلى قوّات الجيش والأمن".

وعارضت حركة النهضة الإسلاميّة منح العسكريّين والأمنيّين حقّ التصويت في الانتخابات، لكنّها عادت ووافقت على التصويت لفائدة القانون الانتخابيّ الجديد في البرلمان في 31 كانون الثاني/يناير 2017. ويبدو أنّ ذلك يعود إلى حساسيّة الإسلاميّين عموماً من المؤسّسة العسكريّة، خصوصاً وأنّ ما حدث في مصر بعد عزل الرئيس السابق الإخوانيّ محمّد مرسي من طرف وزير دفاعه عبد الفتّاح السيسي في 30 حزيران/يونيو 2013 ما زال ماثلاً للعيان، ولاحقاً ما حدث في تركيا من محاولة انقلابيّة فاشلة ضدّ الرئيس التركيّ الإسلاميّ رجب طيّب إردوغان في 15 تمّوز/يوليو 2016 قادته مجموعة من الضبّاط داخل الجيش. كما عبّر ضبّاط سابقون في الجيش التونسيّ في أيلول/سبتمبر الماضي عندما انطلقت النقاشات حول القانون الانتخابيّ، عن معارضتهم ذلك بدعوى وجود مخاطر لتقسيم الأمن والجيش. في المقابل، رحّبت الأحزاب العلمانيّة بذلك، وخصوصاً الجبهة الشعبيّة، وهي ائتلاف يضمّ 11 حزباً وتجمّعاً يساريّاً وقوميّاً وبيئيّاً، وحزب أفاق تونس ذا التوجّه الليبراليّ.

أخيراً، ستكون المحطّة الانتخابيّة المقبلة وحدها المحكّ الحقيقيّ لكلّ الآراء التي طرحت حول منح حقّ التصويت في الانتخابات البلديّة والمحليّة للقوّات العسكريّة وقوّات الأمن الداخليّ، سواء الرافضة لذلك أم الداعمة له. لكنّ الهواجس التي يطرحها المعارضون لا تخلو من الوجاهة، فالزجّ بالمؤسّسة الأمنيّة، وخصوصاً العسكريّة في السياسة، ولو من باب حقّ التصويت فقط يعتبر مخاطرة في بلد ما زال يتحسّس خطاه في الانتقال نحو الديمقراطيّة، ويعيش حرباً مفتوحة ضدّ الجماعات الإرهابيّة على حدوده الشرقيّة مع ليبيا وعلى حدوده الغربيّة مع الجزائر. لكن في المقابل، ستكون المحطّة الانتخابيّة البلديّة والمحليّة المقبلة أيضاً، اختباراً حقيقيّاً وعمليّاً، لعناصر القوّات العسكريّة وقوّات الأمن الداخليّ لقياس مدى انضباطهم واحترامهم لمبدأ الحياد المنصوص عليه في الدستور، من دون أن يمسّ ذلك حقّهم الانتخابيّ.

More from Ahmed Nadhif

Recommended Articles