تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل ينجح العراق في إنجاز وساطة بين السعوديّة وإيران؟

يبذل العراق جهوداً دبلوماسيّة مستمرّة للوساطة بين إيران والسعوديّة في ظل تحقيق أجواء مساعدة سياسيّاً واقتصاديّاً لذلك.
Iranian Foreign Minister Mohammad Javad Zarif (L) speaks during a news conference with Iraqi Foreign Minister Ibrahim al-Jaafari in Baghdad, July 27, 2015. REUTERS/Ahmed Saad - RTX1M0DA

النجف – نقلت وسائل إعلام إيرانيّة وعراقيّة في 14 كانون الثاني/يناير الحاليّ أنّ وزير الخارجيّة العراقيّ ابراهيم الجعفري قد عرض وساطة بين إيران والسعوديّة لحلّ الخلافات، وإعادة علاقاتهما الثنائيّة التي انقطعت بعد الهجوم على سفارة الرياض في طهران في 2 كانون الثاني/يناير 2016. وحصل حادث الهجوم بعد سلسلة من الأزمات حدثت بين البلدين، أهمّها حادث سقوط أكثر من 450 قتيلاً في حادثة تدافع في مكّة في عام 2015، وإصدار أحكام إعدام في حقّ المعارض الشيعيّ السعوديّ الشيخ نمر النمر، الذي تمّ إعدامه في 2 كانون الثاني/يناير 2016.

وقد أكّد الجعفري الخبر، قائلاً إنّه يواصل وساطته منذ العام الماضي، مضيفاً: "إنّني قد قمت بالفعل بنقل رسائل شفهيّة عدّة بين المسؤولين السعوديّين ونظرائهم الإيرانيّين"، حسب ما نقلته وكالة رويترز عن التلفزيون الرسميّ الإيرانيّ. وأضاف الجعفري: "أيّ أزمة في العلاقات الإيرانيّة-السعوديّة تضرّ أيضاً بالعراق والعكس صحيح".

وأعقبت وساطة الجعفري، جهود رسميّة من قبل دول مجلس التعاون الخليجيّ لكسر الجليد بين طهران والرياض، وفتح باب الحوار بينهما، حيث أعلن نائب وزير الخارجيّة الكويتيّ خالد الجارالله، أنّ دول مجلس التعاون الخليجيّ في صدد بعث رسالة باسم المجلس إلى الجانب الإيرانيّ، لتنظيم لقاءات حواريّة بين الطرفين. وتابع الجارالله أنّ الجانب الكويتيّ قد تكفّل بإيصال الرسالة إلى الإيرانيّين، مؤكداً أنّ "الاتّصالات ما زالت مستمرّة مع الجانب الإيرانيّ، لتحديد موعد يناسب الجانبين، لتسليم تلك الرسالة".

وقد أكّد رئيس الجمهوريّة الإيرانيّ حسن روحاني في 17 كانون الثاني/يناير الحاليّ أنّ ما لا يقلّ عن عشر دول بينها العراق والكويت تقدّمت للوساطة بين إيران والسعوديّة، مشيراً إلى أنّ إيران ترحّب بذلك، وتريد بناء علاقات جيّدة مع الجميع، خصوصاً مع دول الخليج والسعوديّة. وقد سبقت ذلك تصريحات مشابهة لأمين المجلس القوميّ الإيرانيّ علي شمحاني، وثمّ وزير الخارجيّة جواد ظريف، حول إبراز الرغبة في تجديد العلاقات مع السعوديّة.

وكان العراق قد عرض وساطة سابقة في كانون الثاني/يناير العام الماضي، وبعد اشتداد الأزمة بين الطرفين إثر الهجوم على السفارة السعوديّة. وصرّح الجعفري آنذاك بأنّ "الأزمة التي حدثت أخيراً بين العراق والسعوديّة استدعت من العراق ضرورة المبادرة والتحرّك مباشرة"، مؤكّداً أنّ "مجلس الوزراء العراقيّ قرّر التحرّك لإنهاء التوتّر بين إيران والسعوديّة"، ولكنّ الوساطة لم تنجح، كما أنّ ألمانيا حاولت الوساطة بين إيران والسعوديّة في شباط/فبراير الماضي، من دون الوصول إلى أيّ نتيجة، بسبب عدم تجاوب الطرفين.

والسؤال الذي يطرح الآن هو: هل آن الوقت المناسب لإنجاز وساطة بين إيران والسعوديّة؟ وهل يتحلّى العراق بمقدار كافٍ من الحياديّة والنفوذ والتأثير على مواقف الطرفين، كي يتمكّن من تحقيق المصالحة بينهما؟

يعتمد الجواب عن هذا السؤال على مدى حاجة الطرفين إلى تحقيق المصالحة. والحقيقة هو أنّ الطرفين في حاجة ماسّة في الظروف الحاليّة إلى تصفير الأزمات في ما بينهما، والوصول إلى تسوية، ولو في شكل جزئيّ في ملفّات خاصّة. وأبرز ما يدلّ على ذلك، هو توافق الطرفين على تخفيض إنتاج النفط في منظّمة "أوبك" في 28 أيلول/سبتمبر الماضي في العاصمة الجزائريّة. وقد أدّى الاتّفاق إلى أكبر خفض في الإنتاج منذ عام 2008، ممّا تسبّب في ارتفاع الأسعار في شكل ملحوظ. فقد جلبت المصالح الاقتصاديّة، الطرفين إلى طاولة المفاوضات، مخلّفة اتّفاقاً غير مسبوق في ظلّ الأزمة المتصاعدة بينهما آنذاك.

وفي ملفّ آخر وهو الحجّ، أعلن مسؤول بعثة الحجّ الإيرانيّة السيّد علي قاضي عسكر في 10 كانون الثاني/يناير الحاليّ أنّه قد تسلّم دعوة من الجانب السعوديّ عبر ممثّليّته في نيويورك تدعو إلى عقد اجتماعات لتنظيم أمور الحجّ في العام المقبل. وقد بلغ عدد الحجّاج الإيرانيّين في عام 2015 أكثر من ستّين ألفاً، ممّا يجعلها في مقدّمة الدول المشاركة في موسم الحجّ، إضافة إلى أعداد كبيرة أخرى تزور مكّة والمدينة خلال كلّ عام باستمرار. ويشكّل هذا العدد منفعة اقتصاديّة للسعوديّة، إضافة إلى عدم رغبة السعوديّة في منع أيّ دولة إسلاميّة من المشاركة في الحجّ، حفاظاً على سمعتها الدينيّة في العالم الإسلاميّ. كما أنّ إيران أيضاً لا ترغب في منع مواطنيها من الذهاب إلى الحجّ، من حيث أنّ ذلك سيؤدّي إلى فتح طرق أخرى أمام المواطنين للذهاب إلى الحجّ، ممّا سيؤدّي إلى إزالة السيطرة والرقابة الحكوميّة على ملفّ حسّاس مثل موضوع الحجّ.

 ومن جهّة الخلافات الإقليميّة، يبدو أنّ رياح الأحداث تجري بالطرفين نحو التفاهم، والنموذج الأوّل لذلك حصل في الاتّفاق على تشكيل الحكومة في لبنان بعد مدّة طويلة من التعطيل، وذلك بعد التوافق السياسيّ بين تيّار المستقبل المقرّب من السعوديّة بزعامة سعد الحريري المجنّس سعوديّاً، إلى جانب جنسيّته اللبنانيّة، وحزب الله الشيعيّ المقرّب من إيران. وليس مستبعداً تكرار ذلك في ملفّات أخرى مثل اليمن وسوريا، خصوصاً في ظلّ رغبة الإدارة الأميركيّة الجديدة في حلحلة الوضع في الشرق الأوسط ورسم وضع سياسيّ مستقرّ نسبيّاً.

وعلى الرغم من التغيير الواضح في السياسة العامّة السعوديّة والإيرانيّة تجاه العلاقة الثنائيّة بين البلدين، ما زالت هناك أصوات، وغالباً من الجهّات العسكريّة، تدعو إلى استمرار الحرب الباردة بين البلدين. فقد هاجم قائد الحرس الثوريّ في محافظة كردستان الإيرانيّة محمّد حسين رجبي في 14 كانون الثاني/يناير الحاليّ حكومة إقليم كردستان العراق لسماحها بفتح قنصليّة سعوديّة في أربيل، متّهماً إيّاها بالقيام بأعمال التجسّس والمؤامرة ضدّ إيران.

وأخيراً، يعدّ الواقع المتنوّع مذهبيّاً وسياسيّاً في العراق، نقطة قوّة أساسيّة ومهمّة من شأنها أن تلعب دور وساطة ناحجة بين الطرفين السعوديّ والإيرانيّ، فهناك الإقليم الكرديّ والأحزاب السنيّة التي تتمتّع بعلاقات طيّبة مع السعوديّة، ممّا يمكّن الجهاز الدبلوماسيّ العراقيّ من الاستعانة بذلك لتحقيق مشروع مصالحة ناجحة.

More from Ali Mamouri

Recommended Articles