تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

توتّر العلاقات المصريّة - السعوديّة يلقي بظلاله على أزمة سدّ النّهضة

موجة من الغضب في مصر أثارتها الزيارة الأخيرة لوفد سعوديّ ملكيّ لسدّ النّهضة... وهو ما اعتبرته القاهرة مكيدة سياسيّة.
renaissance.jpg

القاهرة — جاءت زيارة وفد رسميّ من المملكة العربيّة السعوديّة يتقدّمه المستشار الخاص لعاهل السعوديّة أحمد الكاتب لسدّ النّهضة الإثيوبيّ في 16 كانون الأوّل/ديسمبر لتشعل موجة من الغضب في مصر، ولتتصاعد على أثرها أزمة توتّر العلاقات المصريّة - السعوديّة المستمرّة منذ 8 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، بعد تصويت القاهرة في مجلس الأمن لصالح القرار الروسيّ بشأن الأوضاع في سوريا.

وكان الوفد الملكيّ تجوّل في مشروع "سدّ النهضة" لمعرفة إمكانيّة توليد الطاقة المتجدّدة وتم الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة للتّعاون مع إثيوبيا في مجال الطاقة، بينما دعا رئيس الوزراء الإثيوبيّ "هيلى ماريام ديسالين " السعوديّة إلى دعم "سدّ النّهضة" ماديّاً والاستثمار في بلاده.

وقال د. محمد نصر الدين علام وزير الموارد المائية والري الأسبق في 17 ديسمبر أن زيارة المستشار الملكيّ لسدّ النّهضة مكيدة علنية ردا على الخلافات بين البلدين ، واعتبر التلويح بالتعاون مع دولة تهدد الأمن المائي للمصريين تصرف غير مسؤول من الرياض.

وتأتي الزيارة ضمن ضغوط الرياض على القاهرة للتراجع عن موقفها تجاه سوريا والضغط على القضاء المصريّ لتغيير الحكم الصادر في حزيران/يونيو الماضي بشأن عدم الاعتداد بإتفاقيّة ترسيم الحدود البحريّة بين البلدين الموقعة في 8 أبريل ، والتي تقضي بنقل تبعيّة جزيرتي "تيران وصنافير" للسعوديّة.

وكانت شركة أرامكو السعوديّة قد أوقفت منذ تشرين الأول /أكتوبر الماضي إمداد مصر بشحنات منتجات بتروليّة في إطار حزمة مساعدات تبلغ قيمتها 23 مليار دولار بموجب اتفاق على إمداد مصر بمنتجات نفطية مكررة بواقع 700 ألف طن شهريا لمدة خمس سنوات.

وفي الوقت الذي التزمت الخارجيّة المصريّة الصمت، شنّ إعلاميّون في مصر هجوماً شرساً وصل إلى تهديد البعض منهم للسعوديّة، وقال الإعلاميّ محمّد علي خير عبر فضائيّة "القاهرة والناس": "العلاقات المصريّة - السعوديّة فيها مشكلة منذ تولّي الملك سلمان". وطالب الرياض بأن تراجع موقفها، وإلاّ لا تلوم إلاّ نفسها.

وتأتي التحرّكات السعوديّة الأخيرة تجاه التّعاون مع إثيوبيا في توليد الطاقة من سدّ النهضة مغايرة لمواقفها السابقة، إذ كان وزير الخارجيّة السعوديّ عادل الجبير قد أكّد خلال زيارة للقاهرة في نيسان/إبريل الماضي ألاّ استثمارات سعوديّة في سدّ النّهضة.

وعن سير المفاوضات الخاصّة بسدّ النّهضة، اكتفى وزير الموارد المائيّة والريّ الدكتور محمّد عبد العاطي بالتّعليق على الأمر قائلاً لـ"المونيتور" ان المفاوضات الفنيّة بين مصر والسودان وإثيوبيا سارية، ولكن ليس بالسرعة المطلوبة.

ومن جهته، أكّد علاّم ألاّ مباحثات تتمّ حاليّاً بين الجانبين المصريّ والإثيوبيّ في شأن سدّ النّهضة، وقال لـ"المونيتور": إنّ جلسات المباحثات توقّفت منذ أيلول/سبتمبر بالتّوقيع الثلاثيّ بين مصر والسودان وإثيوبيا على عقود بدء دراسات تأثيرات سدّ النّهضة ومدى الأضرار الناتجة عنه علي دولتي المصب مصر والسودان ، والموكلة إلى مكاتب استشاريّة فرنسيّة.

ووفقاً لمحمّد نصر الدين علاّم، فإنّ الشركات الاستشاريّة لم تبدأ عملها بالشكل المطلوب حتّى الآن، وما زالت هناك تعقيدات روتينيّة.

وأشار إلى أنّ حكومة أديس أبابا لم تتمكّن من إتمام المرحلة الأولى لبناء سدّ النّهضة في موعدها مع موسم الفيضان الماضي، وقال: "من الواضح أنّ إثيوبيا تواجه مشكلة في توفير التّمويل المتبقّي لإتمام السدّ".

وتحفّظ رئيس لجنة الشؤون الإفريقيّة السابق في مجلس النوّاب المصريّ حاتم باشات في حديثه لـ"المونيتور" على الإطار التصعيديّ الذي تناول به الإعلام المصريّ زيارة الوفد السعوديّ لسدّ النّهضة، رافضاً وصفها بالمكيدة السياسيّة، لافتاً إلى أنّ قانون الإعلام المصريّ الجديد سيعمل على ضبط التناول الإعلاميّ لقضايا كهذه تضرّ الأمن القوميّ المصريّ، وستـكون هناك رقابة على آداء الإعلاميّين في مصر.

واعتبر أنّ زيارة مستشار العاهل السعوديّ لسدّ النّهضة، ربّما لا تحمل أيّ سوء نيّة تجاه المصريّين، إلاّ أنّ التوقيت الحاليّ لم يكن مناسباً، وفي إطار التوتّر في العلاقات.

"هي ليست زيارة عاديّة"، بهذه الكلمات بدأ رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجيّة وعضو مجلس النوّاب المصريّ الدكتور سمير غطّاس حديثه لـ"المونيتور"، وقال: "إنّ زيارة الوفد السعوديّ الرفيع المستوى لسدّ النّهضة تأتي في إطار إجراءات الطلاق السياسيّ، التي بدأت أخيراً بين القاهرة والرياض".

ووفقاً لسمير غطّاس، فإنّ خطورة تلك الزيارة السعوديّة أنّها تتعلّق بملف شديد الحساسيّة لمصر، وهو الأمن المائيّ، وقال: إنّ بيان مجلس التّعاون الخليجيّ الأخير الذي يشجب اتّهام مصر لقطر بالضلوع في حادث الكنيسة البطرسيّة يبرز أنّ الموقف الخليجيّ برمّته تجاه مصر، باستثناء الإمارات، بات مرتبكاً بشدّة، نظراً لأنّ القاهرة لم توجّه اتّهاماً رسميّاً لقطر.

وقال: "إلى الآن، الحكومة والدولة المصريّة متمسّكتان في شكل مخز بدفاع السعوديّة عن جزيرتي تيران وصنافير، رغم رفض القضاء والشعب المصريّ".

أضاف: "ربّما لديهما أمل في استعادة العلاقات مع السعوديّة... وهو أمر بات خلفنا".

أمّا على صعيد رجل الشارع في مصر فالتقى "المونيتور" بعدد من المواطنين، الذين أكّدوا عدم قناعتهم باقدام المملكة على الإضرار بشعب مصر، وقال محمّد عبد الرحمن (65 عاماً): "لا أصدّق أبداً أن يدعم أهل الأرض المقدّسة مشروعاً يهدّد بتعطيش أهل مصر".

وعقّب علاء خلف (36 عاماً) بالقول: "إن ارتضى قادة المملكة، فلن يرتضي شعبها بالجور على أهل مصر، ومهما كانت الضغوط لن نتنازل عن مصريّة تيران وصنافير".

ومن جهته، قال مساعد وزير الخارجيّة الأسبق السفير معصوم مرزوق في حديث لـ"المونيتور": إنّ الزيارات الخارجيّة لقطر والسعوديّة لسدّ النّهضة لن تضيف حجراً أو تنقص من بناء السدّ، والذي ينتهي بناؤه العام المقبل، بينما تأتي في إطار ما نطلق عليه المكايدة السياسيّة، وهي تصرّفات لا تحقّق مصلحة لطرف بقدر ما تعمل على مضايقة طرف آخر.

أضاف: "هذه الضغوط السعوديّة لن تغيّر شيئاً من الموقف المصريّ من سوريا واليمن لأنّ رئيس الدولة لا يستطيع أن يرسل جنديّاً واحداً خارج الحدود، إلاّ بموافقة الشعب والبرلمان".

بات يبدو جليّاً أنّ العلاقات المصريّة - السعوديّة بدأت تتخطّى مرحلة التوتّر السياسيّ لتدخّل إلى نفق مظلم، وهو ما ينذر بخلل كبير في توازن المنطقة العربيّة والشرق الأوسط.

More from Walaa Hussein

Recommended Articles