تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأزمة السياسيّة في الأنبار تدخل النفق المسدود

الخلافات السياسيّة الحادّة في الأنبار تحول، حتّى الآن، دون إعادة إعمار المناطق المحرّرة من تنظيم "داعش" وإرجاع النازجين اليها، في ظلّ غياب الحلول والوساطات التي باتت أمراً ملحّاً، بعد قرار الرئاسات العراقيّة الثلاث تأجيل الإنتخابات المحليّة، التي كانت مقرّرة في نيسان/إبريل المقبل.
Civilians celebrate with Iraqi army soldiers after returning to their homes in the town of Hit in Anbar province, Iraq October 10, 2016. Picture taken October 10 2016. REUTERS/Stringer - RTSRQ11

بغداد - بلغت الأزمة السياسيّة في الأنبار ذروتها بتصويت مجلس محافظة الأنبار على إقالة رئيسه صباح كرحوت، واختيار أحمد حميد العلواني رئيساً له في 26 تشرين الثاني/نوفمبر. وقد تراجع المجلس بعد تغيير رئيسه عن قرار إقالة المحافظ صهيب الراوي، إثر ضغوط سياسيّة وقرار من القضاء العراقيّ.

وقام المجلس بإقالة صهيب الراوي في 29 آب/أغسطس من عام 2016، لكنّ الراوي اعترض على القرار ممّا جعله متمسّكاً بمنصبه، إلى أن قرّرت المحكمة إلغاء قرار إقالته في 14 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. وكردّة فعل، قرّر المجلس تجميد صلاحيّاته الماليّة في 15 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

لا يمكن التعويل على القرار الجديد للمجلس بالتراجع عن إقالة الراوي، حيث أنّ المشكلة تحمل أبعاداً أعمق من هذا، فيشهد مجلس المحافظة انقساماً كبيراً بين تكتّل الحزب الإسلاميّ الذي يمتلك منصب المحافظ (صهيب الراوي) وتدعمه كتلة "الحلّ" بزعامة محمّد الكربولي، والذي يطالب بحلّ مجلس المحافظة، في مقابل ما بات يعرف بكتلة "الإصلاح"، والتي تضمّ 17 عضواً (من أصل 30 عضواً في مجلس محافظة الأنبار) من كتلة الوفاء للأنبار و"العربيّة"، وتحظى بدعم رئيس ديوان الوقف السنيّ الشيخ عبد اللّطيف الهميم وزعيم "مؤتمر صحوة العراق" الشيخ أحمد أبو ريشة، وتسعى إلى إقالة الراوي.

والحلّ الذي كان ينتظره الجميع لهذا المشهد المعقّد هو الإنتخابات المحليّة، التي كان من المقرّر إقامتها في نيسان/إبريل من عام 2017، لكنّ إتّفاق الرئاسات الثلاث الجمهوريّة والوزراء والبرلمان في 11 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي على تأجيل إنتخابات المجالس المحليّة ودمجها مع الإنتخابات العامّة سنة 2018 جعل الأطراف السياسيّة المختلفة في الأنبار في موقف الصدام المستمرّ من دون ظهور بوادر أو أفكار لحلّ الصراع الدائر منذ سنوات.

وقال النائب في البرلمان العراقيّ عن محافظة الأنبار حامد المطلك في تصريح لـ"المونيتور": "إنّ الأنبار تحتاج إلى إجراء الإنتخابات في موعدها المحدّد، حتّى وإن قرّر البرلمان العراقيّ تأجيل الإنتخابات في عموم البلاد، وسنقدّم هذا المقترح إلى الكتل السياسيّة".

وأشار إلى أنّ "الحلّ الأمثل لإنهاء المشكلات هو الإنتخابات التي ستضمن التغيير السلس والديموقراطيّ"، وقال: "إنّ السبب في تأخّر عودة النازحين وبدء عمليّة الإعمار يعود إلى الخلافات السياسيّة الحادّة وغياب الثقة بين كلّ الأطراف في المحافظة".

وكانت القوّات العراقيّة أعلنت في 17 حزيران/يونيو من عام 2016 عن تحرير الفلّوجة، وهي أهمّ معاقل تنظيم "داعش" في الأنبار، لكنّها تركت مدينة القائم الحدوديّة في يدّ التنظيم، الذي يطلق عليها تسمية "ولاية الفرات"، واتّجهت شمالاً لتحرير مدنية الموصل. ورغم ذلك، فإنّ معظم العائلات النازحة لم تتمكّن حتّى الآن من العودة إلى الأنبار بسبب بطء عمليّات الإعمار وإعادة الخدمات.

وأكّد عضو مجلس الأنبار راجع العيساوي أنّ قيادات سنيّة وشيوخ عشائر من الأنبار (رفض تسميتهم) يتواجدون في تركيا والأردن "يقفون وراء انسداد الوضع السياسيّ وتأخّر عودة النازحين رغبة منهم في الوصول إلى السلطة والاستيلاء على أموال إعادة الإعمار"، وقال في اتّصال مع "المونيتور": "إنّ تجميد صلاحيّات المحافظ الماليّة هو خير دليل على عدم رغبة بعض الأطراف في المضي قدماً لإعادة الحياة إلى طبيعتها في الأنبار، ثمّ عودة النازحين".

وأشار إلى أنّ "حلّ مجلس المحافظة واللجوء إلى إنتخابات مبكرة من شأنهما حلّ الأزمة السياسيّة، لكنّ البرلمان في بغداد رفض هذا المقترح"، لافتاً إلى "وجود مساع من بعض شيوخ عشائر الأنبار لعقد مؤتمر للمصالحة في المحافظة، لكنّنا لا نتوقّع استجابة كلّ الأطراف".

وكان الراوي رفض في بيان قرار تجميد صلاحيّاته، وقال في 16 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016: "ندعو الجميع إلى عدم الانجرار وراء الصراعات السياسيّة، التي لم يلاق منها أهلنا إلاّ الأذى في كلّ الملفّات الإنسانيّة والأمنيّة والإقتصاديّة".

وجدّد بذلك دعوته إلى السادة في مجلس المحافظة الأنبار، للسمو فوق الخلاف الشخصيّ و"تقديم مصلحة المحافظة وأهلها على ذلك، من خلال جمع الجهود في محصّلة واحدة عنوانها الأنبار أولّاً".

وفي المقابل، تصرّ جبهة "الإصلاح" في مجلس محافظة الأنبار على تجميد صلاحيّات الراوي. كما تصرّ على ضرورة إقالته وإبعاد "الحزب الإسلاميّ" الذي ينتمي إليه عن السلطة، وقال عضو الجبهة عذال الدليمي لـ"المونيتور": "إنّ رئيس البرلمان سليم الجبوري يقف بقوّة مع إبقاء صهيب الراوي محافظاً للأنبار كونهما من حزب واحد، ألا وهو الحزب الإسلاميّ".

وأشار إلى أنّ كتلته "ترى أنّ الحزب الإسلاميّ كان السبب الرئيسيّ في المشكلات الأمنيّة والإقتصاديّة، التي تعاني منها محافظة الأنبار حاليّاً. وبالتالي، لا يمكنها قبول سيطرة الحزب على كلّ المناصب الرسميّة في المحافظة".

واعتبر عذال الدليمي أنّ "قرار تجميد صلاحيّات المحافظ هو من صلب اختصاص مجلس المحافظة وأبسط ما يمكن القيام به في الفترة الحاليّة وإلى حين موعد تنظيم إنتخابات تؤدّي إلى ولادة حكومة محليّة جديدة".

وبحسب كلّ الأطراف التي تحدّث إليها "المونيتور"، فإنّ الحكومة المركزيّة في بغداد وكلّ الأطراف الدوليّة المانحة يرفضان صرف أموال إعادة إعمار الأنبار، في ظلّ الأزمة السياسيّة المستمرّة فيها.

والحال، فإنّ بقاء الأوضاع على ما هي عليه الآن وتأخّر السلطات المركزيّة في الدخول على خطّ إنهاء الأزمة، من شأنهما إبقاء النازحين خارج مدنهم وإضعاف قدرة الحكومة المحليّة على مسك الأراضي وضمان أمن المناطق المحرّرة من "داعش".