تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإجراءات الصارمة في تركيا بعد الانقلاب تطال عمالقة الإعلام

بدأت الصحف المعارضة القليلة المتبقّية التي لا تزال قادرة على الكتابة عن تخبّط تركيا الاقتصاديّ تخسر مستثمريها الأجانب، وهو واقع مأساويّ يدلّ على الموجة التي يحاول الحزب التركيّ الحاكم قمعها.
TOPSHOT - Protesters hold copies of the latest edition of the the Turkish daily newspaper "Cumhuriyet" as they shout slogans during a demonstration outside the newspaper's headquarters in Istanbul on November 1,2016 a day after its editor in chief was detained by police. 
Turkish police detained the editor-in-chief of the opposition newspaper Cumhuriyet, state media reported, while the daily said several of its writers were taken into police custody. Murat Sabuncu was detained while authorities searched for

بدأت التهديدات الإرهابيّة المتصاعدة وعمليّات التطهير الجماعيّة وتراجع حريّة الصحافة والضغط الحكوميّ على عالم الأعمال تلقي بثقلها على تركيا، بما في ذلك الوسائل الإعلاميّة الكبرى.

فمجموعة "أكسل سبرينغر"، التي تُعتبر من مجموعات النشر الكبرى في أوروبا، لن تقوم باستثمارات جديدة في تركيا، بحسب ما أعلن مديرها التنفيذيّ ماثياس دوبفنر في 3 تشرين الثاني/نوفمبر. وأضاف دوبفنر أنّ المجموعة الإعلاميّة العملاقة التي تتّخذ من برلين مقرّاً لها ستبيع حصّتها المتبقّية في مجموعة
"دوغان تي في" للبثّ والبالغة نسبتها 7%. وفي اتّصال هاتفيّ مع مجموعة من الصحافيّين، قال دوبفنر بصراحة تامّة: " يتمّ الدوس على حريّة الصحافة".

واتّخذت المجموعة هذا القرار بعد تعرّض مقرّ صحيفة "جمهوريت" اليوميّة المعارضة لمداهمة الاثنين أسفرت عن اعتقال 15 موظّفاً من موظّفي الصحيفة، بما في ذلك رئيس التحرير مراد سابونجو، استناداً إلى تهم تتعلّق بالتواطؤ مع منفّذي انقلاب 15 تموز/يوليو.

في كانون الثاني/يناير، تخلّت "أكسل سبرينغر" عن حصّتها في "دوغان تي في" البالغة نسبتها 2,3%. وكانت الشراكة التي عقدتها "دوغان" سنة 2007 مع المجموعة الألمانيّة مصدر فخر بالنسبة إلى مديرها التنفيذيّ أيدين دوغان. وكان دوغان قد عقد في السابق شراكة مع مجموعة "ترنر برودكاستينغ" لإطلاق قناة "سي أن أن ترك"، النسخة التركيّة من قناة "سي أن أن" الأميركيّة. وقد تعرّضت هذه القناة لانتقادات حادّة عندما بثّت وثائقيّاً عن طيور البطريق في الوقت الذي كانت الشرطة تقمع فيه بوحشيّة مطلقة احتجاجات متنزّه جيزي في العام 2013.

هل يمكن أن تنسحب "ترنر" بدورها؟ لا شكّ في أنّ هذا السؤال يدور في ذهن رجل الأعمال الثمانينيّ.

إنّ دوغان، شأنه شأن غالبيّة كبار رجال الأعمال في مجال الإعلام في تركيا، متّهم باستغلال الصحف والمحطّات التلفزيونيّة التابعة له للتقرّب من الحكومات المتعاقبة من أجل مصالحه الأخرى في مجال الأعمال. وقد كان فعل ذلك أكثر سهولة بالنسبة إليه في الفترة التي حكمت فيها تركيا تحالفات ضعيفة متتالية. فقد كان بإمكان مالكي الصحف إثارة خلافات بين السياسيّين والحرص في الوقت نفسه على عدم انتهاك أيّ من الخطوط الحمراء التي حدّدها الجيش الجبّار آنذاك.

لكنّ دوغان اكتشف أنّ هيمنة حزب العدالة والتنمية على الحكم لأكثر من عشر سنوات يعني إمّا التقيّد بقواعد الحكومة وإمّا الإفلاس. فقد فُرض على شركته عدد كبير من الغرامات بعد أن قامت صحيفة "حرييت" بتغطية ادّعاءات بشأن تحويل أموال بطريقة غير شرعيّة من جمعيّة خيريّة إسلاميّة مقرّها ألمانيا إلى محطّة إخباريّة موالية للحكومة في تركيا.

وقد ألغيت تلك الغرامات بعد أن تخلّى دوغان عن ملكيّته لصحيفتين اثنتين، وأغلق صحيفة "راديكال" اليوميّة المعارضة، وطرد عشرات الصحافيّين المناهضين لحزب العدالة والتنمية واستبدلهم بآخرين موالين للحزب.

وبدا أنّ دوغان أصلح أخيراً أخطاءه عندما ظهر الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان مباشرة على الهواء في اتّصال بالصوت والصورة عبر تطبيق "فيس تايم" على قناة "سي أن أن ترك" ليلة محاولة الانقلاب الفاشلة. كانت تلك اللحظة نقطة تحوّل بالفعل.

فقد نزل عشرات آلاف الأتراك إلى الشارع وأرغموا الانقلابيّين على الاختيار بين إطلاق النار على الناس والاستسلام. وفي نهاية المطاف، استسلم الانقلابيّون لكن بعد مقتل أكثر من مئتي مدنيّ.

مع ذلك، لا يزال كتّاب العواميد الموالون للحكومة يهاجمون صحيفة "حرييت" وبعض صحافيّيها، ولا سيّما مراسلها النجم اسماعيل سايماز الذي يستمرّ في الكشف عن أخبار محرجة. ويشاع أنّ دوغان يتعرّض لضغوط كبيرة من أجل الانسحاب من الإعلام نهائيّاً وترك رجال الأعمال الموالين لحزب العدالة والتنمية يجمعون الغنائم.

لكن أين سيجدون الأموال لفعل لذلك؟ فلطالما عزّز النموّ الملحوظ شعبيّة حزب العدالة والتنمية اللامتناهية، وقد بدأ الاقتصاد أخيراً بالتباطؤ.

وتمارس الحكومة ضغوطاً متزايدة على المصارف كي تخفّض فوائد الإقراض من أجل تحفيز النموّ من جديد. وأشار أردوغان إلى أنّ عدم فعل ذلك مساوٍ للخيانة. لكن كلّما تدخّلت الحكومة في الأسواق، ازدادت مخاوف المستثمرين الأجانب والمحليّين.

وما زاد الطين بلة هو الحجز المستمرّ على أصول الشركات والأفراد المتّهمين بالتعامل مع فتح الله غولن الذي تتّهمه تركيا بالتخطيط للانقلاب. ويُزعم أنّ الحكومة قامت بالحجز على أصول 600 شركة على الأقلّ تتراوح قيمتها بين 12 و15 مليارات دولار.

ولا يزال عدد كبير من تلك الشركات مديوناً من المصارف التركيّة، لكنّه لم يعد قادراً على تسديد ديونه. وقام صاحب مصرف من غرب البلاد تحدّث إلى "المونيتور" رافضاً الكشف عن اسمه نظراً إلى حساسيّة هذه المسألة بتلخيص أزمة الثقة، قائلاً: "لو كنتَ مدير مصرف في تركيا اليوم لفكّرت مليون مرّة قبل أن تقرض أيّ شخص المال خوفاً من أن يتمّ تصنيفه مؤيّداً لغولن وأن يعجز عن تسديد دينه، ما يؤدّي إلى تصنيفك مؤيّداً لغولن بدورك".

More from Amberin Zaman

Recommended Articles