تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل تزيد ديموقراطية إسرائيل إن زادت يهوديتها؟

قدمت وزيرة العدل ايليت شاكيد مزاعم مفادها أنه كلما زادت إسرائيل يهودية زادت ديمقراطيتها، ما يعارض المفهوم الصهيوني لإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.
Ayelet Shaked, Israel's new Justice Minister of the far-right Jewish Home party, speaks during a ceremony at the Justice Ministry in Jerusalem May 17, 2015. Shaked said on Sunday she would seek a new balance that would rein in the powers of the Supreme Court over parliament and the government, a policy critics fear would restrict judicial oversight. REUTERS/Gali Tibbon/Pool - RTX1DBE4

كتبت وزيرة العدل ايليت شاكيد مقالا بعنوان «مسارات نحو ممارسة الحكم» في صحيفة حشيلوا الجديدة، وهو مقال مهم وشامل يمتد على 19 صفحة تتكلم فيها الوزيرة التابعة لحزب البيت اليهودي عن عقيدتها الشخصية المحافظة المتماسكة والمدروسة بعناية وعن كيفية تعزيز العنصر اليهودي في الطابع الإسرائيلي. وكالمتوقع، أثارت وثيقة شاكيد اهتمام الكثيرين وخلقت عاصفة سياسية علما أن الوزيرة وصفتها بالـ «بيان التاتشري.»

أما تسيبي ليفني، عضو المعسكر الصهيوني في الكنيست ووزيرة العدل السابقة، فهي في طليعة المحذرين من «رؤية شاكيد.» وقد قدمت في مقابلة أجرتها مع إذاعة الجيش الإسرائيلي في 2 تشرين الأول / أكتوبر حججا مضادة وأعربت عن نظرتها المتماسكة الخاصة التي تسعى إلى الدفاع عن التوازن بين المكونات اليهودية والديمقراطية في دولة إسرائيل.

ويعد الخلاف بين وزيرة العدل الحالية – المرأة الأقوى ليس فقط في حزب البيت اليهودي اليميني الديني بل في اليمين ككل - وليفني – والتي تعد من أبرز قادة اليسار الوسطي السياسي – من أهم الخلافات الناشبة في السنوات القليلة الماضية، ليس فقط لأنه يتعلق بواحدة من القضايا الأساسية المرتبطة بطابع إسرائيل، ولكن أيضا لأن كلا من الجانبين يقدم حججا متعمقة مع تفاصيل بغاية الدقة. وفي عصر يتم الحكم على تصريحات السياسيين الإسرائيليين فيه من خلال قدرتهم على إثارة خطاب صاخب على الشبكات الاجتماعية واتخاذ مواقف متطرفة من خلال مهاجمة الخصوم، على غرار ما يميل وزير الثقافة ميري ريجيف للقيام به، تتقدم الآن للجمهور الإسرائيلي فرصة للتمتع بنقاش جدي حول وجهتي نظر متضاربتين.

لا شك أن مقال شاكيد عميق التفكير، وإن لم تنصفه الصحافة الرئيسة واختارت له عنوانا مثل: «رؤية شاكيد اليهودية،» إلا أنه يغطي العديد من القضايا المدنية والقضائية والسياسية الرئيسة الأخرى وتثبت فيه شاكيد أنه على الرغم من أنها ابنة السياسة الجديدة التي تستمد قوتها من الشبكات الاجتماعية، إلا أن لديها القدرة على تقديم وجهة نظر معقدة. وليس من المصادفة أن قلة من السياسيين كانت على استعداد للانقضاض على بيانها إذ ان الرسالة أكثر تعقيدا هذه المرة وقليلون هم الذين يخوضون مقالا أكاديميا بهذا الطول لا يمكن تلخيصه في عنوان واحد.

وقد أظهرت شاكيد ألا مانع لديها من معارضة أهارون باراك، الرئيس السابق للمحكمة العليا ومحراب النشاط القانوني وأنها لا تخاف مجادلته. وعلى الرغم من أن مقالها يغطي العديد من القضايا الأخرى، من الطبيعي أن يلفت التوتر بين الدولة اليهودية والدولة الديمقراطية أنظار الناس بما أنه يتطرق إلى تحديد إسرائيل لهويتها منذ لحظة تأسيسها في إعلان استقلالها (1948). وفي ظل عدم وجود دستور رسمي، تُستخدم هذه الوثيقة كبوصلة أخلاقية ومدنية في البلاد علما أنها تعتبر أن «الدولة اليهودية» و «الدولة الديمقراطية» متساويتين لجهة تسلسل القيم في البلد.

إلا أن شاكيد تحاول تحويل الأولويات فتقول إنه كلما زادت يهودية إسرائيل زادت ديمقراطيتها. وفيما ترفض الخضوع لليبرالية القضائية، تختار بدلا منها النهج القانوني المحافظ الذي يقدس الفصل التام بين السلطات وتحاول في الجزء الأكبر من المقال منع المحكمة العليا من التدخل في التشريعات، لكنها تحاول أيضا الحد من التشريع الخاص وزيادة رقابة الكنيست على الحكومة.

وتقول شاكيد: «تماما كما نريد لإسرائيل الخضوع لعمليات تحول ديمقراطي متقدمة، من واجبنا تعميق هويتها اليهودية،» وتضيف: «لا تعارض بين هذه الهويات، بل على العكس: أعتقد أنها تعزز بعضها البعض، وأعتقد أننا سنزيد ديمقراطية إن زدنا يهودية، والعكس صحيح.»

وفيما ترفض شاكيد الحجة القائلة بأنه يجب أن يكون هناك صراع دائم بين مكونات إسرائيل اليهودية والديمقراطية، تدعو لوضع تشريع لتعزيز الطابع اليهودي للبلاد، مؤكدة إن «السكة التي يسير قطار إسرائيل التشريعي عليها يجب أن تأخذ الطابع اليهودي للدولة في الاعتبار. وعلينا أن نفعل ذلك بالطريقة الأكثر حقيقية الممكنة، وليس فقط شكليا، ولكن باعتبارها قضية ذات أهمية ملموسة.» في هذا الإطار، تعتبر شاكيد نفسها الرائدة في المسار اليميني الجديد الذي يعارض الديمقراطية الإسرائيلية بطريقة مثيرة للقلق.

لهذا السبب، تشعر ليفني بالانزعاج ولها الحق في ذلك، إذ تشعر أن الخطر الحقيقي قادم من وزيرة عدل ناشطة مع نظرة مصاغة بشكل كامل. بحسب ليفني، ليس تأكيد شاكيد أننا «سنكون دولة أكثر ديمقراطية إذا كنا أكثر يهودية» سوى تذكير باهر بالعملية الخطيرة الجارية في إسرائيل في السنوات الأخيرة والتي تقوم بالقضاء على مفهوم إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.

وما تسعى ليفني إلى القيام به هو الدفاع عن النهج الذي يرى أن ما من أولوية لعنصر على الآخر وأن كلاهما مهم. وهذه هي الرؤية الصهيونية. وقد عبرت ليفني عن رأيها في مقابلة إذاعية لها: «لا نريد (دولة) يهودية تسود فيها الكراهية وتجلس فيها النساء في الجزء الخلفي ويصرخ فيها المواطنون «الموت للعرب» بل (دولة) يهودية يكون فيها حق العودة المادة الأولى من دستورها، وليس دولة لا يمكن للمهاجرين الجدد أن يتزوجوا فيها.» بحسب ليفني، المساواة والعدالة من القيم الديمقراطية واليهودية.

أيضا في عالم ليفني، لا يجب تحاشي الخلاف الأوضح بين الطرفين ألا وهو الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وهي تقول منذ سنوات إنه من المستحيل الحفاظ على الطابع اليهودي الديمقراطي لإسرائيل من دون تحقيق حل دبلوماسي للنزاع، وأضافت على صفحتها على الفيسبوك: «لهذا السبب يجب أن نتخلى عن بعض الأراضي وننفصل عن الفلسطينيين. وإن لم نقم بذلك، فسيصوتون في انتخابات الكنيست ويصبحون الغالبية.»

من جهتها، عرضت عضو الكنيست التابع للمعسكر الصهيوني شيلي يحيموفيتش ردا آخرا معللا لبيان شاكيد، واصفة المقال بأنه «نص عقائدي مهم صارخ واضح وشفاف وهو العكس الصحيح المطلق لنظرتي الخاصة.» وفي منشور مطول على الفيسبوك، تقول يحيموفيتش إن شاكيد تسخر من الدولة وتشوه سمعتها وتشوه الرؤية الصهيونية لتجعل إسرائيل أكثر تدينا.

ولا تخطئ يحيموفيتش حين تقول: «هناك تنافس أيديولوجي قاس ومرير بيننا،» ما يجعل هذا الخلاف من أهم الخلافات في إسرائيل على مدى السنوات القليلة الماضية.