تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل تقع تركيا في الحفرة السورية التي حفرتها؟

حتى لو تجنب الأكراد القتال مع تركيا وحتى لو كان رد فعل سوريا مقيدا وحتى لو انسحب تنظيم الدولة الإسلامية من دون قتال، يبقى من المحتمل أن تتعثر أنقرة في مستنقع.
JARABLUS, SYRIA - AUGUST 31: A member of the Turkish-backed Free Syrian Army (FSA) gestures as he patrols in the border town of Jarablus, August 31, 2016, Syria. Turkish troops and Turkey-backed rebels have been fighting Kurdish-led forces and IS since Turkey's incursion into Syria on Aug. 24. with the swift capture of Jarablus, a town a few km inside Syria that was held by Islamic State.(Photo by Defne Karadeniz/Getty Images)

يسود شعور لدى الأتراك أن «عملية درع الفرات» التي قامت بها تركيا قد أعادت البلاد إلى الشرق الأوسط بشكل قوي جدا. ولكن في منطقة لا يعرف فيها من يقاتل ومن سيتحالف مع من، عديدة هي وخطيرة الأشراك التي تنتظر تركيا.

ففي خلال الأسبوع الأول من العملية الآنفة الذكر، تحول هدف تركيا من تنظيم داعش إلى القوى الديمقراطية السورية بقيادة الأكراد. وفي حين انسحب داعش من جرابلس من دون قتال ولا يزال يحتل عشرات الأماكن الأخرى، واصلت القوات التركية المسلحة والجماعات المتحالفة معها التقدم تجاه مناطق كانت القوى الديمقراطية السورية قد حررتها من داعش.

في 29 آب / أغسطس، قال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إن العمليات ستتواصل «إلى أن يزول خطر وحدات حماية الشعب.»

إلا أن المعادلة التي ظهرت هي أن جماعات مدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ومرافقة من الدبابات التركية اشتبكت مع جماعات مدعومة من قبل الجيش الأمريكي.

وعندما وصلت القوات التركية المسلحة والجماعات المتحالفة معها إلى نهر ساكو، الذي يشكل الحدود الطبيعية لمنطقة منبج، وجدت أنقرة نفسها في وضع حرج وبات عليها أن تقرر ما إذا كان سيتم توجيه المعركة ضد الاكراد وشركائهم في القوى الديمقراطية السورية أو على داعش المتاخم لحدود تركيا. فحصلت تركيا على دعم الولايات المتحدة وبركة روسيا ما أن أخبرتهم إن هدفها هو إبعاد داعش عن حدودها.

لتوضيح الوضع على الأرض: في حين تضغط تركيا على أهداف القوى الديمقراطية السورية، يواصل داعش السيطرة على عشرات القرى من جرابلس إلى الراعي في الغرب ويسيطر أيضا على المنطقة الممتدة من الحدود التركية إلى منطقة الباب في الجنوب.

وإذا ما أصرت تركيا على تطهير منبج من الأكراد، فسيكون ذلك مصدرا جديدا للتوتر مع الولايات المتحدة. قد أتى التحذير الأول من المتحدث باسم وزارة الدفاع بيتر كوك، الذي قال إنهم كانوا يراقبون الاشتباكات بين القوات التركية المسلحة وجماعات المعارضة والقوى الديمقراطية السورية، وإنهم وجدوها غير مقبولة، مضيفا إن دعم الولايات المتحدة للقوى الديمقراطية السورية التي أثبتت براعتها مستمر.

من جهته، طلب وزير الدفاع الأميركي اشتون كارتر من تركيا التركيز على محاربة داعش وتجنب المواجهات الساخنة مع القوى الديمقراطية السورية. وناقش رئيس هيئة الاركان المشتركة الامريكية الجنرال جوزيف دانفورد المسألة مع نظيره التركي علما أن كارتر سيجتمع مع وزير الدفاع التركي فكري اسيك في لندن في 6 أيلول / سبتمبر.

أما بيان كارتر بأن وحدات حماية الشعب تنسحب إلى شرق نهر الفرات فيوحي بأن الجماعة الكردية السورية تحاول تجنب مواجهة مباشرة مع تركيا. فبعد تحرير منبج، أعلن المتحدث باسم وحدات حماية الشعب ريدور خليل إن وحدات حماية الشعب قد سلمت جميع المناصب العسكرية إلى مجلس منبج العسكري وانسحبت.

لا شك أن هذه الخطوة هي خطوة ذكية تهدف إلى تجنب تعميق الحرب، لكن مع ادعاء وحدات حماية الشعب الحياد، لا تنفك التوترات تتزايد بين تركيا والقوى الديمقراطية السورية مع عناصرها المحلية مثل الأكراد والعرب والتركمان والشركس.

وعلى الرغم من أن تركيا لم تتخل عن استهداف وحدات حماية الشعب في بيان لها، أطلقت القوى الديمقراطية السورية المزيد من التهديدات مؤخرا ضد أنقرة، ما يشير إلى أن تركيا تحول جماعات محلية أيضا إلى عدو لها.

وكان آخر ما تتوقعه تركيا، التي تتذرع بالتركمان، هو معارضة التركمان في جرابلس. إلا أن لواء السلاجقة المكون من التركمان ذهب حد اتهام تركيا بأنها «محتل«.

وكان بيان لواء السلاجقة المدين لعملية تركيا بمثابة صدمة لتركيا إذ قال: «لتحرير جرابلس من عصابات داعش، أنشأنا مجلس جرابلس العسكري المكون من سكان جرابلس. لكن سرعان ما تفاوضت المخابرات التركية مع داعش لتسليم جرابلس إلى مجموعات على اتصال مع الهيئات الإرهابية. ندين هجمات تركيا على المجلس العسكري ونطالب تركيا بالانسحاب من سوريا. وسنبذل قصارى جهدنا لهزيمة قوات الاحتلال هذه.»

ونظرا إلى أن الولايات المتحدة تدعم القوى الديمقراطية السورية، السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى متى يمكن للإدارة الأميركية، التي تريد لوحدات حماية الشعب أن تنتقل إلى شرق نهر الفرات، مشاهدة تعرض جماعات مدعومة من البنتاغون لهجوم من قبل جماعات مدعومة من وكالة المخابرات المركزية بدافع من تركيا؟

وإذا كانت الولايات المتحدة تسمح لهذه الجماعات الاستيلاء على منبج، ستسقط عندئذ شراكة البنتاغون مع القوى الديمقراطية السورية وسيعيد الأكراد النظر في مقدار تمكنهم من الاعتماد على الولايات المتحدة.

قد يكون الأكراد مستائين إزاء الضغوط التي تضعها أمريكا عليهم للانسحاب من منبج، لكنهم لا يريدون تدمير جسورهم إلى الولايات المتحدة في وقت يجدون فيه أنفسهم محاطين بالأعداء. لذا لا بد من الأكراد أن يتوصلوا إلى مخططات عملية لإزعاج تركيا.

ولكن إذا توسعت عمليات تركيا تجاه روجافا، قد يكون على وحدات حماية الشعب التخلي عن ضبط النفس الذي تمارسه من أربع سنوات وبدء المقاومة. وقد يكون هذا السيناريو نذيرا لاندلاع حرب ستجر تركيا إلى نيرانها أيضا.

لكن ماذا لو توقفت العملية التركية على حافة منبج وتحولت ضد داعش؟ من شأن هذا السناريو أيضا أن يشكل خطرا كبيرا على تركيا.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار عقول حكام تركيا، يمكننا استخلاص أن لهذه العملية أهداف أخرى لم يتم ذكرها بصورة واضحة ألا وهي:
• خلق منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع في مثلث جرابلس-عزاز-ماريا.
• حث وكالة التنمية العمرانية التركية لبناء مدن تابعة في المنطقة العازلة لإيواء اللاجئين السوريين.
• فتح ممر للجماعات المسلحة المناهضة للأسد والعالقة حاليا في حلب.

لن يكون من السهل على الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا الحفاظ على هذه المنطقة العازلة نظرا لمحدودية قدراتها. ولن تتمكن هذه الجماعات من التقدم أو الابقاء على الوضع إلا إذا كانت مدعومة من جيش مثل القوات التركية المسلحة.

وإذا تم تعزيز وجود القوات التركية المسلحة لحماية المنطقة العازلة، فسيضع ذلك تركيا في موقف المحتل، ما يؤدي إلى عدد لا يحصى من المشاكل التي سيتوجب أن تتعامل معها تركيا على الأرض وفي الساحة الدولية. وسرعان ما اتهمت الحكومة السورية تركيا بارتكاب جرائم ضد الانسانية وقدمت شكوى إلى مجلس الأمن الدولي. لكن بالمقارنة مع المشاكل التي سيكون على تركيا التعامل معها على أرض الواقع، تبدو الشكوى السورية بمثابة صداع خفيف.

ومن شأن بناء مدينة للاجئين من دون التنسيق مع الإدارة السورية أن يعزز من وضع تركيا المحتل. علاوة على ذلك، لا بد من توطين اللاجئين في منطقة محفوفة بالمخاطر من أن يثير حجج إنسانية وقانونية. أضف أن إنشاء ممر إلى حلب يتطلب أولا تأمين خط عزاز- ماريا ثم طرد داعش من منطقة الباب.

كما أن توسيع عملية القوات التركية المسلحة إلى 50-60 كيلومترا من الحدود التركية لا يضمن أي شيء. ومن غير المتوقع أن يتخلى داعش عن دابق ومنطقة الباب بسهولة (إذ أن داعش ينسب أهمية خاصة لتلك المدن) كما فعل في جرابلس. أضف أن هذه العملية تتطلب شراكة بين تركيا والقوات الميدانية الرئيسية مثل جبهة النصرة وأحرار الشام، المنبوذتين من قبل وكالة الاستخبارات المركزية. ثم هناك الجيش السوري، المنخرط في حرب كبرى في حلب بدعم من روسيا وإيران وحزب الله. وقد يؤدي التوغل في سوريا إلى مواجهة بين القوات التركية المسلحة وهذه القوى، ومن المرجح أن تستخدم روسيا قواها الرادعة قبل أن تسمح بالوصول إلى هذه النقطة.

لا أحد يعلم ما هي السيناريوهات المحتملة لدى أنقرة. ويسود شعور عام أن الحكومة لا تتصرف بناء على خطط استراتيجية مدروسة ولكن وفقا لحدسها وما يتوافر لها من فرص، علما أن العملية الأخيرة قد تساعد القوات التركية المسلحة على تحسين صورتها التي تضررت بسبب محاولة انقلاب 15 تموز / يوليو. وقد تكون قد بدأت تركيا هذه العملية كوسيلة للعودة إلى سوريا من حيث تم استبعادها بعد اسقاط الطائرة الروسية في الخريف الماضي أو لتمكين المجموعات المدعومة منها ضد الرئيس السوري بشار الأسد من البقاء على طاولة التفاوض وإعطاء الانطباع بأنها تقاتل داعش. ولكن اذا مضت أنقرة وحدها، قد يتغير الوضع جذريا لأنه قد يتوجب عليها أن تواجه ليس فقط حليفتها الولايات المتحدة ولكن أيضا روسيا وإيران، اللتين وقفتا إلى جانبها بعد الانقلاب المفجع.

أرسلت تركيا جنودها الى منطقة حرب لم يهتم أي بلد آخر بالذهاب إليها. وقد يحول أي تحرك خاطئ أو إهمال من قبل أنقرة مشروع تركيا السوري إلى مستنقع يسحب تركيا إلى الأسفل.

More from Fehim Tastekin

Recommended Articles