تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تراجع المساعدات الدوليّة للسلطة الفلسطينيّة 70 في المئة

تراجعت المساعدات الدوليّة للسلطة الفلسطينيّة والمخصّصة لفاتورة الرواتب 70 في المئة خلال العام الجاري، إذ لم يصل سوى 400 مليون دولار فقط، وهو ما يلقي بظلاله على موازنة الحكومة الفلسطينيّة، الّتي من المتوقّع أن تزيد الفجوة التمويليّة فيها إلى 600 مليون دولار.
A Palestinian teacher holds a sign during a protest demanding better pay and conditions, in the West Bank city of Ramallah March 7, 2016. For a month, more than 25,000 teachers in the West Bank have been on strike over pay and benefits, causing chaos for schools, pupils and parents, and prompting the Palestinian Authority to deploy military police on the streets of Ramallah. The sign reads, "If the sons of our people are in the streets, are the teachers' sons in palaces?". Picture taken March 7. REUTERS/Moh

رام الله، الضفّة الغربيّة – مع نهاية آب/أغسطس الجاري، سجّلت المساعدات الماليّة الدوليّة للحكومة الفلسطينيّة تراجعاً غير مسبوق وصل إلى 70 في المئة خلال 4 سنوات، إذ كشف رئيس الحكومة الفلسطينيّة رامي الحمد الله، خلال مقابلة تلفزيونيّة على فضائيّة "معاً" في 27 آب/أغسطس، أنّ ما وصل من مساعدات ماليّة منذ بداية العام الجاري بلغ 350 مليون دولار، بينما قالت وزارة المالية على لسان وزيرها شكري بشارة في 7 ايلول/سبتمبر اي بعد اعلان الحمد الله بـ11 يوماً، ان اجمالي المساعدات المالية الخارجية منذ بداية العام بلغت 400 مليون دولار.

وكان المجتمع الدوليّ مع إنشاء السلطة الفلسطينيّة في عام 1994 بموجب إتّفاق أوسلو لعام 1993 قد تعهّد بتوفير الدعم الماليّ لها بمبلغ يتراوح بين 1.2-1.5 مليار دولار سنويّاً، وهو ما التزمت به الدول المانحة حتّى عام 2012 حسب ما كشفه رامي الحمد الله لدعم الموازنة، لكنّها تراجعت بعد ذلك لتصل في عام 2015 إلى 750 مليون دولار فقط حسب بيانات وزارة الماليّة الفلسطينيّة.

وبلغت الموازنة الفلسطينيّة العامّة والتطويريّة للعام الجاري، 4.251 مليار دولار، منها 750 مليون دولار كمساعدات ماليّة خارجية متوقّعة للموازنة التشغيليّة، و245 مليون للموازنة التطويريّة والتي تتركز كاولوية على المراكز ذات العلاقة بالقطاع الاجتماعي كالتربية والتعليم والصحة والشؤون الاجتماعية، والتي وردت في قانون تنظيم الموازنة العامة رقم 7 لعام 1998، والّتي لم يصل منها حتّى الآن سوى 400 مليون دولار.

وتبلغ الفجوة التمويليّة (نفقات من دون تغطية ماليّة) في الموازنة، الّتي صادق عليها الرئيس محمود عبّاس في 9 كانون الثاني/يناير 387 مليون دولار، لكنّها مرشّحة للارتفاع إذا ما بقيت المساعدات الخارجيّة أقلّ ممّا هو متوقّع في الموازنة.

وقال الحمد الله في المقابلة، الّتي تابعها "المونيتور": "إنّ هناك حصاراً ماليّاً على فلسطين بسبب موقفها السياسيّ"، في اشارة الى موقف السلطة السياسي الرافض للعودة الى المفاوضات الثنائية مع اسرائيل، الا بشروط، والانضمام الى المعاهدات والمؤسسات الدولية.

أضاف: "الولايات المتّحدة كانت تدفع مليار دولار سنويا مع إنشاء السلطة، لكنّها لم تدفع العام الماضي سوى ما قيمته 250 مليون دولار للمشاريع والمؤسّسات، وليس نقداً للخزينة العامّة، بينما لم تقرّ الحكومة الأميركيّة منذ بداية العام الجاري دولاراً لنا، حسب ما اعلنه رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله"، لكن ربما تقر الولايات المتحدة مساعداتها للسلطة قبل نهاية العام.

وأوقفت دول عربيّة مساعدتها للسلطة الفلسطينيّة، إذ قال الحمد الله: "الإمارات لم تدفع درهماً واحداً بين عامي 2013 - 2016 ، ولم تفي بالتزامها في مؤتمر القاهرة للمانحين في 12 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2014 بدفع 200 مليون دولار لإعمار قطاع غزّة، بينما قطر دفعت في عام 2013 للخزينة الفلسطينيّة مبلغ 150 مليون دولار على 3 دفعات، ولم تقدّم أيّ درهم بين عامي 2014 – 2016، لكنّها تقوم بمشاريع بشكل مباشر في غزّة"، كالمشاريع الاسكانية مثل مدينة حمد، او تطوير البنية التحتية، واخرها كان التبرع براتب شهر لموظفي غزة.

وأشار إلى أنّ السعوديّة والجزائر تدفعان بانتظام لموازنة السلطة، حيث تدفع السعودية 20 مليون دولار شهري، بينما بلغت مساعدات الجزائر للعام الماضي 52.8 مليون دولار، بواقع 4.4 مليون دولار شهريا، لكن هذه الدول تدفعها كل ربع سنة او نصف سنة مرة واحدة، اذ اعلن السفير السعودي لدى مصر، والمندوب الدائم لدى جامعة الدول العربية احمد قطان في 10 ايار/مايو الماضي، ان "صندوق السعودي للتنمية، حول أقساط أشهر كانون الثاني/يناير، وشباط/فبراير، وآذار/مارس من العام الحالي، بإجمالي (60) مليون دولار أميركي الى حساب وزارة المالية الفلسطينية".

وكان وزير الماليّة شكري بشارة قد قال في 7 أيلول/سبتمبر خلال ترؤسه في رام الله إجتماع مجموعة العمل الدوليّة الخاصّة بالقطاعين الماليّ والإقتصاديّ الفلسطينيّ، والّتي تضمّ ممثّل صندوق النّقد الدوليّ راغنار جدمندسون وممثّلة البنك الدوليّ ماريانا ويس والمبعوث النرويجيّ تور وينزلاند وممثّلين عن القنصليّات الأميركيّة والسويديّة، والبلجيكيّة: "في حال لم يف بعض الدول المانحة والدول الإقليميّة بالتزاماته تجاه دعم الموازنة، فإنّ الفجوة التمويليّة في نهاية العام سترتفع إلى أكثر من 650 مليون دولار". وفق ما اعلنته وزارة المالية الفلسطينية.

ومن المقرّر أن تعقد لجنة مجموعة التنسيق بين الجهات المانحة للشعب الفلسطينيّ إجتماعاً في نيويورك بـ18 و19 أيلول/سبتمبر الجاري، على هامش إجتماعات الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، وسيتمّ خلاله تقديم تقرير من البنك الدوليّ، وصندوق النقد الدوليّ ووزارة الماليّة الفلسطينيّة حول الوضع الإقتصاديّ الفلسطينيّ وعمق الأزمة المتراكمة في عجز الخزينة وحاجات السلطة الماليّة، وفق ما كشفه رئيس المجلس الإقتصاديّ الفلسطينيّ للتّنمية والإعمار (بكدار) محمّد اشتية لـ"المونيتور"، الّذي قال أيضاً: "إنّ أبرز أسباب تراجع مساعدات المانحين، تعثّر المسار السياسيّ الفلسطينيّ - الإسرائيليّ، لأنّ هدف تلك الأموال المساعدة في التوصّل إلى إتّفاق سياسيّ".

أضاف محمّد اشتيه: "إنّ أموال المانحين تخصّص لتأمين رواتب الموظّفين التابعين للحكومة الفلسطينية، وتراجع الدعم الخارجيّ سيكون له أثر سلبيّ على السلطة الفلسطينيّة لأنّها تصارع شهريّاً لتأمين فاتورة الرواتب. وبالتّالي، سيؤثّر ذلك على صرف الحكومة على بعض القطاعات والمشاريع التطويريّة، وإيفاء ديونها إلى القطاع الخاص، الّذي سيصاب بالإرهاق، ممّا يؤثّر في النّهاية على حجم الاستثمار".

وكانت الدول العربيّة قد أقرّت في القمّة العربيّة الّتي عقدت في الكويت خلال عام 2010 شبكة أمان ماليّة بقيمة 100 مليون دولار لمساعدة السلطة الفلسطينيّة ماليّاً، لكنّ ذلك القرار بقي حبراً على ورق، ولم يطبّق.

وقال اشتيه: "شبكة الأمان العربيّة لم تترجم أبداً، ويبدو أنّها كانت شعاراً سياسيّاً لم يخرج إلى حيّز التنفيذ ولم يترجم فعليّاً إلى أمر يمكن التّعويل عليه".

ورغم تمكّن الحكومة الفلسطينيّة من تحسين تحصيلها أموال المقاصّة من إسرائيل من 350 مليون شيقل إلى 600 مليون شيقل شهريا، إلاّ أنّ ذلك لا يبدو كافياً لمواجهة أزمة تراجع الدعم الدوليّ لها.

وعمّا تملكه الحكومة من خيارات لمواجهة تراجع الدعم الدوليّ والعجز الماليّ، قال أستاذ الإقتصاد في جامعة بيرزيت نصر عبد الكريم لـ"المونيتور": إنّ تراجع الدعم الدوليّ سيتسبّب في زيادة الفجوة التمويليّة الّتي ستتحوّل إلى دين عام أو متأخّرات للقطاع الخاص أو ديون بنكيّة.

وعن الخيارات الّتي يمكن أن تلجأ إليها الحكومة لمواجهة ذلك، قال نصر عبد الكريم: "الخيارات أمام الحكومة محدودة جدّاً، أسهلها وأقلّها كلفة ترشيد النفقات والتقشّف الحكوميّ وفق سياسة مبرمجة، والعمل على تحسين التحصيل الضريبيّ ومحاربة التهرّب الضريبيّ، وأن تضغط السلطة على الدول العربيّة من أجل تفعيل قراراتها المتعلّقة بشبكة الأمان العربيّة".

من جهته، أكّد النّاطق باسم الحكومة الفلسطينيّة يوسف المحمود لـ"المونيتور" أنّ "الحكومة الفلسطينيّة تواصل اتّصالاتها مع الدول العربيّة والصديقة للتغلّب على معضلة تراجع المساعدات الدوليّة"، مشيراً الى "وجود ضغوط على فلسطين من بعض الدول بواسطة المال لمواقفها السياسيّة"، في اشارة الى تجمد المفاوضات مع اسرائيل والانضمام الى المعاهدات الدولية.

إنّ استمرار جمود الملف السياسيّ وفشل عمليّة التّسوية، ألقى بظلاله على الإقتصاد الفلسطينيّ، الّذي كان أحد مؤشّراته تراجع الدعم الدوليّ، وهو الأمر الّذي أكّده صندوق النّقد الدوليّ في 7 أيلول/سبتمبر، إذ قال: "إنّ أوجه عدم اليقين على الصعيدين الإقتصاديّ والسياسيّ تلقي بظلال ثقيلة على آفاق النمو الإقتصاديّ في الأرض الفلسطينيّة، وإنّ الإقتصاد الفلسطينيّ لا يزال يواجه اضطرابات حادّة".

More from Ahmad Melhem

Recommended Articles