تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

اليمن: الطاقة البديلة إجباريّة بأمر الحرب

لم يكن اتّجاه اليمنيّين نحو مصادر الطاقة الشمسيّة من أجل البحث عن الطاقة النظيفة والبديلة، ولكنّه خيار الضرورة التي فرضتها الحرب بعد أكثر من عام على انقطاع التيّار الكهربائيّ في شكل تامّ و"نجحت هذه الخدمة البديلة في الحفاظ على تواصل اليمنيّين بالآخرين وعدم العيش في الظلام.
A man carries a solar panel amid a severe shortage of electric power in Yemen's capital Sanaa November 28, 2015. REUTERS/Mohamed al-Sayaghi - RTX1W96L

صنعاء، اليمن - في منتصف تسعينيّات القرن الماضي، كانت رؤية الأطباق اللاقطة لإشارات الأقمار الصناعيّة على سطح منزل ما في أيّ من المدن اليمنيّة، علامة على رفاهية ملّاك تلك المنازل ومواكبتهم تكنولوجيا التلفزة.

وبعد عقدين كاملين من الزمن، غطّت أسطح المباني اليمنيّة أجسام أخرى مستطيلة الشكل هذه المرّة. تلك هي ألواح الطاقة الشمسيّة التي غزت أسطح البنايات على اختلافها خلال عام 2015، ولا تزال تغطّي مزيداً من المساحات والأسطح.

وفي حين انتشرت الأطباق اللاقطة على مهل، بدءاً من الأحياء الراقية في المدن الكبيرة ومثّل امتلاكها تميّزاً لأصحابها، غطّت ألواح السولار أكبر عدد ممكن من المساحات خلال فترة قياسيّة، وفرضت نفسها على الأثرياء والفقراء في المدن الحضريّة والريف على حدّ سواء.

إنّها الحرب... كلمة السرّ وراء كلّ هذا التحوّل الذي لم يجد اليمنيّون مناصاً منه.

في 13 نيسان/أبريل 2015، تسبّبت الحرب الأهليّة بانقطاع التيّار الكهربائيّ عن العاصمة صنعاء. لقد خرجت محطّة مارب التي تعمل بالغاز، وتغذّي المدن اليمنيّة بالطاقة، عن الخدمة.

حينها عمّ الظلام مدن اليمن، قبل أن تزدهر لفترة محدودة تجارة المولّدات الكهربائيّة. ولكن في بلد مضطرب كاليمن، لا يمكنك أن تضمن استمراريّة تشغيل المولّدات التي تعمل بالوقود، حيث أنّ أسعار الوقود مرتفعة، فضلاً عن انعدامه الكليّ بين الحين والآخر. وبالتالي، وجد اليمنيّون أنفسهم أمام خيار الطاقة الشمسيّة التي لم يختبروها من قبل.

قال مصدر في الجمارك اليمنيّة في صنعاء فضل عدم ذكر اسمه لـ"المونيتور" إنّ قيمة استيراد اليمن من الألواح الشمسيّة من دولتي الهند والصين عبر المنفذين اللذين يسيطر عليهما الحوثيّون، وهما ميناء الحديدة مطار صنعاء، خلال عام 2015، بلغ 40 مليون دولار، وأكثر من 90 مليون دولار ما تمّ استيراده من البطّاريّات والأسلاك. ولا توجد جهة بعينها مخولة بالاستيراد، بل تعتبر عملية مفتوحة يقوم بها أي تاجر، وغالباً ما تكون وجهتهم نحو الصين.

وخلال عام 2015، وهي الفترة التي حكم فيها تنظيم القاعدة مدينة المكلا في جنوب اليمن، لم يعرف حجم الاستيراد، لكنّه بالتأكيد كان منتعشاً، حيث فتح إلغاء الضرائب شهيّة التجّار.

وهناك أيضاً، تدفّق لمنظومات الطاقة الشمسية - بطاريات مختلفة الاحجام والواح شمسية، واسلاك كهربائية - عبر ميناء عدن، ومنفذ الطوال البريّ الذي يربط اليمن بالمملكة العربيّة السعوديّة، اللذين تسيطر عليهما قوّات موالية للرئيس عبد ربّه منصور هادي.

قال رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصاديّ في صنعاء مصطفى نصر لـ"المونيتور" إنّه حصل على معلومات من أحد التجّار الكبار في البلد تفيد بأنّ قيمة ما تمّ إداخله إلى اليمن من الطاقة الشمسيّة يفوق الملياري دولار ، منذ العام 2014 حتى منتصف العام الجاري.

والطاقة في اليمن باهظة الثمن لمن يريد بديلاً كاملاً عن الكهرباء، إذ تصل قيمة المنظومة المنزليّة إلى 5 آلاف دولار بحسب ما ذكره لـ"المونيتور" جلال محمّد، وهو أحد الإداريّين في مؤسّسة تجدّد، الواقعة في منطقة شعوب شرق العاصمة صنعاء.

لكنّ الصين التي تغرق السوق اليمنيّة بمعظم منتجاتها، أوجدت حلولاً حتّى للفقراء. وقال محمّد: "هناك من يمكنهم أن يكتفوا بلمبتين أو ثلاث تشغّلها بطّاريّة صغيرة، ولوح شمسيّ يفوق قليلاً حجم كتاب مدرسيّ، وذلك يكلّف المواطن 20 دولاراً، وهو حلّ مقبول للفقراء مقارنة بالشمع".

وقال محمّد الحطامي، وهو مالك بقالة صغيرة، تقع في شارع هائل وسط صنعاء لـ"المونيتور: "لا يمكنني شراء منظومة طاقة شمسيّة قادرة على تشغيل 3 ثلّاجات في بقالتي. لقد تخلّيت عن بيع العصائر والمياه الباردة واكتفيت بالإضاءة . 5 لمبات سعة الواحدة منها عشرة وات تعمل منذ المغرب حتّى الفجر".

وأضاف: "في الصباح، أوجّه اللوح، وطوله متر وعرضه نصف متر، ناحية الشمس، وفي المساء تكون البطّاريّة قد امتلأت لتضيء لي البقالة خلال ساعات الليل".

وبسبب رواج هذه السلعة، لم تعد تقتصر عمليّة بيعها على التجّار والمتخصّصين، بل تعدّى ذلك إلى أشخاص ليس لهم علاقة بها. ثمّة مالك صيدليّة في منطقة دار سلم في جنوب صنعاء، يقوم ببيع الأدوية، وفي الجزء الآخر من الصيدليّة، تباع ألواح شمسيّة متفاوتة في الحجم.

وفي شارع صخر، وهو أكبر مكان لبائعي الحواسيب المحمولة، تزاحمت أدراج الحواسيب الأنيقة مع الألواح الشمسيّة. يبدو أنّ هؤلاء وجدوا بديلاً عن تجارتهم التي تراجعت مبيعاتها.

قال زكريا الكمالي، وهو صحافيّ في وكالة الأناضول وأحد مستخدمي الطاقة الشمسيّة لـ"المونيتور": "لم يكن اتّجاه اليمنيّين نحو مصادر الطاقة الشمسيّة من أجل البحث عن الطاقة النظيفة والبديلة، ولكنّه خيار الضرورة التي فرضتها الحرب بعد أكثر من عام على انقطاع التيّار الكهربائيّ في شكل تامّ".

وأضاف: "نجحت هذه الخدمة البديلة في الحفاظ على تواصل اليمنيّين بالآخرين وعدم العيش في الظلام، لكنّها، لا تجعلهم يستغنون عن التيّار الكهربائيّ الحكوميّ. فأصحاب المهن الثقيلة مثل النجارين، ومصنعي نوافذ الالمنيوم، لا يمكنهم العمل على الشمس، كما أنّ المنازل التي وجدت الإنارة اللازمة في ساعات الليل، لا يمكنها أن تعتمد على ألواح الشمس في تشغيل سخّان المياه الدافئة في المحافظات الباردة، أو مكيّفات الهواء في المحافظات الساحليّة".

وفي حين توفّر الطاقة الشمسيّة بديلاً جزئيّاً لكهرباء الحكومة بالنسبة إلى المواطن، إلّا أنّ المصانع والمستشفيات تعاني كثيراً من جرّاء انقطاع التيّار.

قال محمّد عامر، وهو شابّ في بداية الثلاثينيّات من العمر يسكن في العاصمة صنعاء لـ"المونيتور" إنّ طبيبة، في مستشفى الثورة في صنعاء -أكبر مستشفى حكوميّ في اليمن- طلبت منه أن يشتري 20 لتراً من المياه كي تقوم بغسل أدوات الجراحة التي ستستخدم في إجراء عمليّة لزوجته، وهي على وشك أن تضع مولودهما الأوّل، وتعقيمها.

وأضاف: "في بداية شهر 5 من العام الجاري، قالت لي الطبيبة: "لا توجد في المستشفى مياه، بسبب عدم وجود كهرباء، عليك أن تحضر 20 لتراً من الماء كي أتمكّن من إجراء العمليّة لزوجتك"".

ويتطلب تزويد المستشفى بالمياه، كهرباء تعمل على تشغيل الدينامو، الذي يقوم بشفط المياه من بئر المستشفى الى خزنات كبيرة في سطح المبنى.

لقد كانت خدمة الكهرباء إحدى الخدمات القليلة التي تقدّمها الحكومة إلى المواطنين، وبعد انقطاع هذا الخيط، ما الذي يمنع المواطنين من التمرّد على قرارات الحكومة في المستقبل؟

أجاب السكرتير السابق في الرئاسة اليمنيّة مختار الرحبي عن هذا السؤال لـ"المونيتور" قائلاً إنّ جماعة الحوثيّين التي سيطرت على العاصمة في 21 أيلول/سبتمبر 2014 هي السبب في ما آلت إليه الأوضاع في اليمن.

وأضاف: "الحديث عن تمرّد المواطنين على الحكومة بسبب غيابها عن خدمتهم أمر متوقّع، لكن لو عادت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ووفّرت الخدمات للمواطنين فلن تكون هناك مشكلة. الناس متعطّشون إلى الدولة في ظلّ التجربة المريرة للحوثيّين".

وقبل اندلاع الحرب الاهلية في العالم 2014، كانت صنعاء تستقبل نحو 18 ساعة يومياً من الكهرباء، وفي مطلع يوليو من العام الجاري عادت محطات تحويلية في صنعاء بعد اشهر من الانقطاع لتزويد عدد من احياء العاصمة بقرابة 4 ساعات كل خمسة أيام ، وبثمانية اضعاف تكلفة السعر السابق.

والكهرباء جزء أساسي من حياة اليمنيين، لاسيما في المناطق الساحلية التي تعتمد على المكيفات للتخفيف من حرارة الجو المرتفعة. فضلاً عن استخداماتها، في المستشفيات والجامعات والمؤسسات المختلفة.

وحتّى عودة الحكومة لبسط سيطرتها على الأراضي اليمنية، يتمنّى مستخدمو الطاقة البديلة في اليمن ألّا تغيب عنهم الشمس، كي يتمكّنوا من شحن بطّاريّاتهم.

More from Ahmed Alwly

Recommended Articles