تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا لا ترغب روسيا في أن تسقط حلب؟

هل ترى روسيا أنّ الجمود في حلب يصبّ في مصلحتها؟
A man rides a bicycle past burning tyres, which activists said are used to create smoke cover from warplanes, in Aleppo, Syria  August 1, 2016. REUTERS/Abdalrhman Ismail - RTSKLM0

جرى مجدّدًا هذا الأسبوع تسليط الضّوء على مدينة حلب التي تمزّقها الحرب، مع كسر الثّوّار في غضون أيّام لحصار دام أسابيع كانت قد فرضته القوّات السّوريّة.

إنّ النّجاح الأوّلي لحصار الرّئيس بشار الأسد، والذي شجّعه بدون شكّ، كان يمكن أن يؤدّي إلى سقوط ثاني أكبر مدن سوريا ويصبح نصرًا هامًا للقوّات الموالية لدمشق.

لترتّب على ذلك تداعيات كبيرة، ليس فقط على الأرض، فهو كان أيضًا ليوصل العمليّة الدّبلوماسيّة الجارية منذ أشهر إلى جمود تامّ. فاستعادة الحكومة السّوريّة لمدينة حلب ستعني بشكل أساسي أنّ الأسد ما عاد بحاجة للجلوس على طاولة المفاوضات مع المعارضة إلا إذا اعترفت المعارضة بهزيمتها.

وجّه وزير الخارجيّة الأميركي جون كيري تحذيرًا إلى روسيا من أنّ التّعاون الأميركي الرّوسي في سوريا سيتضرّر في حال كانت عمليّتها الإنسانيّة الأخيرة بإنشاء ممرّ آمن في حلب "حيلة"، وكان يجري في الواقع إخلاء المدينة من سكّانها للاستيلاء عليها. وردّدت الهيئة العليا للمفاوضات لقوى المعارضة السّورية فكرة كيري، قائلة إنّ الممرّات الإنسانيّة طريقة لتزويق نوايا موسكو الحقيقيّة.

على الرّغم من أنّ حكومة الأسد تزعم أنّ آلاف المدنيّين فرّوا من الجزء الشّرقي للمدينة عبر الممرّ الآمن، تفيد تقارير أخرى بأنّ العدد يكاد لا يفوق 100 شخص. ومع وجود 250,000 مدني محاصرين داخل المدينة، من المستحيل عمليًا استيعاب جميع السّكان في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في هذه المهلة القصيرة. عاش السّكّان المحليّون بجانب الثوار لأربع سنوات، وهم يخشون أن تضطهدهم السّلطات السّوريّة إذا هربوا ويخافون من أن تعتبرهم المعارضة خونة في الوقت عينه.

تدرك موسكو تمامًا أنّ سقوط حلب سيشكّل نذير شؤم للعمليّة الدّبلوماسيّة التي تقودانها الولايات المتّحدة وروسيا، وأنّ الأغلبيّة السّاحقة من المدنيّين لن يغادروا طوعًا المدينة نحو المجهول بدون أيّ ضمانات بالسّلامة. وبحسب بعض المصادر، لم تشارك الطّائرات الرّوسيّة في حصار حلب، ما قد يعني أنّ الكرملين لديه خطّة مختلفة لحلب وأنّ استعادتها لا ترد في الأوراق في الوقت الرّاهن.

وفق حسابات موسكو، قد تكون حلب المحاصرة أكثر قيمة بكثير من حلب التي يسيطر عليها الأسد، سواء أكان على الصّعيد الاستراتيجي أم الدّبلوماسي. وطالما يستمرّ النّزاع من أجل المدينة الذي لا رابح فيه ولا خاسر، تؤدّي موسكو دورًا رئيسيًا في المفاوضات. أمّا كلّ القضايا الأخرى، بما في ذلك مستقبل الأسد في سوريا، فيجري إرجاؤها لأنّ حلب تُعتبَر معقلاً للمعارضة وسقوطها سيرمز إلى انتصار دمشق، أو، بحسب بعض الخبراء، إلى نهاية حركة المعارضة بالكامل ضدّ الأسد.

يبدو أنّ الخطاب الرّسمي من واشنطن، وبروكسل وموسكو يركّز على الحاجة إلى التّخفيف من معاناة المدنيّين في حلب والحدّ من القتال؛ وهذا يوجّه الاهتمام الدّولي بعيدًا عن مسائل أخرى مثيرة للجدل. وإنّ تسليط الضّوء على حلب والشّعور بالحاجة الماسّة إلى التّعامل مع الأزمة يصبّان بشكل واضح في صالح موسكو لأنّ الكرملين يتّخذ القرارات مجدّدًا في سوريا.

ربّما بدأ الوقت ينفد للتّعامل مع الأزمة الإنسانيّة التي تنكشف في حلب. وبحسب الجمعيّة الطّبيّة السّوريّة الأميركيّة، في حال نجاح الحصار، سينفد الوقود للمخابز في غضون أسابيع، والطّاقة للمستشفيات في غضون ثلاثة إلى أربعة أشهر. وكذلك مصير السّكّان المحليّين، الذين ليسوا إلّا سجناء في المدينة المحاصرة، سيصبح أقوى حجّة في حال ستجري جولة جديدة من المفاوضات بشأن حلب.

يشكّل الوضع حول المدينة أحد الأسباب الرّئيسيّة لفشل ما يسمّى بوقف الأعمال العدائيّة في المقام الأوّل. يفهم صنّاع القرار في موسكو أنّ القوّات السّوريّة لا يمكنها الاستمرار إلى الأبد بصدّ محاولات الثّوّار لكسر الحصار، ولهذا السّبب يبرز التّفاوض بشأن وقف آخر للأعمال العدائيّة في حلب بشروطها الخاصّة كخيار أفضل لموسكو من السّيطرة على كامل المدينة، لأنّ سقوط حلب سينتزع من روسيا النّفوذ الأقوى الذي تتمتّع به في سوريا ضدّ الولايات المتّحدة والمعارضة.

تجدر الإشارة إلى أنّ تجميد النّزاع في حلب بشكله الحالي هو تكتيك من كتاب الحيل التّشغيلي التّقليدي لروسيا. فتجميد النّزاعات كان أداة ناجحة استعملتها موسكو في الفترة ما بعد الاتّحاد السّوفيتي وأثبتت فعاليّتها في ما يتعلّق بالتّلاعب بالعمليّة السّياسيّة. ويمكن إيجاد أمثلة طويلة الأمد على ذلك في مولدوفا وجنوب القوقاز، ومؤخّرًا في أوكرانيا.

ترد الولايات المتّحدة بشكل بارز في معادلة حلب التي وضعتها روسيا، وذلك لسببين. الأوّل هو أنّ الكرملين يشعر أنّه يتفاوض مع الولايات المتّحدة من موقع قوّة في سوريا؛ وقد قال مسؤولون أميركيّون بارزون عدّة مرّات إنّ البيت الأبيض سلّح كيري بأدوات قليلة جدًا ليجاري مرونة وزير الخارجيّة الرّوسي سيرغي لافروف على طاولة المفاوضات. من المهمّ جدًا بالنّسبة إلى الرّئيس الرّوسي فلاديمير بوتين أن يتكلّم من موقع متكافئ مع الولايات المتّحدة وأن يضع أجندته الخاصّة، وهو أمر نادرًا ما جرى منذ انهيار الاتّحاد السّوفيتي. ثانيًا، إنّ الدّعاية التي قدّمها الإعلام الرّوسي حول حملة سوريا تُظهِر وكأنّ حملة واشنطن لعزل موسكو دبلوماسيًا باءت بالفشل. وإنّ الاجتماع حول حلب الذي قد يجري قريبًا في جنيف، يخدم بنظر روسيا هذا الهدف بالتّحديد، لتظهر موسكو كصانعة سلام تساعد على تسوية أزمة أخرى.