تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تجاوزاً للعقبات... غزيّون يعملون في مؤسّسات إسرائيليّة عبر الإنترنت

شقّ شباب فلسطينيّون من قطاع غزّة طريقهم للعمل في مؤسّسات إسرائيليّة بواسطة الإنترنت، على الرغم من التحدّيات التي فرضتها طبيعة العلاقة الدائمة التوتّر بين قطاع غزّة وإسرائيل.
The Gaza border control at Eraz in Israel May 27, 2016.   REUTERS/Staff - RTX2EXFO

شقّ شباب فلسطينيّون من قطاع غزّة طريقهم للعمل في مؤسّسات إسرائيليّة بواسطة الإنترنت، على الرغم من التحدّيات التي فرضتها طبيعة العلاقة الدائمة التوتّر بين قطاع غزّة وإسرائيل. فمنذ عام 2007 إبّان سيطرة حركة حماس على قطاع غزّة، يضرب الجيش الإسرائيليّ حصاراً عسكريّاً مشدّداً على القطاع، تخلّلته ثلاث عمليّات عسكريّة كبرى في الأعوام 2008، 2012 و2014. ومن بين الإجراءات التي اتّخذتها إسرائيل لتشديد الحصار، التوقّف عن إصدار تصاريح عمل للفلسطينيّين من قطاع غزّة في شكل تدريجيّ. وقد شكّل اندلاع انتفاضة الأقصى في عام 2000، وسيطرة حماس على قطاع غزّة غي عام 2007 منعطفين مفصليّين أثّرا سلباً على تدفّق الغزيّين للعمل في إسرائيل.

فقد تراجع عدد العاملين في إسرئيل بعد انتفاضة الأقصى في عام 2000 كنتيجة للإجراءات الأمنيّة المشدّدة التي فرضها الجيش الإسرائيليّ على الفلسطينيّين الراغبين في العمل، حيث بدأ تدفّق العمالة الفلسطينيّة إلى إسرائيل بدءاً من عام 1968، عندما فتحت إسرائيل أبوابها أمام الفلسطينيّين، ليصل عدد الفلسطينيّين العاملين في إسرائيل إلى قرابة الـ116 ألف عامل في عام 1993، بل وارتفع العدد ليصل إلى 120 ألف عامل عشيّة انتفاضة الأقصى في عام 2000.

إبّان سيطرة حركة حماس على قطاع غزّة في عام 2007، أعلنت الحكومة الإسرائيليّة القطاع ككيان معادٍ، وفرضت وزارة الأمن الداخليّ الإسرائيليّة سياسة جديدة لحركة الأشخاص بين قطاع غزّة وإسرائيل. توضّح هذه السياسية الإسرائيلية حالات محددة يسمح لها المرور عبر إيرز، ولم يرد دخول فلسطينيّين من غزّة إلى إسرائيل للعمل ضمن الحالات المسموح بها، وبالتالي توقّف تدفّق العمّال الفلسطينيّين من قطاع غزّة إلى إسرائيل في شكل نهائيّ. وعملت على استبدالهم بعمال من جنسيات أخرى.

أدّى ذلك إلى تدهور الأوضاع الاقتصاديّة، فقد أشارت نتائج التقرير السنويّ لمسح القوى العاملة في فلسطين 2015، والذي يصدر عن الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ، إلى أنّ معدّل البطالة في قطاع غزّة وصل إلى 41%، كما بلغ أعلى معدّل للبطالة بين الشباب في الفئة العمريّة بين 15 و24 سنّة لكلي الجنسين. فمنذ احتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينيّة، عملت إسرائيل على ربط الاقتصاد الفلسطينيّ بالاقتصاد الإسرائيليّ حيث جعلت الاقتصاد الفلسطيني تابعاً لها، وفرضت العديد من الإجراءات التي حالت دون استطاعة الاقتصاد الفلسطينيّ توفير فرصة عمل جديدة، وذلك من خلال السيطرة على الموارد الاقتصادية الفلسطينية ومصادرة الأراضي الزراعية، وهذا ما دفع العديد من الفلسطينيّين إلى التوجّه للعمل في المؤسّسات والمشاريع الإسرائيليّة. حيث كان العمل في اسرائيل يوفّر عائداً أكبر على العامل الفلسطيني في اسرائيل إذا ما تم مقارنته مع العائد الذي يوفره نفس العمل في أراضي السلطة الفلسطينية.

أخيراً، أتاح الانتشار الواسع للإنترنت لشباب فلسطينيّين مقيمين في قطاع غزّة تخطّي سياسة إسرائيل المشدّدة، والتي فرضتها على حركة الأشخاص بين قطاع غزّة وإسرائيل، وتجاوز هؤلاء عقبات الدخول من قطاع غزّة إلى إسرائيل، وانتهزوا فرصة عدم وجود قوانين فلسطينيّة معمول بها تمنع العمل في إسرائيل، ليعملوا عبر الإنترنت في مؤسّسات إسرائيليّة متخصّصة في مجالات مختلفة.

الكاتبة السابقة في موقع المونيتور عبير أيّوب (28 عاماً)، المقيمة في قطاع غزّة، أتاح لها الإنترنت العمل كصحافيّة مع جريدة هآريتس الإسرائيليّة. في لقائها مع "المونيتور"، تقول إنّ "الإنترنت هو الأداة الرئيسيّة التي مكّنتها من التواصل مع الصحيفة". وترى أيّوب أنّ "تجربة العمل الصحافيّ تختلف عن تجارب العمل الأخرى كون الدافع الأساسيّ الذي حرّكها للتعاون والنشر مع جريدة إسرائيليّة هو رغبتها في إيصال معاناة الفلسطينيّين في قطاع غزّة إلى المجتمع الإسرائيليّ". وتعرّضت أيّوب إلى انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعيّ من قبل نشطاء فلسطينيّين، وهي تعتبر أنّ هذه الانتقادات هي التحدّي الأكبر الذي واجهها. وتدافع عن نفسها بالتمسّك بمقولة: "عدم وجود قوانين فلسطينيّة معمول بها تجرّم العمل مع المؤسّسات الإسرائيليّة".

يعمل محمّد محمّد صبّاح (35 عاماً) كباحث ميدانيّ في مركز المعلومات الإسرائيليّ لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة "بتسيلم"، ويعتبر الإنترنت وسيلة الإيصال الرئيسيّة التي تمكّن من خلالها تجاوز الحصار العسكريّ الذي يفرضه الجيش الإسرائيليّ على قطاع غزّة، حيث حاول أكثر من مرّة استصدار تصريح لزيارة مقرّ عمله في إسرائيل، إلّا أنّ الردّ جاء أنّه ممنوع من المرور عبر إيرز للوصول إلى مكان عمله في إسرائيل من قبل جهاز الشاباك الإسرائيليّ، كما يقول صبّاح لـ"المونيتور". ومنذ عام 2006 تاريخ تعيينه، يشكّل الإنترنت وسيلة التواصل الأساسيّة بين صبّاح وفريق عمله.

أكد صبّاح للمونيتور أن العاملين الفلسطينيين من غزة مع المؤسسات الإسرائيلية يجدون صعوبات في تحويل مستحقاتهم المالية مباشر من إسرائيل إلى قطاع غزة، فتلجأ المؤسسات الإسرائيلية إلى تحويلها لفروع البنوك في رام الله ليتم بعد ذلك إعادة تحويلها مرة أخرى من رام الله إلى قطاع غزة.

نشرت وكالة رويترز في 16 حزيران/يونيو 2016 تقريراً يتحدّث عن رغبة شركة "ميلانوكس تكنولوجيز" الإسرائيلية إلى الاستفادة من الخبرات الفلسطينيّة في مجال البرمجيّات، "حيث وظّفت الشركة أربعة مبرمجين من غزّة بالتعاون مع شركة البرمجيّات الفلسطينيّة "عسل للتكنولوجيا"، وتأمل في توظيف ستّة آخرين على الأقلّ في الأشهر الستة المقبلة". وحاول "المونيتور" التواصل مع أحد هؤلاء المبرمجين، إلّا أنّه رفض الحديث عن الموضوع من دون نفي أنّه بالفعل ضمن طاقم موظّفي الشركة أو تأكيده، وذكر مقرّبون منه أنّ سبب رفضه الحديث إلى الإعلام هو تخوّفه من أن يتعرّض إلى انتقادات من قبل المحيطين به، فمن المرجّح أنّ مشاعر العداء ستمتدّ إلى الموظّفين الفلسطينيّين لدى الشركات الإسرائيليّة. هذا وتعمد "ميلانوكس تكنولوجيز" إلى توظيف عدد كبير من المبرمجين العرب في إسرائيل والعشرات في رام الله ونابلس في الضفّة الغربيّة المحتلّة.

منذ تطبيق خطّة فكّ الارتباط مع قطاع غزّة في عام 2005 من طرف واحد، تعتبر إسرائيل نفسها غير مسؤولة عن الواجبات المفروضة عليها كدولة احتلال، فإحدى أهمّ المصادر التي تتطرّق إلى واجبات إسرائيل تجاه سكّان القطاع هي قوانين الاحتلال الموثّقة في ميثاق هاج 1970، وميثاق جنيف الرابع 1949. وتفرض هذه الأحكام على الدولة المحتلّة مسؤوليّة شاملة عن أمن المواطنين الذين يعيشون داخل المناطق المحتلّة ورفاهيّتهم، إضافة إلى القانون الذي أرساه الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان 1948، الذي تمّت المصادقة عليه من قبل إسرائيل، حيث تعترف هذه المواثيق بحقّ كلّ إنسان بحريّة الحركة، العمل، الظروف المعيشيّة اللائقة، التعليم، المستوى الصحيّ اللائق، والحياة العائليّة.

في ظل الحصار الذي فرضه الجيش الإٍسرائيلي على الفلسطينيين في قطاع غزة، شكّل الإنترنت عاملاً مساعداً لبعض الشباب الغزّي للإفلات من التحديات التي تمنعهم من التواصل مع العالم الخارجي.

More from Fadi Shafei

Recommended Articles