تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا عيّن نتنياهو مستوطناً في منصب ديبلوماسي رفيع في نيويورك؟

أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن التزامه بحل الدولتين في أيار/مايو الماضي، لكنه عيّن المسؤول الاستيطاني داني دايان قنصلاً عاماً في الولايات المتحدة.
Former settler leader, Dani Dayan, who was announced as the consul-general in New York on Monday, participates in a conference on fighting the anti-Israel boycott in Jerusalem, March 28, 2016. REUTERS/Ronen Zvulun/File Photo - RTX2DU3T

اليمين الإسرائيلي على حق مجدداً في زعمه بأن اليسار فرض سيطرته على وسائل الإعلام. في أواخر أيار/مايو الماضي، نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية البيان اليساري الآتي: "تتضمّن مبادرة السلام العربية عناصر إيجابية من شأنها المساعدة على إعادة إحياء مفاوضات بنّاءة مع الفلسطينيين. ... نحن مستعدّون للتفاوض مع الدول العربية من أجل إدخال تعديلات على تلك المبادرة كي تعكس التغييرات الدراماتيكية في منطقتنا منذ العام 2002، إنما مع إبقائها على الهدف المتّفق عليه بإنشاء دولتَين لشعبَين". للتذكير، تستند مبادرة السلام إلى إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود 1967 (مع إمكان إجراء مقايضات في الأراضي) ولا تأتي على ذكر عبارة "الدولة اليهودية".

الكلام أعلاه صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بنفسه خلال حفل تعيين أفيغدور ليبرمان وزيراً للدفاع في 31 أيار/مايو الماضي. وقد أبدى زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، وهو حزب غير معروف بميوله اليسارية، تأييده الكامل لإعلان الديبلوماسية الصادر عن رئيس الوزراء. قال ليبرمان أمام الحضور: "أود أن أذكّر الأشخاص بأنه على امتداد سنوات طويلة... تحدّثت أكثر من مرّة عن الاعتراف بالحل نفسه، أي حل إقامة دولتَين لشعبين"، مضيفاً: "كان خطاب الرئيس [المصري عبد الفتاح] السيسي مهماً للغاية وقد ولّد فرصة حقيقية. علينا أن نحاول رفع التحدّي".

بطبيعة الحال، مطلوب من المسؤولين الرسميين الذين يمثّلون إسرائيل عرض هذا الموقف في الداخل والخارج. لذلك من المفترَض منطقياً بحكومة تناصر حل الدولتين ألا تعهد بتفويض ديبلوماسي مهم إلى مواطن يعلن معارضته المطلقة للحل المذكور. فإرسال مسؤول كبير سابق في مجلس مستوطنات يهودا والسامرة لتشجيع اليهود الأميركيين على دعم إنشاء دولة فلسطينية في يهودا والسامرة أشبه بتعيين النائبة العربية المناهضة للصهيونية في الكنيست الإسرائيلي، حنين زعبي، المنتمية إلى القائمة المشتركة للأحزاب العربية، ممثّلة عن الوكالة اليهودية من أجل تشجيع يهود الشتات على الانتقال إلى إسرائيل. لكن مجدداً، يتفوّق الواقع الإسرائيلي على الخيال.

في الأول من آب/أغسطس الجاري، تسلّم داني دايان، وهو من المستوطنين المخضرمين في الضفة الغربية، منصب القنصل العام الإسرائيلي في نيويوك. وقد حصل على هذا المنصب المرغوب بعدما رفضت الحكومة البرازيلية قبول تعيينه سفيراً لإسرائيل لديها لأنه يقيم في أرض محتلّة. (تجدر الإشارة إلى أنه في العام 2006، ثبّتت إدارة جورج دبليو بوش تعيين سالي مريدور، من سكّان مستوطنة كفار أدوميم، سفيراً لإسرائيل لدى واشنطن). خلافاً للإجراءات المتّبعة في حالة السفراء، لا يحتاج تعيين قنصل إلى موافقة الحكومة المضيفة.

أمضى دايان الأعوام القليلة الماضية في شنّ حملة في العلاقات العامة في إسرائيل وخارجها من أجل تعزيز المعارضة لحل الدولتين وتشجيع توسيع المشروع الاستيطاني. وهكذا، قال دايان مثلاً، خلال المؤتمر الإسرائيلي عن السلام الذي نُظِّم في تموز/يوليو 2014 برعاية صحيفة "هآرتس"، إن حل الدولتين ينطوي على مشكلتين: "ليس قابلاً للتحقيق، وفي حال تحقيقه، لن يساهم في إحلال السلام، بل سيكون فقط بمثابة تمهيد للحرب المقبلة". وشبّه عملية السلام بـ"سراب في الصحراء، كلام فارغ لا معنى له".

في مقاله الأول بعدما أصبح ديبلوماسياً إسرائيلياً رفيع المستوى في الأول من آب/أغسطس الجاري، كتب دايان في صحيفة "هافنغتون بوست" أن تمثيل إسرائيل التي تقودها حكومة محافظة إلى حد كبير، في مدينة ليبرالية مثل نيويورك، هو على الأرجح من المهام الأكثر تحدّياً إنما أيضاً إثارةً في وزارة الخارجية الإسرائيلية. إنها بالفعل مهمة حافلة بالتحدّيات. فسوف يكون عليه على الأرجح أن يقنع الأشخاص ذوي المعتقدات الليبرالية بأن توسيع مستوطنة الضفة الغربية حيث يقع منزله يتلاءم مع الترويج لحل الدولتين.

تعهّد دايان في المقال بـ"عدم تجاهل المشكلة"، أي تحديداً "النزاع"، و"النقاش المحتدم حول سبل حلّه أو إدارته". لكن ليس واضحاً في أي جانب من النقاش ينوي الاصطفاف. إذا تمسّك دايان بموقفه الذي يعتبر أن حل الدولتين يؤدّي إلى اندلاع حرب، فسوف يبدو وكأنه يخون مَن عيّنوه في منصبه. من جهة أخرى، إذا قام بواجبه بكل إخلاص وشرح أهمية حل الدولتين من أجل تحقيق السلام، فسوف يكون كمن يكذب على نفسه. يُنظَر إلى الرجل الذي كان رئيس مجلس المستوطنات في الضفة الغربية وترشّح على لائحة حزب "البيت اليهودي" في الكنيست، بأنه صادق ومن المعروف عنه أنه يعبّر عن رأيه بصراحة. فكيف سيتعامل مع هذه المعضلة؟

لقد وجد دايان بسهولة طريقة للخروج من هذا المأزق. فكما كتب في مقاله، سيشرح أن الفلسطينيين لا الإسرائيليين هم المسؤولون عن عدم نشوء الدولة الفلسطينية. يريد الفلسطينيون القضاء على المحتل، وقد أهدروا كل الفرص السانحة لإقامة دولتهم الخاصة. لن يكون دايان الوحيد في البعثة الإسرائيلية في نيويورك الذي يشنّ حملة ضد السياسة الرسمية التي يتّبعها رئيس الوزراء الإسرائيلي في ما يختص بإقامة دولة فلسطينية.

قاد داني دانون، رئيس البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة، المعارضة داخل كتلة "الليكود" في الكنيست لإقامة دولة فلسطينية، معتبراً أنه من شأنها تهديد الوجود الإسرائيلي. رون درمر، السفير الإسرائيلي في واشنطن، هو الطرف الثالث في المثلّث اليميني للشخصيات السياسية التي عيّنها نتنياهو في الولايات المتحدة. لقد تحوّل درمر شخصاً غير مرغوب فيه في أوساط الديمقراطيين بسبب ارتباطه الوثيق بشلدون أدلسون، قطب القمار الجمهوري وراعي نتنياهو، وضلوعه في الدعوة التي وُجِّهت إلى نتنياهو لإلقاء كلمة أمام الكونغرس في آذار/مارس 2015 من أجل محاولة إقناع المشترعين الأميركيين بالانقلاب على الاتفاق النووي مع إيران.

في الواقع، ليست هوية الشخص الذي يتولّى منصب القنصل العام الإسرائيلي في نيويورك مسألة شديدة الأهمية. بل إن الأهم إلى حد كبير هو هوية الشخص الذي سيدخل المكتب البيضاوي في كانون الثاني/يناير المقبل. لقد صرّح الرئيس الأميركي الحالي أنه يرى في إعلان نتنياهو في العام 2015 بأنه لن تكون هناك دولة فلسطينية ما دام هو في السلطة في إسرائيل، تناقضاً مع تصريحاته "اليسارية" لصالح حل الدولتين. لدى نتنياهو قواسم مشتركة كثيرة مع المرشح الجمهوري دونالد ترامب: كلاهما متمرّسان في قول الشيء ونقيضه في الوقت نفسه.

من جهة أخرى، يتذكّر معسكر هيلاري كلينتون، المرشحة الديمقراطية التي تتصدّر السباق لدخول البيت الأبيض، المناورات المشبوهة التي قام بها نتنياهو خلال المفاوضات مع الفلسطينيين. فقد اختبروا عن كثب أنه لا يمكن الحكم على نوايا نتنياهو بالاستناد إلى أقواله ومزاعمه عن التوق إلى السلام، بل فقط انطلاقاً من أفعاله. مثالٌ على ذلك كلامه عن ترتيبات ديبلوماسية مع الفلسطينيين ثم قيامه بتعيين أبرز معارضي الفكرة في أرفع المناصب الديبلوماسية في البلد الأهم في العالم.