تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يُعيد القضاء الإداريّ الثقة في نزاهة القضاء المصريّ واستقلاله؟

People walk at the entrance of the State Council's building, Egypt's highest administrative court in Cairo, Egypt May 17, 2016. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh  - RTX2HD9I

القاهرة – في 21 حزيران/يونيو، انطلقت من ساحات محكمة القضاء الإداريّ أحكام قضائيّة مفاجئة كانت في معظمها ضدّ الإتّجاه العام للإدارة السياسيّة في مصر منذ العامين الأخيرين، كان أبرزها الحكم ببطلان إتفاقيّة ترسيم الحدود البحريّة الّتي تنازلت بموجبها مصر عن جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر للسعوديّة وصدور أحكام أخرى بإلغاء قرار التحفّظ على أموال اللاّعب محمّد أبو تريكة بتهمة تمويله لجماعة الإخوان المسلمين، وبطلان قرار التحفّظ على أموال باكينام الشرقاوي، وهو مساعد الرئيس الأسبق محمّد مرسي.

الأحكام الّتي صدرت عن القضاء الإداريّ ببطلان إتفاقيّة الحدود البحريّة، اعتبرها المراقبون للشأن القضائيّ في مصر بمثابة ثورة في إطار توسيع اختصاصات المحكمة ودوائرها من خلال الرقابة على الأعمال السياديّة مثل الإتفاقيّات الدوليّة الّتي تبرمها الحكومة أو الرئيس، والّتي ظلّت بعيدة عن اختصاصات القضاء، وهو ما أثار جدلاً واسعاً منذ صدور الحكم بمدى اعتبار المحكمة مختصّة في الحكم ببطلان إتفاقيّة تدخل في إطار أعمال السيادة.

وأشار الباحث ورئيس القسم القضائيّ في جريدة "الشروق" محمّد بصل خلال حديث مع "المونيتور" إلى أنّ "حكم بطلان إتفاقيّة الحدود البحريّة مرتبط في الدرجة الأولى بسلسلة من أحكام القضاء الإداريّ لتوسيع سلطات واختصاصات مجلس الدولة في الرقابة على أعمال الدولة"، وقال: "لا أرى أنّ للحكم أبعاداً سياسيّة".

وكانت محكمة القضاء الإداريّ قد أصدرت أحكاماً تتعلّق بأعمال السيادة في عهدي الرئيسين مرسي وعدلي منصور، أشهرها وقف قرار مرسي بدعوة الناخبين إلى الإقتراع في الإنتخابات البرلمانيّة في آذار/مارس من عام 2013 وإخضاع إعلان ومدّ حال الطوارئ لرقابة القضاء الإداريّ.

أضاف محمّد بصل: "توسيع اختصاصات القضاء يبقى سلاحاً ذي حدّين، فرغم أنّه يضمن مستوى أعلى من التشاركيّة والمراقبة للقرار السياسيّ ويحفّز السلطة الحاكمة على توخّي الحذر في قراراتها، خصوصاً برفع مستوى المسؤوليّة الدستوريّة، لكنّه في الوقت نفسه يحوّل القاضي في بعض القضايا إلى سلطة سياسيّة خارج الإختصاص الدستوريّ ويتطرّق إلى أمور لا يمكن للقاضي على المنصّة أن يحيط بكلّ جوانبها".

وتابع: "البرلمان هو الجهة الوحيدة الّتي يمكنها سياسيّا ًودستوريّاً الرقابة على أعمال السيادة، لكنّ ضعف وضعه وعدم وقوفه حائلاً أمام تنفيذ ما تريده الدولة والحال السياسيّة بصفة عامّة، عزّزا من التوجّه باللّجوء إلى القضاء، بدلاً من تداول هذه القضايا في المنصّات السياسيّة".

وكان الحكم الصادر ببطلان إتفاقيّة ترسيم الحدود البحريّة قد أثار حالاً من الجدل القانونيّ والسياسيّ لم تنته بعد، رغم شروع الحكومة بالتّعامل القانونيّ مع الحكم بالطعن فيه من خلال هيئة قضايا الدولة – محامي الحكومة-. وبينما اعتبره الكثيرون من النشطاء السياسيّين وروّاد مواقع التّواصل الإجتماعي انتصاراً لاستقلال القضاء، كان آخرون ينتقدون الحكم بأسانيد قانونيّة تشمل عدم صلاحيّة المحكمة بالنظر في أعمال تتعلّق بالسيادة وإصدار أحكام من غير جهة الإختصاص.

ومن جهته، قال رئيس مجلس الدولة الأسبق المستشار حامد الجمل في حديث مع "المونيتور": "هناك استقرار في القضاء، بأنّه يمنع على محاكم مجلس الدولة أن تبت في أعمال السيادة، طبقاً لنصوص الدستور وقانون مجلس الدولة، وأنّها تختصّ بالنظر في المنازعات الإداريّة فقط".

"المحكمة اختلط عليها الأمر بالنّظر في قضيّة سياديّة على أنّها قضيّة إداريّة"، أشار الجمل الّذي قال أيضاً: إنّ صدور الحكم ببطلان الإتفاقيّة كان مساراً خاطئاً منذ البداية.

أضاف: "يجب أن يكون القضاء مستقلاًّ بعيداً عن تسييس المحاكم".

ولفت أستاذ فلسفة القانون والفقيه الدستوريّ  في حديث هاتفيّ مع "المونيتور" إلى أنّ "المحكمة استندت إلى دعاوى وأسانيد صحيحة في النظر إلى القضيّة، والقضاء أصاب في قول كلمته باستقلاليّة ومن دون وصاية من الدولة".

سلسلة الأحكام الصادرة عن القضاء الإداريّ، والّتي بدت أنّها مجابهة للنظام السياسيّ، كانت مخالفة تماماً لتسلسل آخر من الأحكام الصادرة عن محاكم الجنايات، الّتي بدت كأنّها إنتقاميّة من المعارضين للنظام السياسيّ، بداية من أحكام الإعدام الجماعيّة لـ528 معتقلاً في محافظة المنيا \ صعيد مصر، والتنكيل بمنظّمات المجتمع المدنيّ وتوسيع دوائر الاشتباه والأحكام على أيّ من يثبت انتماؤه إلى جماعة الإخوان المسلمين.

لم تكن الأحكام المسيّسة فقط هي السمة الغالبة على بعض قضايا الجنايات، لكنّ إجراءات أخرى كانت بمثابة تدخّل مباشر في أعمال السلطة القضائيّة من قبل الرئيس، منها عزل: 48 قاضياً من "تيّار الإستقلال" في آذار/مارس، ورئيس نادي القضاة السابق زكريّا عبد العزيز، ورئيس الجهاز المركزيّ للمحاسبات المستشار هشام جنينة، رغم نصّ الدستور في المادّة 186 على أنّ القضاة مستقلّون غير قابلين للعزل.

ومن جهته، قال وزير العدل الأسبق أحمد سليمان في حديث مع "المونيتور": "هناك قضاة مستقلّون في مصر، ولكن لا يوجد قضاء مستقلّ".

أضاف: "القضاء في مصر كشف عن وجه سيّئ وإهدار لقيم العدالة في الأحكام الجنائيّة، فبعض القضاة يعتمد في أحكامه على محاضر تحرّيات الشرطة وحدها، بل ويصادر البعض حقّ الدفاع في المثول أمام منصّة المحكمة".

سليمان الّذي صدر بحقّه قرار إحالة على المعاش من مجلس تأديب وصلاحيّة القضاة في الواقعة المعروفة إعلاميّاً "بقضاة البيان"، قال: "هناك إرهاب وتركيع حتّى لا يصدر أيّ صوت أو فعل ضدّ ما يريده النظام الحاليّ".

ومع استمرار وقائع التدخّل في أعمال السلطة القضائيّة واستمرار السجال وطول إجراءات التقاضي في ساحات المحاكم الجنائيّة في مصر بحثاً عن العدالة الناجزة، تعيد أحكام محكمة القضاء الإداريّ الأخيرة، وعلى رأسها حكم إعادة السيادة المصريّة على جزيرتي تيران وصنافير وِجهة تيّارات مصريّة عديدة لاستعادة ثقتها في القضاء المصريّ.

More from Ayah Aman

Recommended Articles