تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا يقبل المصريّون التّطبيع الرسميّ مع إسرائيل ويرفضونه على المستوى الشعبيّ؟

Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu welcomes Egypt's Foreign Minister Sameh Shoukry (L) in Jerusalem July 10, 2016 REUTERS/Ronen Zvulun - RTSH5PM

التقى وزير الخارجيّة المصريّ سامح شكري، رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في القدس بـ10 تمّوز/يوليو الجاري في زيارة هي الأولى لوزير خارجيّة مصريّ لإسرائيل منذ عام 2007، والّتي اعتبرها سامح شكري مهمّة لتحريك عمليّة السلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين.

وأكّدت الخارجيّة المصريّة أنّ الزيارة تضمّنت مباحثات مطوّلة بين شكري وبنيامين نتنياهو، وأشار المتحدّث باسم الخارجيّة المصريّة أحمد أبو زيد في مداخلة هاتفيّة لإحدى القنوات الفضائيّة إلى أنّ شكري ونتنياهو تناولا عشاء خاصّاً في مقرّ إقامة الأخير بالقدس، وقال: إنّ شكري كان يحمل رسالة شفهيّة لنتنياهو خاصّة برؤية مصريّة لسبل دفع عمليّة السلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين.

ووصف رئيس لجنة العلاقات الخارجيّة في البرلمان المصريّ محمّد العرابي زيارة شكري لإسرائيل بأنّها جزء من الدور الّذي تلعبه مصر لتحريك المياه الراكدة في ملف القضيّة الفلسطينيّة، مؤكّدًا لـ"المونيتور" أنّ مصر وإسرائيل بينهما إتفاقيّة سلام، ومن الطبيعيّ حدوث زيارات متبادلة للمسؤولين في القاهرة وتلّ أبيب.

لكنّ الانتقادات الّتي وجّهها متابعون مصريّون للزيارة لم تتعلّق باللّقاء الرسميّ، وإنّما باستضافة نتنياهو لشكري داخل منزله في القدس، والصور الّتي نشرها المتحدّث باسم رئاسة الوزراء الإسرائيليّة أوفير جندلمان، وتظهر الإثنين يشاهدان مباراة نهائيّ بطولة أمم أوروبا لكرة القدم.

وكان البرلمان المصريّ وافق مطلع آذار/مارس الماضي بأغلبيّة 465 نائباً على إسقاط عضويّة النائب توفيق عكاشة، بعد استضافته السفير الإسرائيليّ في القاهرة حاييم كورين بمنزله في محافظة الدقهليّة وتعرّضه لموجة انتقادات شعبيّة وصلت إلى جمع توقيعات من مواطني دائرته الإنتخابيّة للمطالبة بسحب عضويّته من البرلمان، وتأكيد نوّاب في بياناتهم الّتي ألقوها في البرلمان أنّ توفيق عكاشة خرج عن الإجماع الشعبيّ الرافض لأيّ تطبيع مع إسرائيل.

ورفض محمّد العرابي الربط بين ملابسات زيارة شكري للقدس واستقبال عكاشة لحاييم كورين، الّذي أدّى إلى إسقاط عضويّته في البرلمان، مشيراً إلى أنّ لقاء شكري ونتنياهو جاء بناء على توجيهات من القيادة السياسيّة، ولا يمكن مقارنته بواقعة عكاشة وتصريحه بأنّه ناقش مع كورين قضيّة سدّ النّهضة وتوصيل مليار متر مكعّب من مياه النيل لإسرائيل، وهي بحسب العرابي قضيّة أمن قوميّ بالنّسبة إلى المصريّين لم يكن من المسموح لعكاشة الحديث عنها.

ورأت أستاذة العلاقات الدوليّة في الجامعة الأميركيّة بالقاهرة نهى بكر أنّ نهاية عهد الرئيس الأسبق محمّد أنور السادات وبداية عهد الرئيس حسني مبارك شهدت بداية لما أسمته بالتّطبيع الشعبيّ بين مصر وإسرائيل، خصوصاً على مستوى تبادل الخبرات الزراعيّة واستقبال مصر السيّاح الإسرائيليّين، وقالت لـ"المونيتور": إنّ هذه المستويات لم تحظ وقتها بأيّ رضى شعبيّ، فاختصر الطرفان العلاقة بالالتزام بالشقّ القانونيّ لمعاهدة السلام والتّنسيق الأمنيّ والبعثات الديبلوماسيّة وبعض الزيارات الرسميّة النادرة.

"المصريّون الّذين عايشوا الحروب ستبقى نظرتهم لإسرائيل على أنّها العدوّ الصهيونيّ"، قالت نهى بكر، الّتي أشارت أيضاً إلى أنّ قطاعاً كبيراً من المصريّين ينظر لإسرائيل على أنّها العدوّ ويتعاطف مع القضيّة الفلسطينيّة، مؤكّدة في الوقت نفسه أنّه يجب الأخذ في الاعتبار المصريّين الّذين يتأثّرون بتغيّر خطاب بعض وسائل الإعلام المصريّة عن القضية الفلسطينيّة، والّذي يسعى إلى ترسيخ فكرة أنّ مصر ضحّت كثيراً من أجل القضيّة الفلسطينيّة، مشيرة إلى أنّ القطاع الأخير ربّما أصبح أقلّ تعاطفاً مع الفلسطينيّين.

ومن جهتها، أشارت أستاذة الرأي العام في كليّة الإعلام بجامعة القاهرة ثريّا البدوي لـ"المونيتور" إلى أنّ بثّ بعض وسائل الإعلام المصريّة رسائل من شأنها تقليل تعاطف المصريّين مع القضيّة الفلسطينيّة، هو محاولة لتهيئة الأجيال المقبلة لقبول التّسامح مع إسرائيل، مؤكّدة فشل هذه الرسائل في التأثير على المصريّين كبار السنّ بمعظمهم، الّذين تعرّضوا لخطاب إعلاميّ يصف إسرائيل بالعدوّ لأكثر من ستّة عقود.

"لا يمكن فصل الصورة النمطيّة للقضيّة الفلسطينيّة الّتي تشكّلها وسائل الإعلام عن توجّهات النّظام السياسيّ الحاليّ"،  قالت ثريّا البدوي، الّتي أكّدت أيضاً أنّ الخطاب الإعلاميّ المقدّم في وسائل الإعلام المصريّة بمعظمها، يتّجه حاليّاً نحو مزيد من التّنسيق مع إسرائيل على حساب القضيّة الفلسطينيّة، ممّا يمكن تفسيره باحتماليّة وجود مصالح سياسيّة حاليّة تجعل التقارب المصريّ- الإسرائيليّ وتوسيع إتفاقيّة السلام أموراً حتميّة، مبدية تخوّفها من تغيّر نظرة الشباب الّذين لا يعلمون جيّداً طبيعة القضيّة الفلسطينيّة وتاريخها، لإسرائيل بسبب هذا الخطاب.

وأكّدت البدوي أنّ إسرائيل توظّف جهودها لاستغلال الشبكات الإجتماعيّة في التأثير على نظرة الشباب العرب لها في ظلّ غياب كامل للدور العربيّ بهذا الشأن، مشيرة إلى أنّه أثناء إشرافها على دراسة بحثيّة خاصّة بنظرة الشباب لتطبيع العلاقات مع إسرائيل وجدت شباباً رافضين تماماً لفكرة التّطبيع، وفي الوقت نفسه وجدت آخرين يرحبّون بالتّطبيع.

وبدوره، أكّد الباحث المتخصص في علم الاجتماع السياسي عمّار علي حسن، أنّ المصريّين بمعظمهم ما زالوا متضامنين مع حركة النضال الفلسطينيّة سواء أكانت التنظيمات اليساريّة أم الإسلاميّة، مؤكّداً ظهور هذا التضامن عقب كلّ عدوان يمارسه جيش الإحتلال تجاه الشعب الفلسطينيّ، إلاّ أنّه رأى أنّ وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر واعتبار "حماس" فرعاً من الجماعة في غزّة أوجدا فرصة لوسائل الإعلام المصريّة لتهاجم "حماس" في إطار هجومها المستمرّ على الإخوان.

وأشار عمّار علي حسن إلى تأثّر قطاع كبير من المصريّين بالخطاب الإعلاميّ المهاجم لـ"حماس"، خصوصاً بعدما ربط إعلاميّون مؤيّدون للسلطة الحاليّة عبر وسائل إعلام مصريّة بين الحركة والتّنظيمات الإرهابيّة في سيناء، واتّهام وزير الداخليّة مجدي عبد الغفّار عناصر من حركة "حماس" باغتيال النائب العام السابق هشام بركات، مؤكّداً أنّ هذا الخطاب كان على قدر من الكثافة والتركيز واللّعب على وتر المصلحة الوطنيّة، ليجعلهم ينظرون لـ"حماس" على أنّها عدوّ لمصر.

ورغم ذلك، رأى حسن أنّ المصريّين لا يرغبون في علاقات مع الإسرائيليّين أكبر من المستوى الرسميّ، مؤكّداً أنّ تخوّف المصريّين من عودة حال الحرب مع إسرائيل هو ما يجعلهم يتفهّمون وجود علاقات رسميّة، مشيراً إلى أنّ الثمن الكبير الّذي دفعه المصريّون في أربع حروب مع إسرائيل يجعلهم يدركون أنّ العلاقات الرسميّة مهمّة لهم وللإسرائيليّين على حدّ سواء.