تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الفلّوجة... التحرير مهمّ لكن ما بعد التحرير أهمّ!

لم تهيء الحكومة العراقية نفسها لفترة ما بعد تحرير الفلوجة، والتي تعدّ أهمّ من التحرير نفسه، ذلك لأن المدينة كانت قد تحررت سابقا من التنظيمات المتطرفة لكنها سقطت في أحضانها مجدداً.. فكيف تنجز الحكومة هذه المهمة؟
RTX2F5RU.jpg

النجف — أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي بدء عمليّات تحرير الفلّوجة في 23 أيّار/مايو. وقد سارت العمليّات إلى حدّ الآن بنجاح كبير، إذ تحرّرت مناطق عدّة من أطراف المدينة. وقد استقرّت القوّات العراقيّة على أبواب الفلّوجة بعد حرير منطقة الصقلاويّة الواقعة في شمال المدينة في 28 أيّار/مايو.

القوات المقاومة للإرهاب التي تمّ تعيينها لدخول المدينة بدأت بالتوغل فيها من الشمال والجنوب في 31 أيار/مايو وطهرت بعض الضواحي في 1 حزيران/يونيو كما أنها تتقدّم بانتظام نحو الوسط.

وعليه، من المتوقّع إنجاز عمليّات التحرير في شكل كامل في الأيّام المقبلة القريبة. لكن يبقى التحدّي الأكبر هو التخطيط لما بعد التحرير، ممّا سيظهر مدى قوّة الحكومة في السيطرة الكاملة على المدينة وصيانتها من الخضوع إلى التنظيمات الإرهابيّة مجدّداً.

وتعدّ الفلّوجة من المناطق الأكثر عصياناً على التغيير السياسيّ الحاصل في العراق، بعد سقوط نظام البعث في عام 2003. وهي من المعاقل الرئيسيّة لحزب البعث، إذ ينحدر منها عدد كبير من ضبّاط الحزب الموالين لصدّام حسين. وقد شهدت المدينة اشتباكات عدّة بين الفصائل الجهاديّة والقوّات الأميركيّة الموجودة فيها منذ عام 2003 حتّى عام 2008. من هنا، امتلكت رمزيّة كبيرة لدى هذه الفصائل، وكانت المدينة الأولى التي سيطرت عليها القاعدة في عام 2004، وأولى المناطق التي دخلها تنظيم "داعش" في حزيران/يونيو 2014. وقد صوّر تنظيم "داعش" مقاطع فيديو عدّة من مدينة الفلّوجة تظهر مبايعة شيوخ عشائر المدينة للتنظيم، والقيام بقتل جنود عراقيّين أسرى وصلبهم. بسبب هذا التاريخ، ليس من المبالغ فيه تسمية الفلّوجة بعاصمة الجهاديّين في العراق.

ويضفي الموقع الاستراتيجيّ للمدينة أهميّة مضاعفة لها، فهي لا تبعد أكثر من 70 كيلومتراً عن بغداد، وغالبيّة سكّان المناطق القريبة منها ومن العاصمة ينتمون إلى الطائفة السنيّة، ممّا يجعل منها قاعدة لنشر الفوضى في بغداد وتقديم الدعم إلى العمليّات التفجيريّة والمفخّخات التي تضرب العاصمة باستمرار. إضافة إلى ذلك، إنّها مجاورة لمدن شيعيّة مهمّة مثل كربلاء والحلّة، بما يمكّن الجهاديّين السلفيّين من استفزاز الشيعة وتهديد مراقدهم المقدّسة.

بسبب موقع الفلّوجة هذا، وضعت القيادة العسكريّة العراقيّة خطّة تحرير المدينة على نحو محكم، على أن تنجز أهدافها بفترة سريعة من دون وقوع خسائر كبرى. فبعد استنزاف قوّات تنظيم "داعش" من خلال إحكام حصار المدينة الذي طال مدّة عام تقريباً، جرى حشد مختلف القوّات الحكوميّة من جيش وحشد شعبيّ وعشائر سنيّة. من الناحية العسكريّة، يبدو الأمر مثاليّاً، بيد أنّ الحكومة لم تهيّء نفسها لفترة ما بعد تحرير المدينة، وهي فترة تعدّ أهمّ بكثير من التحرير في بعض الاعتبارات. والمعروف أنّ المدينة كانت قد تحرّرت سابقاً من التنظيمات المتطرّفة عام 2007، لكنّها سقطت في أحضانها مجدّداً. من هنا، على الحكومة إعداد مشروع متكامل لضمان سيطرتها على المدينة وتحصينها إزاء التنظيمات المتطرّفة، وذلك عبر الإجراءات الآتية:

أولاً - إعداد قوّات محليّة تابعة إلى الحكومة لإدارة الملفّ الأمنيّ في المدينة. وكان من المفترض أن يشرّع مجلس النوّاب قانون الحرس الوطنيّ الذي يتيح الفرصة أمام كلّ محافظة لامتلاك قوّات محليّة مرتبطة بمنظومة القوّات الأمنيّة العراقيّة، لكنّ المشروع واجه معارضة كبيرة من قبل الكتل النيابيّة الشيعيّة التي وجدت فيه تحضيراً لمرحلة تقسيم العراق. وعلى الرغم من ذلك، لا بدّ للحكومة من أن تجد صيغة مقبولة من هذا المشروع كي يحظى بقبول مجلس النوّاب. هذا المشروع يمنع التحسّسات الطائفيّة الموجودة في المناطق السنيّة الساخنة مثل الفلّوجة تجاه القوّات الأمنيّة القادمة من المحافظات الشيعيّة.

والمعروف أنّ الاعتصامات التي قامت ضدّ الحكومة المركزيّة في المحافظات السنيّة منذ عام 2012 طالبت بخروج القوّات التابعة إلى الحكومة المركزيّة، ونعتتها بالجيش الصفويّ أو قوّات المالكي نسبة إلى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وبسبب مثل تلك التحسّسات، أعلن هادي العامري، وهو من القيادات البارزة لقوّات الحشد الشعبيّ في 24 أيّار/مايو، أنّ تلك القوّات لن تدخل الفلّوجة، وسوف تكتفي بتقديم الدعم إلى القوّات العسكريّة من أطراف المدينة.

ثانياً - إعداد خطّة إعمار شاملة وسريعة للمدينة تشتمل على إعادة بناء المباني المهدّمة، وتأسيس مشاريع استراتيجيّة، وتوفير فرص عمل للأهالي، وإعادة النازحين إلى المدينة في أقرب وقت ممكن. إنّ طمأنة الأهالي بألّا مستقبل لهم إلّا مع الدولة العراقيّة وأنّها سوف لن تجري في حقهم أعمالاً ثأريّة، طريق ممتاز ومجرّب لإعادة الثقة بين الحكومة وأهالي المدينة. وهنا يجدر التذكير بأنّ الحكومة فشلت إلى حدّ الآن بتقديم الدعم الكافي إلى المناطق المحرّرة سابقاً وإنجاز مشاريع إعمار حقيقيّة فيها. وكمثال على ذلك، اشتكى نائب محافظ صلاح الدين عمار حكمت في 29 أيّار/مايو من عدم وفاء الحكومة والمنظّمات الدوليّة بوعودها الماليّة لتقديم الدعم إلى المشاريع الإعماريّة في محافظة صلاح الدين التي جرى تحرير معظم مناطقها في آذار/مارس 2015.

ثالثاً - العمل على تحجيم الفكر السلفيّ الجهاديّ، وذلك عبر دعم رجال الدين المعتدلين في المدينة، من قبيل الشيخ عبد اللطيف الهميم الذي يشغر منصب رئيس ديوان الوقف السنيّ حاليّاً ويحظى بقبول نسبيّ في محافظة الأنبار. ويجدر الذكر أنّ الفكر الصوفيّ يمتلك حضوراً تاريخيّاً طويل الأمد في المدينة، ومن شأنه أن يقدّم قراءة مسالمة بديلة للفكر المتطرّف. في 30 أيار/مايو التقي عبد اللطيف الحميم بأئمة فلوجة ودعاهم إلى "مواجهة الفكر المتطرّف لداعش وتشجيع الإسلام المعتدل". على الرغم من أنّ تحرير المدينة سيكون سريعاً، المحافظة على حريتها لن يكون سهلاً.

وأخيرا لا يشاهد في الأفق ما يثبت أن الحكومة العراقية قد أخذت وضع ما بعد تحرير المدينة بنظر الاعتيار، وأن قامت بالتمهيد لأي من النقاط االتالية. وعليه يتوقع ان مرحلة ما بعد داعش لا تكون سهلا للحكومة العراقية بالنسبة لمناطق مثل الفلوجة.

More from Ali Mamouri

Recommended Articles