تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فعاليّات إحياء ذكرى النكبة تحت مطرقة الانتقادات

حظيت فعاليّات إحياء الذكرى الـ68 للنكبة الفلسطينيّة بانتقادات شعبيّة واسعة، لما تضمّنته من فقرات لا تتناسب ومحتوى الذكرى الأليمة لدى الفلسطينيّين، والّتي لا تزال مستمرّة حتّى اليوم وتتجسّد في 58 مخيّماً يقطنها اللاّجئون الفلسطينيّون، وجاءت على عكس توقّعات الكثيرين بأن تشكّل هذه الذكرى فرصة لتأجيج الإنتفاضة الفلسطينيّة ضدّ إسرائيل.
RTSEEQ9.jpg

رام الله، الضفّة الغربيّة - أثارت بعض فعاليّات إحياء الذكرى الـ68 للنكبة الفلسطينيّة، الّتي اتّخذت من 15 أيّار/مايو من كلّ عام موعداً رمزيّاً لها، انتقادات من نشطاء فلسطينيّين على مواقع التّواصل الإجتماعيّ. وأبرز الانتقادات وجّهت إلى المهرجان المركزيّ، الّذي أقيم في وسط مدينة رام الله بـ17 أيّار/مايو، ودعت إليه اللّجنة الوطنيّة العليا لإحياء ذكرى النكبة، وتخلّلته فقرة فنيّة للفنّان محمّد عسّاف وتمّ خلاله توزيع قبّعات قطنيّة على المشاركين تبيّن أنّها صناعة إسرائيليّة، وهو جاء بعد يومين من حفل تدشين أكبر مفتاح في قطر ودخوله موسوعة "غينيس" للأرقام القياسيّة في 15 أيّار/مايو، والّذي أحياه محمّد عسّاف وتخلّلته فقرات دبكة شعبيّة، وحظي ايضا بجملة انتقادات واسعة.

وتابع "المونيتور" الانتقادات، الّتي نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي على فعاليات النكبة، وعلى سبيل المثال كتبت الصحافيّة ميرفت صادق مراسلة "الجزيرة نت" في رام الله على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك" في 14 ايار: "النكبة لم تكن قصّة تراثيّة لإحيائها بالدبكة والأغاني الشعبيّة، لم تكن عرساً لترتدي النساء في ذكراها الأثواب المطرّزة، النكبة ليست ذكرى، بل مأساة ومذبحة مستمرّة للإنسان والأرض، و" المأساة" ليست في حاجة إلى زامور أو صافرة، كما يفعل من قام بالنكبة... النكبة ليست احتفالاً"، في إشارة إلى إطلاق لجنة احياء ذكرى النكبة صافرة إنذار لمدة 68 ثانية في تمام الساعة 12 ظهر 15 أيّار/مايو في مدينة رام الله كانطلاق لفعاليات النكبة.

ومن جهته، قال فنّان الكاريكاتور محمّد سباعنة على صفحته على موقع الفيس بوك في 15 ايار/ مايو : "ناس بتحيي الذكرى أمام مكاتب الأونروا بلبنان، وناس بتبيع التذاكر وبتغنّي وبترقص وبتستثمر، ناس بتعيش تحت احتلال بدرجة سياحيّة ومعاها بطاقات VIP، وناس بتعيش العتمة بالسجون". في اشارة الى ان احياء ذكرى النكبة في قطر كان مهرجانا وتم بيع التذاكر من اجل حضوره في حين ان اللاجئين يعانون من ظروف صعبة في المخيمات.

كما نشر كاريكاتوراً من رسمه على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي في 15 ايار يظهر مسؤولاً فلسطينيا ببذلة رسميّة يرفع لافتة مكتوب عليها: "نطالب بحقّ العودة... للمفاوضات"، في إشارة إلى اهتمام المسؤولين بالمفاوضات.

ولم تتوقّف الانتقادات على المستوى الشعبيّ، إذ قاطعت الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين المشاركة في المهرجان المركزيّ برام الله، بسبب احتوائه على "أغاني احتفاليّة لا تعبّر عن مضمون هذه المناسبة الحزينة".

وقال عضو المجلس المركزيّ لمنظّمة التّحرير عن الجبهة الشعبيّة عمر شحادة لـ"المونيتور": إنّ الجبهة اعتذرت عن المشاركة، بعد أن لمست خلال النقاش التحضيريّ للجنة احياء ذكرى النكبة الذي شاركت به قبل اسابيع، توجّهاً لتحويله إلى مناسبة احتفاليّة، بدلاً من أن يكون مناسبة لمواجهة الإحتلال وتطوير الإنتفاضة الجارية حاليا في الاراضي الفلسطينية.

أضاف: "الفعاليّة المركزيّة كانت باهتة، ولم تخرج بموقف سياسيّ قياديّ واضح، يتوافق مع المحتوى النضاليّ للنكبة".

وتابع: "فعاليّات النكبة الّتي تمّ تنظيمها تنمّ عن نمط استهلاكيّ ينسجم مع السياسة الرسميّة للسلطة الفلسطينيّة الّتي لا تفيد قضايا اللاّجئين، ولا تجابه الاستيطان، وتردع الإحتلال".

وأردف عمر شحادة: "كان من الأجدر أن يتمّ إحياء ذكرى النكبة بتصعيد الإنتفاضة ببعديها الشعبيّ والرسميّ، وتعزيز الحوار الوطنيّ، وليس الإحتفال واللّهاث وراء المبادرة الفرنسيّة الّتي تلغي حقّ العودة".

كثيرون من الكتاب والمحللين وبعض الشخصيات السياسية عوّلوا او تمنوا أن تكون ذكرى النكبة مناسبة لتأجيج الإنتفاضة الّتي تشهدها الأراضي الفلسطينيّة منذ الأوّل من تشرين الأوّل/أكتوبر عام 2015، عبر المواجهة الشعبيّة مع قوّات الإحتلال على الحواجز العسكريّة والأراضي المصادرة، لكنّ الفعاليّات جاءت عكس ذلك.

من جهته، قال الباحث في العلوم الإجتماعيّة وفلسفتها والمحاضر السابق في جامعة بيرزيت خالد عودة الله لـ"المونيتور": إنّ التغيّر في شكل إحياء

ذكرى النكبة وتحوّلها من مواجهة الإحتلال إلى الإحتفال، يعتبر أحد مظاهر الإنهيار في السياسة والحال الوطنيّة الفلسطينيّة، لتصبح (ذكرى النكبة) مجموعة من الطقوس المفرغة من القيم الروحيّة والوطنيّة.

وأشار إلى أنّ فعاليات إحياء ذكرى النكبة تتمّ بشكل مجرّد وسطحي دون ان تحمل وعيا وعمقا بتفاصيل النكبة وأحداثها، ولذلك يطغى عليها الجانب الإحتفاليّ، الامر الذي انعكس على شريحة واسعة من الجماهير التي باتت تملك وعيا سطحيا بها، رغم أنّها حدث مركزيّ وفاصل في تاريخنا"، وقال: "إنّ ذكرى النكبة يجب أن تكون إحياء للمقاومة، لكن للأسف نحن أمام حال وطنيّة مفرغة من أيّ فعل نضاليّ، ولم يعد لها أيّ دلالة أو حضور بالحدث السياسيّ المباشر. لقد تمّ إفراغ ذكرى النكبة من مضمونها".

بدوره، قلّل رئيس اللّجنة الوطنيّة العليا لإحياء ذكرى النكبة محمّد عليان في حديث مع "المونيتور" من شأن هذه الانتقادات قائلاً: "نحن كفلسطينيّين اعتدنا أن نعلي الأغنية الوطنيّة حتّى في تشييع الشهداء، فلماذا ننتقدها في ذكرى النكبة؟".

أضاف: "برنامج فعاليّاتنا متنوّع، ويشمل الجوانب الثقافيّة والتوعويّة والتراثيّة والإحتكاك مع الإحتلال".

وتابع: "منتقدو الفعاليّات الّتي تمّ تنظيمها لم يقدّموا بديلاً لها. نحن طلبنا منذ آذار/مارس عبر وسائل الإعلام من الأفراد أو المؤسّسات والأحزاب المشاركة وضع مقترحات لفعاليّات النكبة، لكنّ التفاعل كان ضعيفاً، والاخوة في الجبهة الشعبية لم يطرحوا اي برنامج بديل"، ورغم ذلك شاركت رسمية في السلطة ومنظمة التحرير والفصائل وشخصيات فلسطينية من اراضي 48 المهرجان المركزي.

من جهته، قال سكرتير اللّجنة الوطنيّة للدفاع عن حقّ العودة وأحد أعضاء الحملة الوطنيّة لإحياء ذكرى النكبة عمر عسّاف لـ"المونيتور": "نحن جاهزون لتقييم عملنا وآدائنا وتصويب أيّ جوانب خلل قد وقعت. نحن نقيّم كلّ عام الفعاليّات الّتي ننظّمها، ونستخلص العبر من خلال النقاش مع الأطراف كافّة".

أضاف: "الانتقادات الموجّهة إلى فعاليّات إحياء ذكرى النكبة مبالغ فيها، خصوصاً الّتي تطال الجانب الفنيّ الوطنيّ، لأنّه طالما كان جزءاً من نضالنا الوطنيّ وهويّتنا الثقافيّة".

ورغم الجدل، الّذي رافق فعاليّات ذكرى النكبة الـ68، إلاّ أنّ ذلك لم يغيّر شيئاً من واقع اللاّجئين الفلسطينيّين الصعب في المخيّمات، إذ أظهرت معطيات الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني أنّ نسبة اللاّجئين في فلسطين 42.8 في المئة من مجمل السكّان الفلسطينيّين حتّى نهاية عام 2015، في حين بلغ عدد اللاّجئين المسجّلين لدى وكالة الغوث في الأوّل من كانون الأوّل/يناير من عام 2015، حوالى 5.59 مليون لاجئ فلسطينيّ، يعيش 28.7 في المئة منهم في 58 مخيّماً تتوزّع بواقع 10 مخيّمات في الأردن، و9 مخيّمات في سوريا، و12 مخيماً في لبنان، و19 مخيّماً في الضفّة الغربيّة، و8 مخيّمات في قطاع غزّة.

More from Ahmad Melhem

Recommended Articles