تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أمطار نيسان تحمل معها ... المزيد من العنف في جنوب شرق تركيا؟

كلّ من الحكومة التّركيّة وحزب العمال الكردستاني يستعدّ بشكل محموم لاشتباكات عنيفة متوقّعة في الرّبيع.
Kurdish demonstrators gather behind a barricade as they clash with Turkish riot police during a protest against the curfew in Sur district, in the southeastern city of Diyarbakir, Turkey, February 21, 2016.  REUTERS/Sertac Kayar  - RTX27Y46

هذا العام، لم تزهر مع بداية الرّبيع حياة الناس في بلدات تركيا الجنوبيّة الشّرقيّة حيث لا يزال العنف مستمرًا. بداية الرّبيع تعني أنّ ظروف الشّتاء الصّعبة والثلج الذائب ستحلّ محلّها الأشجار الخضراء والكثير من الأيّام الممطرة الضّبابيّة. وهي تعني أيضًا زيادة محتملة وتوسّعًا في الاشتباكات.

ستسمح الأحوال الجويّة الأكثر اعتدالاً لحزب العمال الكردستاني بأن يصبح أكثر قدرة على التّنقّل. ومع تحسّن الدّعم اللّوجستي، يستطيع حزب العمال الكردستاني أن يتوحّد مع وحداته الحضريّة التي تعمل بشكل مستقلّ، وأن يحوّلها إلى قوّة إقليميّة ويصعّد القتال. وإنّ القوى الأمنيّة، التي تدرك هذه الحقائق، تجري استعدادات محمومة.

يتوقّع المسؤولون الأمنيّون في أنقرة عدّة عمليّات متزامنة لحزب العمال الكردستاني على الأرض أو تحرّكات في المدن في نهاية شهر نيسان/أبريل. وقد أتت ردّة فعل أنقرة عبر زيادة عدد فرق العمليّات الخاصّة المدرّبة على حرب المدن، وزيادة عدد المركبات والأسلحة المناسبة.

علم المونيتور من مصادره في أنقرة أنّ إحدى الخطوات الاستثنائيّة المتّخذة كانت تقليص فترات تدريب فرق العمليّات الخاصّة في الشّرطة. وإنّ فرق العمليّات الخاصّة من الدّرك في المنطقة، التي يبلغ عددها الإجمالي اليوم 12,500، سيجري تعزيزها لتصبح 20,000 على الأقلّ؛ وكذلك فرق العمليّات الخاصّة في الشّرطة التي تضمّ اليوم 7,800 فرد، سيرتفع عدد أعضائها إلى 20,000.

يبدو أنّ القوّات المسلّحة التّركيّة تجري بدورها إعادة انتشار وتغييرات مماثلة. على سبيل المثال، جرى تحويل فرق المشاة في بينكل، وساريقاميش، وتاتوان، ودنيزلي بشكل كامل إلى فرق مغاوير. وهذه الفرق الأربع، المؤلّفة من 20,000 جندي محترف وحاصل على تدريب خاصّ، جرى نشرها في المناطق الحسّاسة في تونجلي، وبينكل، وأغري، وهكاري، وشرناق وماردين. وقد نُقِلت كتيبتان للمغاوير مؤقتًا من قبرص للدّفاع عن بعض القواعد الدّائمة في المنطقة.

وإنّ حاجة القوّات المسلّحة التّركيّة المتزايدة إلى الموارد البشريّة هذا الرّبيع من أجل إنشاء قواعد إقليميّة دائمة قد يجبرها على الانحراف عن مبدئها الرّاسخ بنشر القوات المحترفة فحسب في عمليّات مكافحة الإرهاب وعدم استعمال المجنّدين.

باختصار، تخطّط القوى الأمنيّة التّركيّة لمضاعفة تواجدها في المنطقة من أجل إبقاء سيطرتها على البلدات والسّيطرة على الأراضي الرّيفيّة.

ينشط حزب العمال الكردستاني بدوره معزّزًا وحداته في الجبال. وتملك المخابرات التركية تقارير تفيد بأنّ حزب العمّال الكردستاني قد ينقل عمليّاته إلى منطقة وان الأكثر هدوءًا وإلى المناطق الرّيفيّة لتخفيف الضّغط الذي يتعرّض له حاليًا في نصيبين، وشرناق ويوكسكوفا، ولشنّ هجمات في المدن الغربيّة. وإنّ حزب العمال الكردستاني، الذي يبدو أنّه أخذ العبرة من موجة القتال الأولى في سيلوبي، وجزرة، وايدل وسور، يتصيّد الدّبابات والمركبات المدرّعة من خلال القناصين، والقنابل على جوانب الطّرقات والأنفاق.

في الأسبوعين الماضيين، قُتِلَ حوالي 50 من رجال الأمن في نصيبين التي شهدت اشتباكات عنيفة. وقد كانت المدينة تحوي 90,000 شخص، لكنّ عدد سكّانها انخفض اليوم إلى 30,000. والجدير بالذّكر أنّ هذه المدينة المجاورة للحدود السّوريّة مقابل مدينة القامشلي الكرديّة، تتميّز بجاداتها الواسعة وبأبنية اسمنتيّة من أربعة وخمسة طوابق، على عكس جزرة، وسور وسيلوبي التي تطغى فيها الشّوارع الضّيّقة حيث حُفِرت الخنادق ووُضِعت المتاريس التي تدعمها القنابل المزروعة على جوانب الطرقات.

في نصيبين، تجري معظم الاشتباكات داخل المباني. وإنّ حزب العمال الكردستاني، الذي استعدّ جيّدًا ونشر وحداته المتمرّسة، يزرع المتفجّرات في أساسات المباني التي يرجّح أن تفتّشها القوى الأمنيّة، ثمّ يفجّرها بواسطة أجهزة التّحكّم عن بعد. وتفيد تقارير بوجود حوالي 300 مقاتل من وحدات حزب العمال الكردستاني الرّيفيّة في نصيبين، فضلاً عن 700 إلى 800 مقاتل محلي من وحدات حماية المدنيّين.

في ستّة أحياء من نصيبين حيث لا تزال العمليّات مستمرّة، حدّدت القوى الأمنيّة حوالي 200 مبنى يستعمله حزب العمال الكردستاني كمكان آمن، ومحطّة طبيّة، ومخزن للذّخائر ومستودع للإمدادات. وبعد مقتل عدد كبير من الأفراد في انهيارات المباني، تبحث القوى الأمنيّة الآن في إمكان استخدام النّيران الكثيفة من مسافة بعيدة لهدم كلّ تلك المباني في الأحياء السّتّة، بعد إجلاء المدنيّين أوّلاً.

قال الرّئيس رجب طيب أردوغان مؤخّرًا، "إذا دعت الحاجة، يجب أن نفكّر في إخلاء الأماكن بشكل كامل، فهي لم تعد صالحة للسّكن على أيّ حال، وفي سحقها عن بعد. علينا أن نمحو هذه المواقع بالكامل ونعيد بناءها من جديد. لن نضحّي ولو بأصبع شرطي أو جندي من أجل كلّ أكوام الاسمنت والحديد هناك. فنحن نتكبّد الشهداء بسبب هذا".

وبحسب خبراء أمنيّين اقتبس الإعلام التّركي كلامهم، ما يجري في نصيبين ليس عمليّة إرهابيّة تقليديّة، لذا يجب هدم جميع المباني التي يستعملها حزب العمال الكردستاني لأغراض قتاليّة عبر إطلاق نار من العيار الثقيل عن بعد.

وبما أنّ الاشتباكات والإصابات في نصيبين أصبحت مؤخّرًا بندًا رئيسيًا على جدول الأعمال؛ وضعت تركيا استراتيجيّة جديدة للتّعامل مع المشاكل في تلك المدينة. وبعد التقارير حول خلاف في التّنسيق بين والي محافظة ماردين والوحدات الأمنيّة على الأرض، جرى نقل سلطة اتّخاذ القرارات التّنفيذيّة في المدينة من صناع القرار المدنيّين إلى الجيش، ما يعني أنّه جرى توحيد المخابرات واتّخاذ القرارات في قيادة عسكريّة واحدة. وللمرّة الأولى منذ 22 تموز/يوليو، تاريخ بدء الاشتباكات، سيكون كلّ من القيادة والتحكّم في نصيبين في أيدي كبار ضباط الجيش بصورة حصريّة.

تشاور المونيتور مع خبراء فنّيّين قالوا إنّه لن يكون من السّهل تدمير المنشآت المصنوعة من الاسمنت والصّلب عن بعد باستعمال دبّابة ونيران مدفعيّة بعيار 155 مم. وقال هؤلاء الخبراء، الذين تحدّثوا معنا شرط عدم ذكر هويّتهم، إنّ أحد الخيارات الممكنة هو استعمال ذخائر اختراق شبيهة بقنبلة مارك 84 بوزن 900 كغم الموجّهة بالليزر والتي تطلقها الطّائرات. ويكمن خيار آخر في استعمال ستار نيران مركّز من مدفع بعيار 203 مم. أمّا الخيار الأخير فهو إرسال جرّافات مدرّعة تحميها الدّبّابات. ونظرًا إلى الزيادة الحادّة في حساسيّة الرأي العام والضّغط السّياسي الذي تمارسه أنقرة، قد يتوجّب على القوى الأمنيّة اتّخاذ قرار في وقت قريب.

قد تنذر نصيبين بمرحلة جديدة من الاشتباكات الأوسع نطاقًا والأكثر عنفًا في الرّبيع. فالواقع أنّنا نشهد تزايدًا في استعمال الدّبّابات، والدّروع الثّقيلة، والأسلحة المضادّة للدّبّابات، والقناصين والقنابل المزروعة على جوانب الطّرقات، ما يزيد من الدّمار الحاصل. وإنّ نقل عمليّة اتّخاذ القرارات إلى الجيش قد يعني حتّى أنّ استعمال الطّائرات المقاتلة ربّما يرد على جدول الأعمال.

لا عجب إذًا أنّ الرّبيع المقبل لا يحمل معه الفرح والسّعادة كالعادة، بل يحمل المزيد من الخوف والألم للمنطقة.

More from Metin Gurcan

Recommended Articles