تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

على الولايات المتّحدة التّخلّي عن 'الخطّة ب' التي تعدّها لسوريا

المبعوث الأممي إلى سوريا ستافان دي ميستورا يقول إنّ وقف الأعمال العدائيّة الهشّ "لا يزال مصدر أمل" فيما يترقّب السّوريّون معركة حلب.
Civil defence members look for survivors after an airstrike on the rebel-held Old Aleppo, Syria April 16, 2016. REUTERS/Abdalrhman Ismail - RTX2A85U

إنّ فشل المجموعات السّوريّة المسلّحة المدعومة من تركيا حتّى الآن في استعادة بلدة الراعي الحدوديّة السّوريّة من تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش) يجب أن يشكّل تحذيرًا لمسؤولي الاستخبارات الأميركيّة الذين يقال إنّهم يعدّون "خطّة ب" لسوريا، في حال انهيار وقف الأعمال العدائيّة.

بحسب صحيفة وول ستريت جورنال، تضع وكالة الاستخبارات المركزيّة وشركاؤها الإقليميّون خططًا لتزويد قوّات المعارضة السّوريّة بالمزيد من الأسلحة المتطوّرة، التي تشمل ربّما أسلحة مضادّة للطّائرات، في إطار خطّة للطّوارئ. وبذلك، يبدو أنّ العادات القديمة والأفكار السيّئة لا تتغيّر بسهولة في بعض الأوساط السّياسيّة بواشنطن. يمكن للمرء أن يتذكّر، على سبيل المثال، فشل مهمّة التّدريب والتّجهيز الأوليّة العاثرة التي كلّفت 382 مليون دولار لتدريب 180 مقاتلاً، يقال إنّ 95 من بينهم لا يزالون نشطين. لكن بدلاً من التّوصّل إلى استنتاج منطقي بـ"عدم تكرار ما سبق أن فعلناه وتأكّدنا من فشله"، لعدّة أسباب مفهومة، تتشاور وكالة الاستخبارات المركزيّة مع تركيا والسّعوديّة حول خطّة لزيادة قدرات الوكلاء السّوريّين، الأمر الذي سيكون بالطّبع مدمّرًا بالنسبة إلى الشّعب السّوري الذي أخذ فرصة لتنفّس الصّعداء بعد خمس سنوات مستمرّة من المجازر، كما أفاد محمد الخطيب من حلب الأسبوع الماضي.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الانقسام بين الولايات المتّحدة وتركيا حول دور المجموعات الكرديّة السّوريّة زاد من تعقيد الحملة ضدّ جبهة النّصرة وداعش في شمال سوريا، وهو سبب رئيسي لفشل الخطّة ب المحتمل.

كتب فهيم تشتكين أنّ العمليّة التي تدعمها تركيا في بلدة الراعي تحوّلت إلى "إخفاق تام". فالحملة المستمرّة منذ أسبوع كانت نتيجتها سيّئة حتّى الآن لأنّ داعش يبدي دفاعًا شرسًا. ويبدو أنّ الخطّة نشأت بعد أن ناشد الرّئيس التّركي رجب طيب أردوغان الرّئيس الأميركي باراك أوباما سحب دعمه لوحدات حماية الشعب الكرديّة السّوريّة، التي تشكّل القوّة الرّئيسيّة في قوّات سوريا الدّيمقراطيّة، والعمل بدلاً من ذلك من خلال مجموعات مسلّحة مرتبطة بجهاز المخابرات الوطني التّركي، "تتألّف من التّركمان، وفصائل الجيش السّوري الحرّ والسّلفيّين"، بحسب تشتكين.

ليس أمام سياسات تركيا الخاصّة بسوريا من سبيل سوى أن تصبح أكثر إثارة للجدل إذ إنّ الأمل ضئيل، إن لم يكن معدومًا، بـ"وقف الأعمال العدائيّة" مع حزب العمال الكردستاني. وكتب متين تورجان إنّ "الأحوال الجويّة الأكثر اعتدالاً ستسمح لحزب العمال الكردستاني بأن يصبح أكثر قدرة على التّنقّل. ومع تحسّن الدّعم اللّوجستي، يستطيع حزب العمال الكردستاني أن يتوحّد مع وحداته الحضريّة التي تعمل بشكل مستقلّ، وأن يحوّلها إلى قوّة إقليميّة ويصعّد القتال. وإنّ القوى الأمنيّة، التي تدرك هذه الحقائق، تجري استعدادات محمومة. يتوقّع المسؤولون الأمنيّون في أنقرة عدّة عمليّات متزامنة لحزب العمال الكردستاني على الأرض أو تحرّكات في المدن في نهاية شهر نيسان/أبريل. وقد أتت ردّة فعل أنقرة عبر زيادة عدد فرق العمليّات الخاصّة المدرّبة على حرب المدن، وزيادة عدد المركبات والأسلحة المناسبة".

ويختتم تشتكين بقوله إنّ "تحرّكات تركيا التّكتيكيّة المصمّمة لإبقاء وحدات حماية الشّعب بعيدة عن المنطقة، تعيق قتالاً حقيقيًا وهادفًا ضدّ داعش. ومن المتوقّع أن تتحضّر تركيا لتكرار الهجوم الذي جرى في بلدة الراعي، إذا قام الأكراد وحلفاؤهم العرب بالتّحرّك ضدّ مدينة منبج. وإذا فاز الجيش السّوري في "حرب حلب العظمى"، ستصبح الجبهة الشّماليّة أكثر تعقيدًا حتّى، لدرجة أنّ تركيا لن تستطيع حتّى التّعامل معها. وعند ذلك، سيصبح النقاش 'مع الأكراد أو بدونهم' في غير محلّه".

على الرّغم من تسريب أخبار عن إعداد "خطّة ب"، إنّ المبعوث الأممي إلى سوريا ستافان دي ميستورا ليس مستعدًا للتغاضي عن التقدّم المحرز منذ الاتّفاق بين الولايات المتّحدة وروسيا في شهر شباط/فبراير، على الرّغم من تقرير في صحيفة واشنطن بوست في 14 نيسان/أبريل عن "انهيار واضح" في وقف الأعمال العدائيّة. ومع انطلاق جولة جديدة من محادثات السّلام المتعلّقة بسوريا في جنيف، قال دي ميستورا للمراسلين في 13 نيسان/أبريل، "علينا الحرص، مهما كان الثّمن، على أن يستمرّ وقف الأعمال العدائيّة، بالروح والمضمون، بإعطاء الأمل للشّعب السّوري، لأنّ هذا ما جعلهم جميعًا يعتقدون أنّ حياتهم تحسّنت على الأقلّ، حتّى لو كان عليهم في الواقع انتظار المحادثات بين الأطراف السّوريّة".

وتفيد لورا روزن بأنّ مخاوف الولايات المتّحدة بشأن التّحديات المطروحة أمام وقف الأعمال العدائيّة تنتج بشكل جزئي من الخلافات حول استهداف جبهة النصرة في حلب وحولها من قبل الجيش السّوري والمؤيّدين له، بخاصّة إيران وروسيا، بما أنّ بعض المجموعات المسلّحة التي تدعمها الولايات المتّحدة وشركاؤها الإقليميّون مقرّبة من جبهة النصرة التي تشكّل فرعًا لتنظيم القاعدة في سوريا.

وإنّ علاقة المجموعات السّوريّة المسلّحة الأخرى بجبهة النصرة وقربها منها هي مسألة ملحّة إلى حدّ ما. فقرار مجلس أمن الأمم المتّحدة رقم 2254 يكرّر أنّ وقف الأعمال العدائيّة لا ينطبق على جبهة النصرة "وجميع الأفراد، والمجموعات، والكيانات الأخرى المرتبطة بتنظيم القاعدة أو داعش". وهذا العمود لا يتسامح على الإطلاق مع الذين يعملون مع تنظيم القاعدة، حتّى لو كان ذلك لأسباب تكتيكيّة أو انطلاقًا من كراهية مشتركة للرّئيس السّوري بشار الأسد. وفقًا لحساباتنا، يجب أن تبقى الخطّة ب حبرًا على ورق للأبد، ومن الأفضل حتّى أن يجري تمزيق هذا الورق. ففكرة وقوع أسلحة متطوّرة، بما في ذلك أسلحة مضادّة للطّائرات، في أيدي مجموعات سلفيّة طائفيّة كجيش الإسلام وأحرار الشام، التي تتشارك مبادئ جبهة النصرة، وتدعمها السعودية وتركيا، أمر لا بدّ من تجنّبه لا مناقشة احتمال تطبيقه.

خلاصة القول هي أنّ شراكة الولايات المتّحدة وروسيا حول سوريا ناجحة بمعظمها، وهي أفضل رهان لسوريا من أجل إنهاء الحرب. وبدلاً من الخطّة ب، هناك نهج أفضل يكمن في الاستفادة من الأسلوب النّاجح ووضع آلية لرصد الانتهاكات المحتملة لوقف الأعمال العدائيّة، الأمر الذي يجري مناقشته، وتحسين التنسيق الاستخباراتي بين الولايات المتّحدة، وروسيا وشركائها الإقليميّين في مجموعة الدّعم الدّوليّة لسوريا، في ما يتعلّق بجبهة النصرة وداعش، بخاصّة في حلب وحولها، تحسّبًا لهجوم محتمل من أجل استعادة المدينة، الأمر الذي من شأنه أن يشكّل نقطة تحوّل في الحرب.

ويفيد كمال شيخو من كوباني بأنّ "التّحرّكات العسكريّة الأخيرة لقوّات سوريا الدّيمقراطيّة وفصائل المعارضة السّوريّة المسلّحة في شمال سوريا، ترمي إلى قطع خطّ الإمداد الأخير لداعش الذي يربط ريف حلب الشّرقي والشّمالي بمدينة الرقة من جهة، وخنقه بقطع آخر المنافذ الحدوديّة مع تركيا من جهة ثانية. ويرجّح خبراء ومحلّلون في الشّأن السّوري، أن تشهد الأيّام القادمة معارك ساخنة وحاسمة لدى كلّ الأطراف المتصارعة، ما سيغيّر موازين القوى لصالح القوّات المعادية لتنظيم الدّولة الإسلاميّة".

وكما كتبنا في شهر كانون الثاني/يناير، "إذا نجح الجيش السّوري، الذي يدعمه حلفاؤه الإيرانيّون والرّوس، باستعادة حلب، ستتحرّر المدينة عبر الهزيمة المباشرة للإرهابيّين والمجموعات المسلّحة التي بدأت بالفعل بمغادرة ساحة المعركة. سيكون نصر الحكومة من نوع آخر، وسيكون له وقع مختلف عن الرحيل المتفاوض عليه لقوات المعارضة المسلّحة المحاصرة في حمص وحول دمشق. سيشهد شعب حلب على نصر كامل للحكومة وعلى هزيمة ورحيل للمجموعات المسلّحة. ... قد يرسم نصر الحكومة السّوريّة في حلب بداية النهاية للعقليّة المذهبيّة التي كانت غريبة عن المدينة قبل العام 2011، وما من مدينة أفضل لتبدأ فيها مرحلة شفاء سوريا. سيصعّب نصر الحكومة السّوريّة في حلب تبرير الدّعم الغربي للمجموعات الجهاديّة التي تريد مواصلة القتال في باقي أنحاء البلاد على الرّغم من صعوبة تحقيق أيّ نصر. ومع الوقت، قد يفضّل كلّ من داعش وتنظيم القاعدة أن يبدآ بالانتقال إلى ليبيا ودول أخرى حيث بإمكانهما تفادي ما يتعرّضان له من قصف من التحالف الذي تقوده الولايات المتّحدة ضدّ داعش، ومن القوات السّوريّة التي يدعمها الرّوس والإيرانيّون. ربّما بدأ ذلك بالفعل، وإذا كان هذا هو الحال، يجب أن يرحّب به كلّ من يريد رؤية سوريا موحّدة، وعلمانيّة وغير طائفيّة، كما ورد في بيان فيينا، وكما جرت العادة في حلب".