تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

قضية سماحة والحوار المهدد

عودة سماحة إلى السجن بقرار من المحكمة العسكرية التمييزية قد يهدىء بعض الخواطر وينقذ حوار المستقبل حزب الله ولكن دون إطفاء النار المذهبية أشواط وأشواط.
RTX22F6G.jpg

لم يكد ميشال سماحة يخرج من السجن في 14-1-2016 على أثر قرار محكمة التمييز العسكريّة بإخلاء سبيله، حتّى عاد إليه في 8-4-2016 لينفّذ حكماً مبرماً لا رجوع عنه أصدرته المحكمة عينها بسجنه 13 سنة مع الأشغال الشاقّة وتجريده من حقوقه المدنيّة. جاء هذا الحكم مناقضاً إذاً لحكم البداية في١٤ كانون الثاني/يناير من عام ٢٠١٦، الّذي قرّر في شكل مفاجئ إخلاء سبيل سماحة بعد مضيّه 3 سنوات و6 أشهر في السجن ما أشعل غضب الشارع السني، إذ أن سماحة كان ينوي تنفيذ مخطط لنشر الفتنة المذهبية في لبنان بالتعاون مع النظام السوري. والمعلوم أنّ الوزير السابق والقريب من النظام السوريّ كان قد أوقف في 9-8-2012 بتهمة نقل المتفجّرات من سوريا إلى لبنان في سيّارته الخاصّة والتّخطيط لإغتيال قيادات سياسيّة لبنانيّة، وهذا ما حمل قاضي التحقيق العسكريّ الأوّل رياض أبو غيدا إلى إصدار قراره الإتهاميّ في 20 شباط/فبراير من عام 2013، طالباً عقوبة الإعدام لكلّ من سماحة واللّواء علي المملوك أحد أركان نظام الأمن السوريّ.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ حكم البداية، ولأنّه جاء مخفّفاً، أثار موجة من الإعتراضات، لا سيّما عند الفريق المناوىء للنظام السوريّ وحليفه "حزب اللّه". كما أثار موجة غضب لدى الشارع السنيّ تحديداً في لحظة يعيش لبنان والمنطقة غلياناً مذهبيّاً، لا سيّما بين السنّة والشيعة. ولا شكّ في أنّ قرار المحكمة الأخير يصبّ في إتّجاه إستيعاب هذا السخط الكبير والحؤول دون إنفجار الشارع السنيّ غضباً. وهنا، لا بدّ من التوقّف عند غياب الأصوات المعترضة على الحكم الأخير، لا سيّما تلك الّتي كانت قد تضامنت معه عند توقيفه وعلى رأسها "حزب الله". وقد يفيد التذكير أنّ رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة"- كتلة "حزب الله في البرلمان اللبنانيّ النائب محمد رعد كان قد رفع السقف بعد تأييده خطوة إخلاء سبيله في 14-1-2016.

أمّا اليوم فاختلفت الصورة، سماحة عاد إلى السجن ليكمل حكم الـ13 عاماً إعتقالاً، وخفتت الأصوات المتضامنة معه، حتّى أنّ أبرز المقرّبين من محور الممانعة والوجه الأكثر حدّة في صفوف 8 آذار جميل السيّد قال في 8 نيسان/أبريل من عام 2016 عقب إصدار الحكم المبرم: "موقفي من سماحة هو نفسه"، في إشارة إلى تغريدة كان أطلقها في 15-1-2016 عند الإفراج عنه، وقال فيها ثقتي... ومن اليوم وصاعداً كلّ في طريقه".

يأتي هذا الحكم النهائيّ على خلفيّة حوار بدأ في كانون الأول 2014 لم يتوقّف بين تيّار "المستقبل" و"حزب الله"، والّذي يعقد جلسته المقبلة في 10 أيّار/مايو من عام 2016، محدّداً جدول أعماله ببندين "تخفيف الإحتقان المذهبيّ ومحاولة إيجاد حلّ لأزمة رئاسة الجمهوريّة"... حوار قائم ومستمرّ، رغم السجال السياسيّ بين الفريقين على خلفيّة الحرب في سوريا والأزمة المستجدّة مع المملكة العربيّة السعوديّة. وإنّ أحد تجليّات هذا الحوار بين "المستقبل" و"حزب الله" تمثّل في رفض وزير الداخليّة والبلديّات نهاد المشنوق تأييد اعتبار "حزب الله" منظّمة إرهابيّة. وكان هذا القرار قد صدر عن مؤتمر وزراء الداخليّة العرب في 2-3-2016. وليست أقلّها أهميّة، الدعوة غير المباشرة الّتي وجّهها رئيس تيّار "المستقبل" النائب سعد الحريري إلى الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصر الله لملاقاته في نصف الطريق خلال مقابلة تلفزيونيّة أجراها في برنامج كلام الناس غلى قناة الـ "أل بي سي" في 10-3-2016. وهنا، لا بدّ من التوقّف عند أهميّة خطوة سعد الحريري بترشيح النائب سليمان فرنجيّة، أحد اقطاب 8 آذار والمقرّب من "حزب الله" لرئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة. وتظهر تجليات سياسة الحرير في الإنفتاح على حزب اللع من خلال تسميته لسليمان فرنجية، أحد أقطاب فريق 8 آذار وخليف لحزب الله كمرشحه لمقعد الرئاسة.

واللاّفت أنّ قضيّة سماحة ألقت بتداعياتها على تيّار "المستقبل"، وكانت سبباً لتباين حادّ في ما بين أقطابه. وإنّ الظاهرة الأبرز تمثّلت بوزير العدل أشرف ريفي الّذي استقال من الحكومة في 20-2-2016 رفضاً لقرار إخلاء سبيل سماحة، ممّا ساهم في استنباض قلوب الشارع السنيّ الّذي بدأ ينظر إلى أشرف ريفي من عين القائد لا الوزير. استقالة ريفي اعتبرها سعد الحريري أنّها لا تمثّله، والتباين بلغ حدّ الانقسام مع كلام صدر عن مستشار الحريري الدكتور غطّاس خوري في مقابلة تلفزيونية بـ10-4-2016 على شاشة الـ أم.تي.في. قال فيها صراحة: "لا يوجد إلى اليوم أيّ مسعى للقاء الرئيس الحريري والوزير ريفي”. ولا شكّ في أنّ قرار المحكمة الأخير يعيد الإعتبار إلى منطق الحريري، الّذي آثر عدم الإستقالة من الحكومة، وأيضاً إلى منطق" الحوار" مع "حزب الله"، فالحريري حصل على قرار عادل من المحكمة وتفادى عرقلة حزب الله.

أمّا عن صمت "حزب الله" عقب قرار المحكمة الأخير وانحسار الأصوات المتضامنة، قال المحرّر السياسيّ في جريدة الـ"أوريان لوجور" ميشال حجّي جورج في حديث لـ"المونيتور": "النقطة الأهمّ الّتي دفعت محور الممانعة المتمثّل بحزب الله وحلفائه إلى التخلّي عن سماحة هي الإحراج الشديد الّذي يشكلّه الأخير للمقاومة خصوصاً. للمرّة الأولى، يكشف بالجرم المشهود ناقلاً المتفجّرات في سيّارته الخاصّة من سوريا الى لبنان. وللمرّة الأولى أيضاً، تكشف أدلّة عن تورط اللواء علي المملوك أيّ النّظام السوريّ مباشرة".

فهل قرار المحكمة الأخير بإعادة سماحة إلى السجن كاف لسحب فتيل الإحتقان المذهبيّ؟ الأمور الخلافيّة أكبر بكثير، وليس أقلّها قتال "حزب الله" بجانب النّظام في سوريا وتورّطه أيضاً في الحرب اليمنيّة وحملته على المملكة العربيّة السعوديّة ودول الخليج. عودة سماحة إلى السجن قد تكون مجرّد مهدّىء، ينقذ "الحوار" بين "المستقبل" و"حزب الله" ويقطع الطريق أمام "الصقور" أمثال ريفي. أمّا سماحة فهو شخص أعدم سياسيّاً ومجتمعيّاً من قبل قوى 8 و14 آذار على حدّ سواء، وبات دخوله إلى السجن اليوم أو خروجه منه غداً مجرّد ورقة معنويّة للسنّة، لكنّ لا دور لها في التسوية الكبيرة.

More from Sami Nader

Recommended Articles