تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ترسيم الحدود البحريّة بين الرياض والقاهرة... لماذا الآن؟

الرياض الّتي تفضل التّعامل مع المؤسّسة العسكريّة الحاكمة في مصر، تنظر الآن إلى جزيرتي تيران وصنافير بكلّ ما تحتويانه من ثروات طبيعيّة محتملة ومن موقع استراتيجيّ يربط بين دول الخليج العربيّ وإفريقيا، على أنّهما مصدر من مصادر الدخل غير النفطيّة الّتي يستهدفها برنامج التحول الوطني في السعودية .
Tiran.jpg

اندلعت في العاصمة المصريّة القاهرة مظاهرات شعبيّة غاضبة في 15 نيسان/إبريل الحاليّ ضدّ إتفاقيّة ترسيم الحدود البحريّة، الّتي وقّعتها الحكومتين المصريّة والسعوديّة خلال زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز للقاهرة، الّتي بدأها في 7 نيسان/إبريل الحاليّ، واستمرّت خمسة أيّام، وهي الأولى له منذ تولّيه الحكم في 23 كانون الثاني/يناير من عام 2015. ونتيجة لإتفاقيّة ترسيم الحدود البحريّة السعوديّة - المصريّة الحاليّة، أقرّت الحكومة المصريّة رسميّاً بملكيّة المملكة العربيّة السعوديّة لجزيرتي تيران وصنافير في ساحل البحر الأحمر المحاذي لمدينة تبوك السعوديّة "شمال غرب" عند مدخل خليج العقبة. وكانت قد خضعت الجزيرتان إلى الحماية المصريّة في عهد الملك فاروق "ملك مصر" عام 1950 بطلب من المؤسّس الملك عبد العزيز آل سعود "ملك السعوديّة"، الّذي لم يكن يملك قوّة بحريّة تحمي الجزيرتين حينها من توسّعات إسرائيل بعد حرب فلسطين، الّتي هزمت فيها الجيوش العربيّة في عام 1948.

ولأنّ الرئيس الأسبق محمّد أنور السادات اعتبر الجزيرتين تابعتين للحجاز، ولم يطالب بضمّهما إلى إتفاقيّة السلام بين مصر وإسرائيل الموقّعة في العاصمة الأميركيّة واشنطن في 26 آذار/مارس من عام 1979 بعد إتّفاق كامب ديفيد في 17 أيلول/سبتمبر من عام 1978، فان الاتفاقية لم تحدد ملكيتها لا لمصر ولا لإسرائيل وتمّت الاشارة إلى جزيرتي صنافير وتيران ضمن المادّة الخامسة الّتي تنصّ على أنّ مضيق تيران وخليج العقبة من الممرّات المائيّة الدوليّة المفتوحة لكلّ الدول من دون عائق، ولم تطالب بهما السعوديّة وقتها حتّى لا تكون لها علاقات مباشرة بإسرائيل ولعدم وجود حاجة ملحّة إليهما.

ولقد جاءت إتفاقيّة ترسيم الحدود بين الرياض والقاهرة ضمن حزمة من الإتفاقيّات بلغت 21 إتفاقيّة إقتصاديّة بقيمة إجماليّة بلغت 25 مليار دولار، منها صندوق استثماريّ مشترك بمبلغ 16 مليار دولار، إضافة إلى إنشاء منطقة تجارة حرّة في سيناء وتمويل سعوديّ لمشاريع تشييد تجمّعات سكنيّة وزراعيّة في شبه جزيرة سيناء بقيمة إجماليّة قدرها 1,5 مليار دولار، فضلاً عن الإتّفاق الّذي وقّعته الهيئة المصريّة العامّة للبترول مع شركة "أرامكو" السعوديّة، قبل أيّام من زيارة العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، والّذي ينصّ على تزويد مصر بحاجاتها البتروليّة لمدّة خمس سنوات بقيمة إجماليّة بلغت 23 مليار دولار وبواقع 700 ألف طنّ شهريّاً، قيمة العقد 23 مليار دولار بفائدة اثنين في المئة، وسيتمّ السداد على 15 سنة.

وكما يظهر من مضمون الإتفاقيّات الموقّعة بين الرياض والقاهرة، أنّ ثمّة تحوّلات جديدة في سياسة الدعم السعوديّ لمصر، التحوّل الأول، أنّ الدعم سيعتمد على الاستثمارات ذات الجدوى الإقتصاديّة الّتي يشارك فيها القطاع الخاص السعوديّ، أيّ أنّ السعوديّة لن تقدّم مساعدات ماليّة مباشرة، كما كان في عهد الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز، بسبب العجز الماليّ الّذي تعاني منه منذ عام 2015 والبالغ حينها (367 مليار ريال) 98 مليار دولار، والّذي دفعها إلى ترشيد الإنفاق الحكوميّ وفرض مزيد من الرسوم والضرائب على مواطنيها، إضافة إلى الاقتراض من المصارف الأجنبية، لا سيما الأوروبية والأمريكية واليابانية. كما أنّ السعودية لم تجد تأثيراً إيجابيّاً لتلك المساعدات الماليّة المباشرة الّتي منحتها سابقا إلى حكومة الرئيس عبد الفتّاح السيسي في دعم سياستها في اليمن وسوريا وإيران، ولم تلمس أيّ تأثير لمساعداتها على تحسين الوضع المعيشيّ داخل مصر.

والتحوّل الآخر، أنّ الدعم السعوديّ لن يكون مجّاناً بلا مقابل، وكلّ ما ستقدّمه السعوديّة ستتّخذ في مقابله مواقف سياسيّة كدعم السياسة السعوديّة داخل الجامعة العربيّة ومنظّمة التّعاون الإسلاميّ ضدّ إيران و"حزب الله"، أو عسكريّة كانضمام مصر إلى التّحالف الإسلاميّ العسكري بقيادة السعوديّة. ورغم أنّ الجزيرتين هما عبارة عن محميّات طبيعيّة لا يكاد يسمع عنهما كثيراً من المصريّين المثقلين بهمومهم المعيشيّة والأمنيّة، إلاّ في حدود ما تعلنه وكالات السياحة من وقت إلى آخر عن برامجها السياحيّة للغوص والاستجمام في جزيرة تيران للأجانب وقلّة من المصريّين القادرين ماليّاً، إلاّ أنّ المعارضين المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين و"حركة 6 إبريل"، الّذين قرّروا الخروج في مظاهرات "جمعة الأرض" في 15 ابريل/نيسان الحاليّ تجاوزوا كلّ الفوائد والعوائد الإقتصاديّة المتوقّعة لصالح مصر، وركّزوا على إثارة عواطف المصريّين بتشبيه موافقة عبد الفتّاح السيسي على إعادة الجزيرتين إلى السعوديّة على أنّها بيع للأرض وخيانة للبلد من خلال هشتاك #عواد_باع_أرضه، الّذي أطلقه معارضون للسيسي على "تويتر" في 9 نيسان/إبريل الحاليّ. في إشارة الى القصة الفلكلورية التي تحكي قصة فلاح اسمه عواد باع أرضه للاقتران براقصة فاصبح محل سخرية أهل القرية.

ويبدو أنّ المشكلة الحقيقيّة للغاضبين كانت مع شخص السيسي وطريقة إدارته للبلاد. ولذلك، سرعان ما تراجعت عبارة الأرض من هتافاتهم، وبدأت الأصوات تنادي بإسقاط النّظام، ولم يلتفت الغاضبون إلى الوثائق الّتي نشرها مركز المعلومات ودعم اتّخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصريّ، الّتي تؤكّد سلامة موقف الحكومة المصريّة وأنّ الجزيرتين ملك للسعوديّة، ولم يهتمّوا بخطاب السيسي السياسيّ الموجّه إلى المصريّين في 13 نيسان/إبريل الحاليّ وفيه أكّد أنّ مصر لم تتنازل، بل أعادت إلى السعوديّة حقّها وفقاً للقانون المصريّ.

إنّ الرياض الّتي تفضل التّعامل مع المؤسّسة العسكريّة الحاكمة في مصر، تنظر الآن إلى جزيرتي تيران وصنافير بكلّ ما تحتويانه من ثروات طبيعيّة محتملة ومن موقع استراتيجيّ يربط بين دول الخليج العربيّ وإفريقيا، على أنّهما مصدر من مصادر الدخل غير النفطيّة الّتي يستهدفها برنامج "التحوّل الوطنيّ"، الّذي أعلنت عنه السعوديّة في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2015، والذّي يهدف إلى تنويع مصادر الدخل والتخفيف من الاعتماد على النّفط الّذي سجّلت أسعاره انخفاضا حادّاً ساهم في تسجيل عجز ماليّ بلغ 87 مليار دولار في ميزانيّتها لعام 2016 البالغة 224 مليار دولار.

كما أنّ الرياض قد تضطرّ قريباً إلى اتّخاذ خطوات جريئة نحو الانفتاح الثقافيّ داخليّاً، والسياسيّ خارجيّاً، لدعم موقعها القياديّ الجديد الّذي تبنّته السياسة السعوديّة في منطقة الشرق الأوسط منذ إعلان الرئيس الأميركيّ باراك أوباما في خطاب حال الإتّحاد في كانون الثاني/يناير من عام 2015 عن خطّة واشنطن في التخفيف من مشاركتها العسكريّة المباشرة في الشرق الأوسط والاعتماد على تحالفات دول المنطقة.

ويبدو أنّ انخراط الرياض وتلّ أبيب في اتّصالات جديّة في المستقبل القريب لن يكون مستغرباً، في ظلّ القرار الجريء، الّذي أعلنهقة مباشرة في المستقبل القريبد لعازلها عن تواصل مع تل ابيب وقد يكون الرئيس عبدالفتاح السيسي السيسي بإعادة جزيرتي تيران وصنافير إلى سيادة المملكة العربية السعوديّة.

More from Ibrahim al-Hatlani

Recommended Articles