تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل تنتصر الدولة في حربها ضدّ النقابات المستقلّة في مصر؟

RTX1NS34.jpg

في محاولة للقضاء نهائيّاً على التّنظيم النقابيّ في مصر وضرب كلّ الموادّ الدستوريّة الّتي تتيح حقّ التّنظيم النقابيّ عرض الحائط، أصدرت الدولة قراراً في 1 آذار/مارس الجاري بوقف اعتماد أختام النقابات المستقلّة بكلّ مستوياتها ومسميّاتها على أيّ أوراق وحظر التّعامل معها نهائيّاً بإعتبارها كياناً غير شرعيّ. وجاء هذا القرار، بعد سلسة طويلة من الصراع الدائر لأكثر من خمس سنوات بين النقابات المستقلّة من جهة، والدولة ممثّلة في وزارة القوى العاملة - الجهة المنوط بها متابعة العمل النقابيّ فى مصر وتنظيمه – من جهة أخرى، حيث بدأت عشرات النقابات المستقلّة في تأسيس نفسها تعبيراً عن مطالب العمّال وتطلعاتهم، عقب اندلاع ثورة 25 كانون الثاني/يناير من عام 2011 .

ومع مرور الوقت، زاد تأثير النقابات المستقلّة على أعضائها من العمال، الّذين وجدوها كياناً مدافعاً عنهم، فرئيسها منتخب من بينهم، وهو يسعى إلى تلبية مطالبهم وأخذ حقوقهم، وتركوا الإتحاد العام لنقابات عمّال مصر- الإتّحاد الرسميّ الموالي للدولة - بعد أن أخفق في توحيد العمّال تحت مظلّته .

وإن وزارة الداخليّة قالت إنّ قرارها جاء  بناء على طلب من وزارة القوى العاملة الّتي أوصت من خلاله بوقف اعتماد هذه النقابات المستقلّة، بإعتبارها كياناً غير شرعيّ، لأنّها لا تخضع إلى أحكام القانون 35 لسنة 1976 الخاص بتنظيم العمل النقابيّ، الّذي يحظر التعدّد النقابيّ. وتنصّ المادّة 13 من القانون رقم 35 لسنة 1976 الخاص بتنظيم العمل النقابيّ في مصر، على أنّ للعمّال المشتغلين فى مجموعات مهنيّة واحدة أو صناعات متماثلة أو مترابطة ببعضها أو مشتركة فى إنتاج واحد، الحقّ فى تكوين نقابة عامّة واحدة على مستوى الجمهوريّة من دون غيرها.

وتعقيباً على ما ورد في القانون، قال نائب رئيس إتّحاد عمّال مصر الديموقراطيّ هاني عفيفي-  وهو إتّحاد مستقلّ- في تصريحات خاصّة لـ"المونيتور": "هذا القانون معيب، وليست له قيمة أو عمل، لأنّه مخالف للمادّة 76 من الدستور المصريّ، الّذي أتاح التعدديّة النقابيّة وكفل للعمّال الحقّ في التّنظيم النقابيّ بمجرّد الإخطار، وما يهمّنا هي النصوص الدستوريّة. وعلى الحكومة أن توفّق أوضاعها طبقاً للدستور، وألاّ تطبق قانوناً مخالفاً له".

أضاف: "قامت ثورة 25 كانون الثاني/يناير المجيدة من أجل الحريّة والقضاء على الفساد. وبالفعل، حصلنا على حريّتنا وأسقطنا الدستور والقوانين المعيبة، وأنشأنا إتّحاد عمّال مصر الديموقراطيّ، كياناً مستقلاًّ يعبّر عنّا، ندافع عن أنفسنا من خلاله، فلا عودة إلى الوراء. وتطبيق هذا القانون يمثّل إنتهاكاً صارخاً للدستور فكيف تتجرّأ الحكومة على مخالفة الدستور؟.

وتنصّ المادّة 76 من الدستور على أنّ إنشاء النقابات والإتّحادات على أساس ديموقراطيّ حقّ يكفله القانون. وتكون لها الشخصيّة الاعتبارية، وتمارس نشاطها بحريّة، وتسهم فى رفع مستوى الكفاءة بين أعضائها والدفاع عن حقوقهم، وحماية مصالحهم. وتكفل الدولة استقلال النقابات والإتحادات، وألا يجوز حلّ مجالس إدارتها إلاّ بحكم قضائيّ.

وقال هاني عفيفي في تصريحاته لـ"المونيتور": "لدينا في الإتّحاد 125 نقابة مستقلّة وأكثر من 800 ألف عامل، جميعهم تركوا الإتّحاد العام الممثّل للدولة وقرّروا الانضمام إلينا، لأنّ الأوّل لم يقدّم إليهم شيئاً، ولم ينتخب العمّال ممثّليهم، فكيف يعبّر عن العمّال شخص معيّن من الدولة؟!".

أضاف: "لماذا ترفض الدولة تطبيق أحكام الدستور وتماطل فى إصدار قانون الحريّات النقابيّة الّتي أعلنت الوزارة عن البدء به منذ عامين؟ لماذا تحاول الدولة قمع العمّال بقانون مضى عليه أكثر من 40 عاماً، وأسقطه الدستور؟ فهذه المحاولات لن تؤثّر علينا في شيء، ونحن سنناضل حتّى نأخذ حقوقنا المسلوبة، ونمارس الحريّة المطلقة في التنظم، كما أقرّه الدستور".

ودشّن المؤتمر الدائم لعمّال الإسكندريّة حملة سمّيت بـ"معاً للحريّات النقابيّة"، طالب من خلالها الحكومة بالانحياز إلى رغبات العمّال وتطلّعاتهم وتنفيذ ما تضمّنه الدستور من حريّة إنشاء النقابات من دون قيد أو شرط. وأعلنت الحملة عن اتّخاذها خطوات واضحة للضغط على الحكومة، تتضمّن تنظيم ندوات ولقاءات مع العمّال من مختلف محافظات الجمهوريّة وجمع تواقيع منهم تفيد رفضهم للقرار، إضافة إلى رفع دعاوى قضائيّة لمخالفة وزارة القوى العاملة للدستور .

وطالب نائب رئيس المؤتمر الدائم لعمّال الإسكندريّة خالد طوسون في تصريحات صحافيّة الدولة بالخروج من هذا النفق المظلم الّذي سيؤثّر سلباً على أوضاعها الإقتصاديّة، وأن تنحاز إلى الإتفاقيّات العماليّة الدوليّة الّتي وقّعتها، وأن تعلن صراحة تأييدها للطبقة العاملة ولحقّها في إنشاء نقابات مستقلّة .

ووقّعت مصر على إتفاقيّة العمل الدوليّة رقم 87 لسنة 1948، الّتي تنصّ في مادّتيها الثانية والثالثة على أحقيّة العمّال في تكوين الإتّحادات والتنظيمات الّتي يختارونها من دون قيد أو شرط، وأن يضعوا لوائحها وقوانينها، وينظّموا إدارتها ونشاطها بحريّة كاملة. كما نصّت في مادّتها الثامنة على أنّه لا يجوز لقانون البلد المساس بالضمانات المنصوص عليها في هذه الإتفاقيّة .

وتنصّ المادّة 93 من الدستور على التزام الدولة بالإتفاقيّات والعهود والمواثيق الدوليّة لحقوق الإنسان، الّتي تصدّق عليها مصر، وتصبح لها قوّة القانون بعد نشرها وفقاً للأوضاع المقرّرة.

وفي تصريحات خاصّة لـ"المونيتور"، شنّ نائب رئيس إتّحاد عمّال مصر عبد المنعم الجمل هجوماً شرساً على النقابات المستقلّة، وطالبهم باحترام القانون والرجوع إلى الإتّحاد العام الّذي يعدّ الكيان الشرعيّ الوحيد باعتراف الدولة، قائلاً: "القانون رقم 35 لسنة 1976 هو المنظّم الوحيد لإنشاء النقابات والإتّحادات المستقلّة، وحتّى الآن لم تقم الحكومة بإجراء تعديلات عليه لما يوافق الدستور، ولحين أن تقرّ الحكومة قانوناً جديداً، فإنّ النقابات المستقلّة ملغيّة ولا وجود لها" .

وعن الإتّهامات الموجّهة للإتّحاد بأنّه لم يقدّم إلى العمّال شيئاً طيلة الـ60 سنة الماضية، ردّ عبد المنعم الجمل قائلاً: "إذا كان الإتّحاد العام لم يفعل شيئاً للعامل، فأريد أن يحدّثني أحد عمّا فعلته النقابات المستقلّة للعامل طيلة الخمس سنوات الماضية منذ تأسيسها. للأسف الشديد، استغلّ بعض العمال الفوضّى الّتي أعقبت ثورة كانون الثاني/يناير، وأنشأ كيانات وهميّة، وحصل على تمويلات من الخارج من دون رقابة من أحد. وعلينا الآن تصحيح المسار بالعمل تحت مظلّة الإتّحاد الرسميّ من دون غيره" .