تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يصحّ وصف زهران علّوش رجل التنبّؤات بإقامة نظام الخلافة الإسلاميّ بالمعتدل؟

يؤيّد زهران علّوش فكرة الخلافة الإسلاميّة والاعتماد على الشريعة الإسلاميّة، بما فيها قوانين العقوبات الدينيّة في النظام القضائيّ، كما أدار هو نفسه محاكم دينيّة في مناطق سيطرته في سوريا... فلماذا استحقّ وصفه بالرجل المعتدل؟
RTX2027P.jpg

قتل القائد العسكريّ العام للجبهة الإسلاميّة المعارضة للحكومة السوريّة زهران علّوش في ضربة جويّة يعتقد أنّها من طائرة روسيّة في 25 كانون الأوّل/ديسمبر استهدفت قرية أوتايا شرق دمشق. كان علّوش قائد جماعة "جيش الإسلام" حتّى عام 2013، ثمّ اندمجت جماعته مع جماعات معارضة مسلّحة أخرى ضمن الجبهة الإسلاميّة، التي تعدّ إحدى أقوى الجماعات المسلّحة المعارضة في سوريا.

يصف بعض وسائل الإعلام وساسة في الولايات المتحدة، مثل السفير الامريكي السابق لدى سوريا روبرت فورد الذي هو في معسكر كلينتون، علّوش بأنّه من قيادات المعارضة المعتدلة المدعومة من السعوديّة وتركيا. والمعروف أنّه زار تركيا مرّات وحضر اجتماعات علنيّة فيها، منها احتفاليّة "رابطة خطباء الشام" في اسطنبول في نيسان/أبريل 2015، ويعتقد أنّه من الشخصيّات الأساسيّة التي يعوّل عليها في مشروع تحالف تركيّ–سعوديّ لإسقاط بشّار الأسد.

وقال جمال خاشقجي المقرب من النظام السعودي بعد وصول علوش إلى تركيا في نيسان/أبريل 2015 إنه مع وصول علوش، أصبح التحالف السعودي-التركي-القطري جاهز للبدء.

ما يلفت النظر في شخصيّة علّوش اعتماده على التنبّؤات الدينيّة في شأن مستقبل سوريا على وجه التحديد، والمنطقة في وجه عامّ. ومن يتابع سيرته الشخصيّة، يجد أنّ سلوكه السياسيّ والعسكريّ يتأثّر برؤاه التنبّؤيّة، وأنّ هناك تأثيراً كبيراً لهذه الرؤى على قراراته السياسيّة والعسكريّة، وبناء تحالفاته الداخليّة والإقليميّة.

في مقطع فيديو نشره في أيلول/سبتمبر 2013 من مكان يدعى قصر عاشر خلفاء بني ‌أميّة هشام بن عبد الملك في مدينة الرصافة في الجنوب الغربي من مدينة الرقة، عاصمة داعش، أعلن علّوش بشرى إنشاء خلافة بني‌ أميّة من جديد في أرض الشام والبلاد الإسلاميّة الأخرى. وكان بنو ‌أميّة قد حكموا العالم الإسلاميّ بين عامي 661 و750م، وأسّسوا إمبراطوريّة وصلت إلى حدود الصين، وعرف عنهم اضطهادهم الجماعات الشيعيّة الأولى، من هنا بغضتهم الطائفة الشيعيّة وتبرّأت منهم. وقال علّوش مخاطباً الشيعة في الفيديو نفسه: "الشيعة الأنجاس، سنطأ رؤوسكم في النجف انشاء الله، وسيعود مجد بني أميّة إلى الشام على الرغم من أنوفكم". وأكمل علّوش خطابه المعادي للشيعة، مستنداً إلى نبوءة جاءت في روايات سنّيّة عن النبّيّ محمّد قائلاً: "وليس الأمر لكم، (فقد) بشّر الرسول أنّه سيكون الأمر إلى أن تكونوا أجناداً مجنّدة : جنداً في الشام، وجنداً في اليمن، وجنداً في العراق... فعليك بالشام فإنّها خيرة الله من أرضه، فإنّ الله تكفّل لي (أي النبّي محمّد) بالشام وأهله". ثمّ يضيف: "زعموا (الشيعة) أن لا تكون دولة على غرار دولة بني أميّة... (ولكن) كما حطّم بني أميّة رؤوسكم سابقاً سيحطّم أهل الشام رؤوسكم لاحقاً، أيّها الرافضة الأنجاس".

والحال أنّ خطاب علّوش يعيد إنتاج الرؤيا السلفيّة في نظام الحكم، رؤيا تحلم بإرجاع نظام الخلافة في الحكم، كما أنّ معاداته للشيعة تستند إلى هذه الرؤيا نفسها. لا شكّ أنّ خلفيّته الدراسيّة السلفية تدعم هذا السلوك، فقد ترعرع في أسرة سلفيّة عريقة في سوريا، ثمّ تلقّى دروسه الدينيّة في الجامعة الإسلاميّة في السعوديّة التي تنتهج المنهج السلفيّ الوهابيّ في نظامها التدريسيّ. وهذا ما أكّده علّوش نفسه في حوارات أجريت معه في مواقع مختلفة، أبدى فيها بوضوح معارضته الأنظمة الديمقراطيّة في وجه عام والنظام الجمهوريّ على وجه التحديد. ودعا إلى تأسيس دولة إسلاميّة بعد رحيل الأسد، ولم يعارض فكرة تأسيس الخلافة الإسلاميّة، وأكّد ضرورة الاعتماد على الشريعة الإسلاميّة، بما فيها قوانين العقوبات الدينيّة في النظام القضائيّ للبلد، كما أدار هو نفسه محاكم دينيّة في مناطق سيطرته في سوريا.

من المستغرب وصف شخص بهذه الأفكار بأنّه من القيادات المعتدلة، ويبدو أنّ تبرير ذلك ناتج عن أنّه لم يعارض فكرة التعاون مع الأنظمة الغربيّة في إسقاط نظام الأسد، كما أنّه لا يعادي النظام السعوديّ والأنظمة العربيّة الأخرى، على عكس تنظيمي القاعدة و"داعش" المتشدّدين. فتنظيم "داعش" يرفض التعاون مع الأنظمة السنية والغرب، حتى إذا كان لديهم عدو مشترك مثل الأسد في حالة سوريا، والحكومة الشيعية في حالة العراق.

لكنّ هناك من الوقائع ما يشكّك في هذا الوصف ويعارضه، فقد عرف عن علوش تأييده جبهة النصرة التي هي الواجهة الرسميّة لتنظيم القاعدة في سوريا، كما أنّ لقاءاته المتكرّرة مع قادتها غير خافية. ونرى أنّه لا يمكن فهم علّوش إلّا داخل سياقات الفكر السلفيّ الجهاديّ، فهو في النهاية ينتمي إلى هذه الإيديولوجيّة الدينيّة التي توصف بمجموعها بالتشدّد، ولا يمكن أن تكون غير ذلك، بسبب اعتمادها على العنف في الحياة السياسيّة.

إزاء ذلك، تشترك كلّ الاتّجاهات السلفيّة في رؤاها التنبّؤية في شأن المستقبل حسب الترتيب الآتي: كان هناك في البدء خلفاء بعد النبّيّ، وسيأتي من بعد الخلفاء أمراء وملوك، ومن ثمّ سيرجع الأمر ثانية إلى خلافة على منهاج النبوّة. هذه هي الرؤيا باختصار، والسلفيّون بكلّ فصائلهم يؤمنون بها، وهم في انتظارها أو يخطّطون لتحقيق وعد الخلافة الإسلاميّة في النهاية. والحال أنّ هناك اختلافات في الصورة التي ترسمها الجماعات السلفيّة لتلك الخلافة وكيفيّة ظهورها، فهي مختلفة باختلاف اجتهادات أصحابها، فأمثال علّوش يرون أنّ الخلافة ستظهر في آخر الزمان، وهي ستكون على نمط الخلافة الأمويّة، وتتحقّق بعمل تدريجيّ وبصيغة براغماتيّة، وهناك من يذهب إلى تبنّي صورة أكثر طوباويّة وأكثر جذريّة ونزعة إراديّة، مثل تنظيم "داعش".

ويرى "داعش" أن الوحي في آخر الزمان سيؤدي إلى إنشاء دولة إسلامية تختلف جذريا عن تاريخ الإسلام، باستثناء عهد النبي وأصحابه. من ناحية أخرى، إن الرؤية التنبّؤية لدى علوش وجماعات إسلامية أخرى تقضي بأن المستقبل يتماشى مع نماذج الحكم السنية طوال تاريخ الإسلام، والنماذج الحالية، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية والتي لا يمانع علوش التعاون معها.

إذاً، ما يوصف بالاعتدال في منهج علّوش وأمثاله يتلخّص بقبولهم التعاون مع الدول الغربيّة والإقليميّة وأخذ الدعم منها، ولكن بهدف تحقيق تنبّؤاتهم الدينيّة، في حين أنّ التنظيمات الأكثر تشدّداً مثل تنظيم "داعش" ترفض ذلك بشدّة، وفي كلّ الأحوال، الخلاف يرجع إلى التكتيك المرحليّ، وليس إلى المبادئ الأساسيّة والأهداف النهائيّة.

هناك مراتب مختلفة من السلفيّة الجهاديّة، تشترك كلّها في حلم إقامة الخلافة الإسلاميّة. صحيح أنّها تختلف في تحقيق هذا الهدف إلّا أنّها تخضع إلى التوجيه العقائديّ نفسه الذي يظهر جليّاً في التعامل التعسّفي مع حقوق المواطنين المدنيّة والفكريّة. من هنا، نرى أنّ استخدام عنوان الاعتدال على الفصائل الأقلّ تشدّداً سياسيّاً ودعمها بمعزل عن عقيدتها، سيؤدّي في النهاية إلى تمرير الممارسات اللاديمقراطيّة، وإلغاء كلّ ما يتعلّق في حقوق الإنسان وقضايا الحريّة، فضلاً عن تقوية الاتّجاهات المتشدّدة.

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

What's included:
Our Expertise AI-driven

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

All premium Industry Newsletters - Monitor the Middle East's most important industries. Prioritize your target industries for weekly review:

  • Capital Markets & Private Equity
  • Venture Capital & Startups
  • Green Energy
  • Supply Chain
  • Sustainable Development
  • Leading Edge Technology
  • Oil & Gas
  • Real Estate & Construction
  • Banking

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial