تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل طلبت واشنطن منع تعامل المصارف اللبنانيّة مع نوّاب ووزراء وشخصيّات سياسيّة لبنانيّة؟

خلال الأسبوع الأوّل من السنة الجديدة، كثر الكلام في بيروت عن إجراءات مصرفيّة تطال نوّاباً ووزراء لبنانيّين تابعين إلى حزب الله، كما عن مقاطعة مصرفيّة لأشخاص قريبين من الحزب نفسه. واستند هذا الكلام إلى حالتين حصلتا مع نائب حاليّ، ومع نجل وزير لبنانيّ سابق. فما هي حقيقة هذا الكلام؟
People walk outside Lebanon's Central Bank in Beirut November 6, 2014. Lebanon's central bank prides itself on being one of the few institutions to survive the country's 15-year civil war intact. Now, as a new war rages in neighbouring Syria, that role is more important than ever. Picture taken November 6, 2014. REUTERS/Jamal Saidi  (LEBANON - Tags: BUSINESS SOCIETY) - RTR4EQW4

أثير في بيروت في الأيّام الماضية كلام كثير في الإعلام والسياسة، حول التأثير العمليّ لقانون أميركيّ صادر أخيراً، قضى بتطبيق عقوبات ضدّ حزب الله، علماً أنّ القانون المذكور كان قد أقرّ في 16 كانون الأوّل/ديسمبر 2015 في الكونغرس الأميركيّ. وهو يطلب من الرئيس الأميركيّ اتّخاذ الإجراءات اللازمة لفرض عقوبات على المؤسّسات الماليّة الأجنبيّة التي تتعامل مع حزب الله أو تلفزيون المنار التابع إليه.

وكان أمين عام حزب الله السيّد حسن نصرالله، قد ردّ في خطاب ألقاه من على شاشة المنار بالذات، في 21 كانون الأوّل/ديسمبر 2015، محذّراً من الانصياع إلى الإجراءات الأميركيّة. وإذ أكّد نصرالله أنّ لا حسابات ماليّة لحزب الله ولا لأيّ من مؤسّساته لدى أيّ من المصارف اللبنانيّة، طالب الحكومة اللبنانيّة بالتنبّه كي لا تؤدّي تلك الإجراءات إلى إلحاق الضرر بالمواطنين اللبنانيّين أو بالمؤسّسات اللبنانيّة.

لكن بعد أيّام، عادت القضيّة إلى الواجهة الإعلاميّة، نتيجة تطوّرين اثنين: أوّلهما كلام صدر في 31 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي في بعض وسائل الإعلام اللبنانيّة عن أنّ مصارف لبنانيّة عمدت فعلاً إلى الاعتذار من نوّاب ووزراء تابعين إلى حزب الله، عن الاستمرار في فتح حسابات مصرفيّة لهم لدى هذه المصارف، من أجل تحويل رواتبهم التي يتقاضونها من الدولة اللبنانيّة إلى هذه الحسابات. أمّا التطوّر الثاني فهو كلام نشر في الإعلام اللبنانيّ أيضاً في 5 كانون الثاني/يناير 2016، عن أنّ مصرفاً لبنانيّاً اعتذر عن فتح حساب مصرفيّ لشابّ هو ابن الوزير اللبنانيّ السابق وئام وهاب، المعروف بتأييده مواقف حزب الله.

غير أنّ التدقيق الذي أجراه موقعنا حيال القضيّتين المذكورتين، أظهر أنّ فيهما الكثير من عدم الدقّة، أو حتّى بعض المبالغة والتعميم. فمصدر مسؤول في مصرف لبنان أكّد لموقعنا أوّلاً، أنّ لا صحّة للكلام عن أنّ العقوبات الأميركيّة المنصوص عنها في القانون المذكور، تطال كلّ تحويل ماليّ في شكل شامل، وهي لا تطال قطعاً الرواتب الحكوميّة الرسميّة، التي تحوّلها وزارة الماليّة اللبنانيّة بالعملة اللبنانيّة الليرة، إالى نوّاب ووزراء لبنانيّين، عبر مصارف لبنانيّة. وكشف المصدر المصرفيّ الذي طلب عدم ذكر اسمه، لموقعنا أنّ حالة واحدة من هذا النوع كانت قد سجّلت فعلاً قبل أيّام، وهي لم تكن مقصودة ولا مستندة إلى إجراءات رسميّة، وقد عولجت فوراً. وشرح المصدر نفسه، أنّه مطلع هذه السنة، من دون أن يحدّد تاريخاً معيّناً، تبلّغ أحد أعضاء البرلمان اللبنانيّ، وهو النائب علي المقداد، من قبل مدير فرع أحد المصارف الذي يتعامل معه ويودع راتبه الحكوميّ لديه في بيروت، أنّه يتمنّى عليه وقف التعامل معه وإقفال حسابه لديه، علماً أنّ النائب المقداد هو من "كتلة الوفاء للمقاومة" البرلمانيّة اللبنانيّة، التابعة إلى حزب الله. لكنّ المقداد عمد إلى الاتّصال بالمسؤولين المعنيّين لدى مصرف لبنان، مستوضحاً منهم حقيقة الرسالة التي نقلها إليها مصرفه المذكور. وقد بادرت الجهّات المتخصّصة لدى المصرف المركزيّ إلى إجراء الاتّصالات اللازمة بإدارة المصرف المعنيّ، ليتبيّن لها أنّ الطلب الذي تلقّاه النائب المقداد، كان مجرّد تقدير شخصيّ من مدير الفرع الذي يتعامل معه، وهو اجتهاد خاصّ من الموظف المعنيّ لدى هذا المصرف التجاريّ، وليس نتيجة قرار إداريّ رسميّ صادر عن إدارة المصرف. وهو ما أدّى فوراً إلى تراجع الموظّف عن التمنّي الذي نقله إلى النائب المقداد، ومعالجة المسألة كليّاً من دون أيّ رواسب.

من جهّته، وفي اتّصال آخر مع موقعنا، أكّد وزير البيئة السابق وهاب، أنّ ما حصل مع نجله كان مشابهاً للحالة الأولىّ الواقعة مع النائب المقداد. إذ شرح وهاب أنّ نجله كان قد توجّه قبل أيّام إلى أحد فروع مصرف لبنانيّ، طالباً فتح حساب لديه، غير أنّه فوجئ باعتذار الموظّف المسؤول لدى الفرع عن القيام بذلك، من دون أن يعطي الموظّف أي أسباب أو تفسير. لكنّ وهاب، كما أفاد موقعنا، وفور تبلّغه الأمر، بادر إلى الاتّصال بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، عارضاً له ما حصل مع نجله، طالباً إيضاح ملابسات الأمر. ومرّة جديدة، بادر مسؤولو مصرف لبنان إلى الاتّصال بإدارة المصرف الآخر المعنيّ في هذه الحالة، ولم يلبث أن عولج الموضوع وأعيد قبول طلب نجل وهاب فتح حساب مصرفيّ لدى هذا المصرف، بعدما تبيّن مرّة أخرى أنّ ما حصل كان أيضاً نتيجة اجتهاد شخصيّ من موظّف آخر لدى هذا المصرف أيضاً.

غير أنّه على هامش الحالتين المسجّلتين، يكشف المصدر المسؤول في مصرف لبنان لموقعنا، أنّ خلف تصرّفات بعض موظّفي المصارف اللبنانيّة، دافعاً واضحاً يمكن وصفه بالحذر الشديد من ارتكاب أيّ خطأ يمكن أن يؤدّي إلى مشاكل قانونيّة لمؤسّساتهم المصرفيّة مع السلطات الأميركيّة، خصوصاً أنّ تجارب سابقة لا تزال ماثلة في أذهان المصرفيّين اللبنانيّين، أفضت إلى أزمات مصرفيّة مهمّة. فقبل أعوام قليلة، اتّهمت السلطات الأميركيّة مصرفاً لبنانيّاً، هو البنك اللبنانيّ الكنديّ، بالتورّط في شبهة تبييض أموال لصالح أشخاص زعمت أنّهم قريبون من حزب الله. وهو ما أدّى فعليّاً إلى تصفية المصرف نهائيّاً وإقفاله. ففي شباط/فبراير 2011، انفجرت قضيّة البنك اللبنانيّ الكنديّ في بيروت، على خلفيّة وجود حسابات مصرفيّة مشبوهة لديه، عائدة إلى أشخاص تتّهمهم واشنطن بأنّهم من حزب الله. وهي القضيّة التي انتهت إلى تسوية بين مسؤولي المصرف والسلطات الأميركيّة في حزيران/يونيو 2013، قبل أن تعالج المسألة نهائيّاً بفرض تصفية المصرف المذكور وبيعه إلى مصرف لبنانيّ آخر، هو مصرف "سوسييتيه جنرال" في شباط/فبراير 2014.

عاد الأمر نفسه وتكرّر في حزيران/يونيو 2015 مع مصرف لبنانيّ آخر، هو مصرف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ واجهت إدارته اتّهامات من قبل السلطات الأميركيّة بتعامل المصرف مع حسابات لأشخاص مشتبه بهم. وهو ما تمّت معالجته نتيجة تدخّل مصرف لبنان، وبتسوية قضت بتغيير إدارة المصرف المذكور وتسلّم إدارة جديدة له. لذلك، يشير المصدر المسؤول في مصرف لبنان لموقعنا، إلى أنّ هذه التجارب هي ما يفسّر حالة الذعر التي يعانيها بعض الموظّفين في القطاع المصرفيّ اللبنانيّ حاليّاً، والتي تدفعهم إلى اجتهادات شخصيّة من نوع المزايدة في الحذر والحرص، وهو ما حصل مع النائب المقداد ونجل الوزير السابق وهاب. لكنّ المصدر نفسه يختم بأنّ قضيّة التدقيق الأميركيّ في النشاط الماليّ والمصرفيّ في العالم ولبنان ضمنه، تظلّ حاضرة في هذا القطاع، وتقتضي التعامل معها بدقّة، من دون أيّ تهويل ولا أيّ تساهل.

حزب الله من جهته يرفض التعليق على هذه المسألة كلياً. فيما أحد الخبراء المصرفيين يؤكد لموقعنا أن الإجراءات المذكورة لن تؤثر على حزب الله إطلاقاً، لأنه لا يتعامل عبر النظام المصرفي اللبناني بتاتاً. بل يعتمد نظاماً موازياً لا علاقة له بالحسابات المصرفية ولا بالتحويلات المالية العادية، ولا خصوصاً بالتعامل بالدولار الأميركي.

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles