تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"حماس" تنأى بنفسها عن الأزمة السعوديّة - الإيرانيّة

في الوقت الّذي تحاول فيه "حماس" تطوير علاقاتها مع عدد من دول المنطقة، لا سيّما السعوديّة وإيران، جاء التوتّر المفاجئ بينهما، ليلقي بظلال ثقيلة على صنّاع القرار داخل "حماس"، خشية اضطرارهم في لحظة حرجة إلى المفاضلة بين طهران والرياض، لكنّها على ما يبدو تفضّل البقاء بعيداً عمّا تعتبره "اللّعب مع الكبار"، كي لا يؤثّر اصطفافها بجانب أيّ منهما سلباً على القضيّة الفلسطينيّة.
Hamas leader in Gaza Ismail Haniyeh delivers a sermon during Friday prayers in Gaza City October 9, 2015. Haniyeh called on Palestinians to step up their fight against Israel, describing the recent surge in violence in Jerusalem and the occupied West Bank as the beginning of a new uprising, or intifada. REUTERS/Mohammed Salem  - RTS3QIL

بصورة مفاجئة، أعلنت السعوديّة في 3 كانون الثاني/يناير قطع علاقاتها الديبلوماسيّة مع إيران، عقب مهاجمة متظاهرين إيرانيّين سفارتها في طهران بـ1 كانون الثاني/يناير، ممّا أدخل المنطقة في حال اصطفاف سياسيّ بين الدول الموالية لكلّ طرف منهما، وأعلنت دول عدّة في الأيّام التّالية مواقفها تجاه الأزمة، مثل تركيا والعراق والأردن وقطر والمغرب ومصر، فيما بقيت "حماس" صامتة، ولم تصدر موقفاً، وفضّلت حتّى اللّحظة، يوم 22 يناير، عدم الإنحياز إلى أيّ من الطرفين، رغم أنّ ذلك قد لا يرضي العدوّين اللّدودين: طهران والرياض.

خيارات صعبة

ليس سرّاً أنّ "حماس" تعيش أجواء من القلق في الأيّام الأخيرة عقب التوتّر الكبير بين السعوديّة وإيران، لأنّها كما يبدو حريصة على الإمساك بعلاقاتها مع الجانبين المتناقضين في آن واحد، وصحيح أنّ ذلك يبدو صعباً، لكنّها لا تمتلك الكثير من العلاقات الإقليميّة. ولذلك، قد لا تقدم قريباً على إجراء مفاضلة صعبة للإنحياز إلى أيّ منهما.

تبدو "حماس" في ظلّ تصاعد الخلاف بين الرياض وطهران كمن تقع بين نارين، ممّا قد يتطلّب منها عدم الاصطفاف في أيّ محور كان، حتّى لا تقع في أزمة مع أيّ منهما، بعد أن شهدت العلاقات مع السعوديّة انفراجاً كبيراً أحدثته زيارة رئيس مكتبها السياسيّ خالد مشعل الأخيرة لها في تمّوز/يوليو من عام 2015. وفي الوقت ذاته، تشهد بيروت في الأيّام الأخيرة مباحثات سياسيّة بين حماس وإيران لتحسين علاقتهما عبر جهود قام بها مسئولون في الجانبين.

وفي هذا السياق، قال عضو المكتب السياسيّ في ـ"حماس" المقيم في الدوحة سامي خاطر لـ"المونيتور": "ليس من شأن حماس التدخّل في العلاقات الثنائيّة بين الدول العربيّة والإسلاميّة، وتأمل أن يسود التّوافق والتّفاهم بينها، فما يجمعها أكثر ممّا يفرّقها، فما يجمعها هو الاتفاق على القضية الفلسطينية ووحدة الدم والدين، وما قد يفرقها خلافات حدودية أو سياسية، ومن المبكر الحديث عن تداعيات للخلاف السعوديّ - الإيرانيّ على القضيّة الفلسطينيّة، ونأمل ألاّ يؤثر هذا الخلاف سلباً على قضيّتنا".

وبعث نائب رئيس المكتب السياسيّ في "حماس" إسماعيل هنيّة في 6 كانون الثاني/يناير رسائل عدّة إلى بعض زعماء دول المنطقة، وهي: السعوديّة، الإمارات العربيّة المتّحدة، الكويت، الأردن، وتركيا، حثّهم فيها على دعم إنتفاضة القدس وصمود الشعب الفلسطينيّ، وكان لافتاً أنّه لم يشمل إيران بهذه الرسائل.

وعلم "المونيتور" من مسئول إعلامي في "حماس"، ليس في المستوى القيادي الأول للحركة، فضّل إخفاء هويّته، أنّ "خطوط التّواصل بين "حماس" والسعوديّة وإيران لم تنقطع حتّى اللّحظة، لكن لا يبدو أنّ الحركة عازمة على القيام بزيارات حاليّة لطهران، خشية أن تفسّر من جانب السعوديين أنّها اصطفاف بجانب إيران ضدّ السعوديّة"، وهذا قد يعني أن الحركة قد لا تكون راغبة حالياً بأن تقوم طهران بتوجيه دعوة إلى زعيمها خالد مشعل لزيارتها بعد تأخّر دام 4 سنوات، إذ كانت زيارته الأخيرة لها في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2012، ومن يومها لم يقم مشعل بزيارة طهران على خلفية خلاف الطرفين على الملف السوري، لأنّ زيارته لها في هذا التّوقيت سيفهمها السعوديّون على أنّها انحياز من "حماس" لإيران، وهذا ما لا تريده الحركة.

وربّما تعلم "حماس" جيّداً أنّها تحتاج إلى إبقاء علاقاتها مع السعوديّة، الّتي ترى نفسها زعيمة العالم السنيّ، وفي الوقت نفسه لا يرجّح ابتعادها عن إيران صاحبة الدعمين الماليّ والعسكريّ لها رغم توقّفهما منذ 2012، وتحديداً بسبب خلاف حماس وإيران على الموقف من الثورة السورية، وفقاً لما أعلنه عضو المكتب السياسيّ في "حماس" موسى أبو مرزوق في تمّوز/يوليو من عام 2015.

وفي ظلّ نقاشات تجريها الحركة حول موقفها من تطوّر الأزمة بين إيران وحماس بسبب تباين موقفهما من الثورة السورية، قد تجد حماس صعوبة في التقدّم نحو إيران بسبب النّظرة السلبيّة العربيّة تجاه دورها في المنطقة، كما أشار مركز الجزيرة للدراسات في قطر في 18 كانون الثاني/يناير، لاسيما بعد رفع العقوبات الدولية عن إيران، يوم 16 يناير.

وفي هذا الإطار، قال مسؤول العلاقات الدوليّة في "حماس" أسامة حمدان لـ"المونيتور": "علاقة حماس بإيران والسعوديّة ليست وليدة اللّحظة، نظراً لحاجتها إلى دعم الأمّة الإسلاميّة، وهي تسير بخطوات ثابتة لترتيب العلاقة معهما، والإتّصالات لم تنقطع مع الإيرانيّين لإعادة ترميم العلاقة، لأنّ الحركة ليست في وارد جرّ القضيّة الفلسطينيّة إلى مربّع الأزمات الإقليميّة".

الجدير بالذكر أن العلاقات بين حماس وإيران بدأت قوية، شملها الدعم المالي والعسكري بين عامي 2006-2012، وتوجهت حماس بالشكر لإيران على هذا الدعم الذي جعلها تواجه احصار الإسرائيلي المفروض عليها منذ فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006، لكن هذه العلاقات وصلت إلى طريق مسدود فور اندلاع الثورة السورية أوائل 2011، بسبب عدم دعم حماس للنظام السوري في سياسته القمعية ضد الثورة.

التزام الصمت

من جهته، قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة "النّجاح الوطنيّة" بنابلس عبد الستّار قاسم لـ"المونيتور": "حماس حين تريد إتّخاذ موقف من الأزمة الإيرانيّة - السعوديّة عليها أن تعرف ماذا تريد، المال أو السلاح، الأوّل موجود عند السعوديّة، والثاني لا توفّره إلاّ إيران، وليس هناك من خيار ثالث أمامها. ولذلك، فإنّها تفعل جيّداً إن التزمت الصمت تجاه ما يحصل بينهما مع بقائها قريبة عمليّاً لإيران، الّتي تقدّم إليها الدعم العسكريّ، رغم تعليق المساعدات للحركة حالياً، وإن طلبت إيران أو السعوديّة موقفاً واضحاً من حماس، فعليها الإلتزام بعدم الإدلاء بأيّ تصريح".

وبدوره، قال وزير الإعلام السابق في حكومة "حماس" السابقة يوسف رزقة لـ"المونيتور": "حماس ليس لديها موقف إعلاميّ معلن تجاه الأزمة السعوديّة - الإيرانيّة، ورغم أنّ لها مصالح عند كليهما، فلم يطلب أحد منها القيام بدور الوساطة لمصالحتهما، لكنّ إظهار موقف لحماس من الأزمة مرتبط بتطوّرها سلباً أو إيجاباً. وكما أنّ إيران طلبت من حماس موقفاً من الأزمة السوريّة، فقد طلبت السعوديّة موقفاً مشابهاً منها من أزمة اليمن، لأنّ حماس حركة مقاومة لها وزن شعبيّ في الرأي العام العربيّ".

وأخيراً، تعلم "حماس" جيّداً أنّ أزمة إيران والسعودية تمرّ في مرحلة حسّاسة جدّاً، قد لا تحتمل إتّخاذ مواقف جدّية حاسمة، لأنّ ذلك قد يجبرها على دفع أثمان باهظة سياسيّة وماليّة، وهو ما يجعلها تفضّل المواقف الضبابيّة تجاه تطوّر هذه الأزمة، وربّما تبقى صامتة حتّى إشعار آخر، ما لم تدخل الأزمة السعوديّة - الإيرانيّة مرحلة المواجهة العسكريّة، وهو ما لا تفضّله، لأنّها في هذه المرحلة ستكون مضطرّة إلى الإنحياز لأيّ منهما.

مع أن حماس تعلم جيدا أن رفع العقوبات الدولية عن إيران قد يزيد من نفوذها في المنطقة، في الوقت الذي يتراجع فيه الاقتصاد السعودي بسبب تهاوي أسعار النفط في الأيام الأخيرة، وهو ما قد يجعل حماس تغير موقفها من الحياد بين غيران والسعودية، إلى إمكانية ان تتخذ موقفا إلى جانب أحدهما إن تطورت الأمور بينهما.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles