تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ارتفاع معدّلات الجرائم الإلكترونيّة في فلسطين وسط غياب قانون رادع

يشهد المجتمع الفلسطينيّ ارتفاعاً في معدّلات الجريمة الإلكترونيّة. ورغم الجهود الّتي تبذلها الجهات المختصّة لمكافحتها، إلاّ أنّ غياب قانون حديث يتضمّن عقوبات رادعة لمرتكبيها يبقى العائق الأكبر للقضاء على هذه الظاهرة.
182981358.jpg

وقعت الفتاة (أ.ب) 25 عاما من مدينة الخليل في جنوب الضفّة الغربيّة ضحيّة الإبتزاز الإلكترونيّ من قبل شخص استطاع السيطرة على حسابها على موقع التّواصل الإجتماعيّ "فيسبوك" وسرقة صور خاصّة لها وتهديدها بنشرها، حسب ما أفادت به الشرطة الفلسطينيّة في 7 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2015. ولقد اضطرّت الفتاة إلى دفع 10 آلاف شيقل (2500 دولار) و250 غراماً من الذهب للشاب الذي قام بابتزازرها على موقع الفيس بوك وينحدر من مدينة في شمال الضفة الغربية وليس له صلة قرابة بها، على فترات متقطّعة على امل ان يكف عن ابتزازها ويكتفي بالاموال التي حصل عليها مقابل عدم نشر صور شخصية خاصة لها غير منشورة، بينما واصل الشاب إبتزازه للفتاة الّتي نفدت أموالها فلجأت إلى وحدة الجرائم الإلكترونيّة في الشرطة الفلسطينيّة بعد ان نفذت اموالها وواصل الشاب ابتزازها وتهديده لها، والّتي تابعت القضيّة وألقت القبض على الشاب وأحالته على الجهات القضائيّة.

وتتردد الكثير من الفتيات اللواتي يتعرضن لعمليات ابتزاز وتهديد باللجوء الى الشرطة الفلسطينية لتقديم شكوى، لحساسية المسألة خاصة في ظل المجتمع الفلسطيني "المحافظ".

وارتفعت معدّلات الجريمة الإلكترونيّة في فلسطين بأشكالها المختلفة (الإبتزاز، التّشهير، سرقة الحسابات والبريد الإلكترونيّ والبطاقات الإئتمانيّة)، إذ قال النّاطق الرسميّ باسم الشرطة الفلسطينيّة لؤي أرزيقات لـ"المونيتور": "هناك ارتفاع في معدّلات الجريمة الإلكترونيّة في فلسطين، الّتي ظهرت بعد التطوّر التكنولوجيّ وانتشار خدمة الإنترنت ومواقع التّواصل الإجتماعيّ، اذ شهدت محافظة الخليل، أكبر محافظات الضفّة سكّاناً على سبيل المثال، نحو 1020 جريمة إلكترونيّة في عام 2015، بعد أن كانت 922 جريمة في عام 2014".

وأظهرت إحصائيّات وزارة الإتّصالات وتكنولوجيا المعلومات الّتي نشرتها في أيّار/مايو من عام 2015 أنّ 48.3 في المئة من الأسر في الضفة الغربية وقطاع غزة لديها اتّصال بالإنترنت، وأنّ نحو 63.1 في المئة منها تمتلك أجهزة حاسوب، و53.7 في المئة من الأفراد (10 سنوات فأكثر) يستخدمون الإنترنت، في حين بلغت نسبة الأفراد (10 سنوات فأكثر) الّذين يستخدمون شبكات التّواصل الإجتماعيّ في الضفة وغزة 75.1 في المئة من مجمل مستخدمي الإنترنت.

وبيّنت احصائيات وزارة الاتصالات ايضا أنّ 75 في المئة من مستخدمي شبكات التّواصل الإجتماعيّ يكون هدفهم التّعارف، و76.5 في المئة هدفهم الألعاب والتّسلية.

وأوضح لؤي أرزيقات أنّ أبرز الجرائم المسجّلة لدى الشرطة هي "الإبتزاز والتّشهير والسرقة، وأنّ الفتيات هنّ الأكثر استهدافاً، بسبب خوفهنّ من نشر صورهنّ أو معلوماتهنّ الخاصّة على الملأ، وعدم امتلاكهنّ الجرأة لتقديم شكوى إلى الشرطة".

وتصطدم الجهود المبذولة من قبل الشرطة الفلسطينية والنيابة العامة في محاربة الجريمة الإلكترونيّة بعقبات قانونيّة تتمثّل في عدم وجود قانون حديث ينصّ على عقوبات رادعة لجرائم كهذه، في ظلّ العمل بقانون العقوبات الأردنيّ رقم 16 لعام 1960 في الضفة الغربية، والقانون المصري في غزة والذين عفا عليهما الزمن ولا يتضمنا اي نصا او عقوبة لمثل هذه الجرائم الحديثة،

وفق ما أشار أرزيقات، الّذي قال أيضاً: "نحن الآن نقوم بتكييف الجرائم الالكترونية مع العقوبات الموجودة في قانون الاردني على سبيل المثال، لكنّ العقوبات التي يتم الحكم بها غير رادعة، وهي لا تتجاوز الحبس ثلاثة أشهر أو غرامة ماليّة لا تتعدّى الـ70 دولاراً لمرتكبي الجرائم الالكترونية لذلك، نحن في حاجة إلى قانون واضح وصريح يجرّم هذه الأفعال وينصّ على عقوبات رادعة لمرتكبيها".

من جهته، أشار الخبير في قضايا القانون والإعلام ماجد العاروري لـ"المونيتور" إلى أنّ هناك ضرورة لتطوير التّشريعات القانونية وقانون العقوبات اما بتطوير القانون الاردني او المصادقة على قانون عقوبات جديد بحيث يتضمنا عقوبات واضحة ورادعة لمرتكبي الجرائم الالكترونية، محذّراً من مغبّة استغلال السلطة الفلسطينيّة للحاجة إلى تشريعات جديدة، خصوصاً قانون العقوبات وتضمينه بنوداً وقيوداً على الحريّات خصوصاً الإعلام الإلكترونيّ، بما يضمن سيطرتها عليه، مشدّداً على ضرورة خلق "نقاش مجتمعيّ واسع حول أيّ قانون يتمّ طرحه لمنع أيّ محاولة للسيطرة على الحريّات العامّة والإعلاميّة".

وتطالب المؤسسات الحقوقية والنسوية والمجتمع المدني منذ سنوات الرئيس عباس بالمصادقة على قانون عقوبات جديد في ظل غياب المجلس التشريعي.

وأشار العاروري إلى أهميّة مناقشة هذه الجرائم على المستوى المجتمعيّ من الناحيتين التثقيفيّة والتوعويّة، وتحصين الفتيات والشبّان والأهالي لمواجهة هذه الأنواع من الجرائم وكيفيّة التّعامل معها والتّواصل مع الجهات المختصّة.

وكانت جمعيّة المرأة العاملة الفلسطينيّة للتّنمية أطلقت في 23 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2014 في مدينة رام الله حملة ضدّ العنف الجنسيّ عبر مواقع التّواصل الإجتماعي كأحد أشكال العنف، قالت بعد 25 يوماً من إطلاقها إنّ التحرّش الإلكترونيّ بالأطفال والفتيات هو الأكثر انتشاراً، من خلال استخدام المواقع الإلكترونيّة والرسائل العشوائيّة على حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك في لقاء نظّمته في 17 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2014.

من جهته، قال المستشار القانونيّ لمركز "سوا" لمناهضة العنف ضدّ النساء والأطفال المحامي جلال خضر لـ"المونيتور": إنّ سبب ارتفاع معدّلات الجريمة الإلكترونيّة يعود إلى ازدياد إقبال المواطنين على الإنترنت من دون الوعي على مخاطره والاستخدام الآمن له، ويعدّ الإبتزاز أحد أكثر الجرائم انتشاراً، خصوصاً ضدّ الفتيات.

ويوفّر المركز خطّاً هاتفيّاً مجانيّاً يستقبل من خلاله الشكاوى المتعلّقة بالعنف ضدّ النساء والأطفال، إذ قال جلال خضر: "عشرات الحالات من النّساء والأطفال تشكو من العنف الممارس عليها إلكترونيّاً سواء أكان عبر مواقع التّواصل الإجتماعيّ أم الهواتف الذكيّة الّتي تنتشر مع طلاّب المدارس، حيث باتت تستخدم في ظاهرة التنمّر (يقوم بعض الطلاّب بتصوير زملائهم بالكاميرات للسخريّة منهم ونشرها على مواقع التّواصل الإجتماعيّ)"، الى جانب تحويل بعض الحالات التي تتعرض لتهديد وابتزاز الى الشرطة الفلسطينية لمتابعتها.

وحاول "المونيتور" الوصول الى ذوي هؤلاء الاطفال او حالات تعرضت لمثل هذا الابتزاز، لكن ذلك صعبا بسب سرية المعلومات لدى الشرطة التي ترفض الكشف عنها.

وأكّد أنّ هناك "حاجة ماسة إلى تطوير قانون العقوبات، بما يتلاءم مع التطوّرات التكنولوجيّة الحديثة في المجتمع، وتضمينه جزءاً خاصّاً بالجرائم الإلكترونيّة، لردع من يقومون بها، مشيراً إلى "أهميّة نشر الوعي المجتمعيّ، خصوصاً في المدارس والجامعات حول هذه الجرائم".

من جهتها، لفتت المرشدة النفسيّة في جامعة بيرزيت آمال دحيدل لـ"المونيتور" إلى أنّها تعاملت مع الكثير من الحالات الّتي تعرّضت إلى الإبتزاز من طلاّب الجامعة، مشيرة إلى أنّ الجرائم الإلكترونيّة "تسبب حالاً نفسيّة سيّئة للشباب والفتيات، الّذين يقعون ضحيّتها، وقد تدمّرهم نفسيّاً ومجتمعيّاً، وتقضي على مستقبلهم".

وشدّدت على دور العائلة في زرع الثقة في أبنائها والتّعاطي بصراحة وصداقة معهم، وتوعيتهم على كيفيّة استخدام الإنترنت والحفاظ على الخصوصيّة، ومراقبة سلوكهم وتصرّفاتهم ومعرفة الأشخاص الّذين يتحدّثون إليهم ومواقع الإنترنت الّتي يدخلونها.

إنّ ارتفاع معدّلات الجرائم الإلكترونيّة في فلسطين، خصوصاً إبتزاز الفتيات والتّشهير، يدقّ جرس الخطر في المجتمع الفلسطينيّ ويشير إلى حدوث تحوّلات إجتماعيّة في مجتمع يتّسم بـ"المحافظ"، وهو ما بات يستوجب سنّ قانون عقوبات حديث يتضمّن صراحة عقوبات رادعة وواضحة لجرائم كهذه.

More from Ahmad Melhem

Recommended Articles