تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عراقيّون يبحثون عن جوازات سفر سوريّة!

في السنوات التي كانت فيه القضيّة العراقيّة هي البارزة، كان العراقيون الهاربون موضع اهتمام المنظمات الدولية، من هنا كان سوريون ولبنانيون يتظاهرون بأنهم عراقيّون. الآن حدث العكس، فالعراقيون بدأوا يتظاهرون بأنهم سوريون، نظرا لتعاطف المنظمات الدولية ودول اللجوء الأوربية مع الأخيرين.
Christian Syrian refugee Ghassan Aleid displays his Syrian passport at a terminal at the Charles-de-Gaulle Airport in Roissy, France, October 2, 2015. After the efforts of the mayor of Le Mans and a family member, a doctor residing in Le Mans, France accorded travel visas, requested a year ago, for the family who fled the conflict in Syria.   REUTERS/Stephane Mahe - RTS2S8H

بغداد – تعدّ اسطنبول محطّة رئيسيّة للمهاجرين العرب الذين يريدون الوصول إلى أوربا بطريقة الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط. فبحسب إحصائية منظمة الهجرة الدولية فأن مليون شخص وصلوا إلى أوربا خلال عام 2015، أغلبهم عبر البحر المتوسط. ويُشكل السوريون نسبة 50% من هذا العدد، فيما يُشكل العراقيين 7%، أي ما يعادل 70 ألف شخص.

هناك بدأت حكاية حيدر العراقيّ (هذا ما يلقّب به نفسه خافياً اسمه الحقيقيّ)، الّذي يبحث عن جواز سفر سوريّ، ل+3كي يدّعي أنّه سوريّ الجنسيّة، عملاً بنصيحة صديق يعيش في النمسا. وبعد أسبوعين من البحث مع أصدقائه الذين يقيمون في تُركيا قابل حيدر العراقيّ (28 عاماً) شخص سوريّ في مدينة إسطنبول يُسمسر ببيع الوثائق السورية سهّل له مهمّة شراء جواز سفر الجمهوريّة العربيّة السوريّة بطريقة غير شرعيّة، كلّفه ذلك مبلغ 1250 دولاراً أميركيّاً. ويبدو أنّه: "لم يكن الوحيد، فقد اشترت قبله سبع عائلات عراقيّة مع عدد من الشبان العراقيّين جوازات سوريّة بطريقة غير قانونيّة"، بحسب ما نقله عن السمسار السوري.

وفي هذا المجال، قال العراقيّ في اتّصال هاتفيّ مع "المونيتور": ما دفعني للحصول على جواز سفر سوريّ، الأخبار المتداولة في الشارع العراقي وعبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي الإعلام الّتي تقول بوجود فرص أكبر للسوريّين في اللّجوء، نظراً للتّعاطف الكبير الّذي حصل معهم من قبل دول الإتّحاد الأوروبيّ، وهذا ما نصحني به صديق".

يُعرف عن إسطنبول، أن حالات وقصص وشخصيّات غريبة تتعايش معاً: وعود المستقبل الرغيد، مخاوف الهاربين، لهجات عربيّة وإفريقيّة مختلفة، المافيات السوريّة، المزوّرون، الأدلاّء، وحكايات مؤلمة عن ابتلاع البحر لعشرات من اللاّجئين، حكايات يتناقلها كل من زار هذه المدينة خلال العامين الماضيين. ففي هذا المكان يمكن شراء جواز السفر السوريّ غير الشرعيّ الّذي يصنّع بأيدي مافيات سوريّة. ومن هنا، تبدأ رحلة محفوفة بالمخاطر والقلق.

أثناء عمليّة الهجرة التي تُعتبر الأكبر من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية، التي دخل فيها أكثر من مائة ألف لاجئ اليونان وإيطاليا وهنغاريا خلال شهر تموز / يوليو 2015، أي بعد شهر ونصف من بدء الموجة في منتصف حزيران / يونيو من ذات العام، ادّعى عراقيّون وأفغان يتحدّثون اللّغة العربيّة، وهم بأعداد كبيرة، أثناء مقابلتهم في ألمانيا والنمسا، أنّهم سوريّون من أجل تسهيل فرصة قبولهم كلاجئين. لم يكونوا يحملوا سوى الوثائق التي يدعون انهم سوريون فيها، لكن ناشطين قاموا بحملات للإبلاغ عنهم.

وكما العراقيّ، إتّفق إسماعيل الفتلاوي (22 عاماً) مع سمسار سوريّ يقيم في تركيا على شراء جواز سفر يشير إلى أنّه صادر من قبل السلطات السوريّة ويحمل صورته، لكنّه في حقيقة الأمر جواز سفر غير قانونيّ. وفي هذا الإطار، قال إسماعيل الفتلاوي، الّذي كان يستعدّ لمغادرة العراق، متوجّهاً إلى تركيا، لـ"المونيتور": إنّه "اشترى الجواز السوريّ بمبلغ 1500 دولار أميركيّ، وسيتسلّمه مباشرة حال وصوله إلى تركيا، ليكون رفيقه عندما يعبر البحر إلى اليونان عبر قارب صغير بطريقة غير شرعية، ومنها إلى ألمانيا". وأضاف: "أنا أتدرّب الآن على حفظ أسماء المحافظات السوريّة وغيرها من الأماكن المهمّة، وأحاول أن أتقن اللّهجة الشاميّة، فأصحابها لديهم فرصة أكبر في طلبات اللّجوء للسوريّين، في ما عدا هذا، لا يهمّني أيّ بلد سيمنحني الّلجوء، ما يهمّني أن أعيش بسلام".

وتمنّى الفتلاوي خلال حديثه لـ"المونيتور": "ألاّ تكتشف سلطات البلد الأوروبيّ الذي سيذهب إليه، أنّه غير سوريّ، إذ قد يكلّفه ذلك إعادة قسريّة إلى العراق ومنعه من السفر لأيّ من دول الإتّحاد الأوروبيّ مستقبلاً".

لا يقصد العراقيّون الّذين يزاحمون السوريّين الهاربين من معارك طاحنة في بلادهم الضرر بهم، لكنّهم يرون أنّهم مثلهم يعيشون أوضاعاً إنسانيّة صعبة ومرعبة وأعمال انتقام تمارس ضدّهم من بعض الجهات، وتلك أسباب كافية تجعلهم يندفعون إلى الهجرة من العراق إلى أوروبا.

ومن جهتها، قالت الكاتبة والصحافيّة السوريّة يارا وهبي، الّتي تعمل في شكل تطوعيّ مع اللاّجئين السوريّين في ألمانيا، لـ"المونيتور": "الإحصاءات تشير إلى أنّ 20 في المئة من طالبي اللّجوء في ألمانيا بشكل عام هم من السوريّين".

أضافت: "انتحال أيّ شخص غير سوريّ للجنسيّة السوريّة لا يؤثّر على عمليّة منح السوريّين حقّ اللّجوء، لكنّه يسهم في إطالة عمليّة التّدقيق بطلباتهم المقدّمة للّجوء، وبالتّالي قد تطول فترة دراسة ملفّاتهم".

وأشارت إلى أنّ "الظروف الأمنية الّتي يعيشها العراق، الآن تساعد العراقيّين في الحصول على فرصة للّجوء، وإن كانت ليست مثل فرصة السورييّن، بيد أنّها موجودة، وأفضل من فرص القادمين من أوروبا الشرقيّة".

وتمكّن "المونيتور" بواسطة الفتلاوي من الحديث عبر الهاتف مع السمسار السوريّ، الّذي يبيع جوازات السفر السوريّة إلى العراقيّين، لكنّه رفض الحديث، إلاّ بعد أن وعده بعدم ذكر اسمه. وقال السمسار لـ"المونيتور": إن "عشرات العراقيّين قدموا إل وإلى زملائي في هذه المهنة منذ منتصف العام الماضي 2015 حتّى الخامس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه للحصول على جواز سفر سوريّ أو مستمسكات سوريّة أخرى لمساعدتهم في تقديم طلبات اللّجوء من خلال انتحال صفة مواطن سوريّ".

أضاف: "ما نقوم به هو مساعدة الآخرين ليس إلاّ، لأنّ الجميع يريدون الهرب من الجحيم إن كانوا في العراق أم في سوريا. ونحن على يقين بأنّهم لن يستخدموا هذه الوثائق في المطارات، بل ستبقى في حقائبهم عند عبورهم البحر، وتقدّم إلى دوائر اللّجوء في أوروبا، كوسيلة تزيد من فرص قبولهم لاجئين في تلك الدول".

من جهتها، تحدّثت لـ"المونيتور" عضو لجنة الهجرة والمهجّرين في مجلس النوّاب العراقيّ لقاء ورديّ عن وجود عراقيّين يدّعون أثناء مقابلات لجوئهم في دول الإتحاد الأوربي بأنّهم من مناطق العراق الساخنة، "لكنّهم كشفوا ورفضت طلباتهم. لذا، لا أعتقد أنّ الذين ينتحلون شخصيّات لاجئين سوريّين سيتمكّنون من إقناع الدول الأوروبيّة بأنّهم سوريّون".

وقالت: "إنّ اللاّجئين العراقيّين، الّذين ينتحلون صفات لاجئين سوريّين، يخاطرون بملف لجوئهم الّذي قد يرفض إذا ما كشفوا، فتلك الدول لها طرقها الخاصّة في التعرّف على هويّة اللاّجئ، منها اللّهجة ومعلومات عن البلاد الّتي يدّعي الإنتماء إليها، من خلال أشخاص من الدول التي يدعي المهاجر الإنتماء لها".

ويحاول اللاّجئون العراقيّون الهاربون من الخراب، الّذي تعيشه بلادهم، سلك أيّ طريق، حتّى بانتحالهم صفة لاجئ سوريّ أو أيّ صفة أخرى، فهذه المحاولة كلّفتهم الكثير من الأموال والأرواح، لا سيّما أرواح الأطفال.

More from Mustafa Saadoun

Recommended Articles