تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الكوميديا السياسيّة الساخرة في غزّة مهدّدة بالاختفاء القسريّ

بعد تقديم شكاوى لدى النائب العام في غزّة في حقّ اثنين من ناشطي الكوميديا السياسيّة الساخرة ثمّ اعتقالهما في شكل مفاجئ، واستدعاء كاتب ساخر ثالث، أصبح فنّ السخريّة السياسيّة مهدّداً بالاختفاء القسريّ.
Palestinian journalist Ayman al-Alul answers AFP journalists' questions during an interview on January 13, 2016 at his family home in Gaza City.
Alul, a 44-year-old journalist with the Arab Now news agency, was detained by Hamas security services in the Hamas-run Gaza Strip on January 3 and released on January 11.





 / AFP / MAHMUD HAMS        (Photo credit should read MAHMUD HAMS/AFP/Getty Images)

مدينة غزّة - اعتقل أفراد من جهاز الأمن الداخليّ، وهو أحد الأجهزة الأمنيّة التابعة إلى وزارة الداخليّة التي تسيطر عليها حركة حماس، مساء الأحد في 3 كانون الثاني/يناير 2016، كلّ من أيمن العالول (44 عاماً)، ورمزي حرزالله (26 عاماً).

وليس اعتقالهما في اليوم ذاته العامل المشترك الوحيد بينهما، فكلّ منهما يعمل في مجال الكوميديا السياسيّة الساخرة، كما أنّ كلّ منهما تمّ تقديم شكوى في حقّه لدى النائب العام من قبل جهات حكومية قريبة من حركة حماس خلال شهر كانون الأوّل/ديسمبر المنصرم بسبب نشاطه السياسيّ.

يقول ابن أيمن العالول عمر (20 عاماً) في لقاء مع "المونيتور": "توقّف جيبّ عسكريّ وسيّارتان من نوع هيونداي أمام المنزل في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، وترجّل منها أشخاص عدّة عرّفوا عن أنفسهم بأنّهم من جهاز الأمن الداخليّ، وطلبوا والدي الذي أراد أن يرتدي ملابس مناسبة للخروج، ولكنّهم رفضوا، ممّا جعل جدّتي تضع عليه مئزراً شتويّاً".

ويضيف الابن: "طلبوا أجهزة الحاسوب المحمولة من المنزل، ثمّ قال أحد أفراد الأمن لجدّي: ابنك لسانه طويل على الـ"فايسبوك"".

ونشر مركز الميزان لحقوق الإنسان على موقعه الإلكترونيّ بتاريخ 3-1-2016 خبراً حول اعتقال الناشط حرزالله مفاده: "اعتقل أفراد عرّفوا عن أنفسهم بأنّهم من جهاز الأمن الداخليّ حرزالله... وهو ناشط سياسيّ من سكّان شارع الوحدة وسط مدينة غزّة، بعدما استولوا على جهاز الـ"لاب توب" وجهازه الخليويّ، واقتادوه إلى جهّة غير معلومة".

ويقول مدير وحدة الحقوق الثقافيّة والاقتصادية في المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان خليل شاهين لـ"المونيتور" إنّ استدعاء بعض الكتّاب الساخرين على خلفيّة انتقاداتهم هو جزء من اﻻعتداء على حريّة التعبير عن الرأي إزاء القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة، في ظلّ استمرار اﻻنقسام السياسيّ الفلسطينيّ.

وكانت مراسلة "المونيتور" قد أجرت لقاءات مع كلّ من حرزالله والعالول، قبل اعتقالهما، وسألتهما عن الشكاوى التي تمّ تقديمها في حقّهما لدى النائب العام.

وقال العالول لـ"المونيتور" خلال لقاء معه بتاريخ 20 كانون الأوّل/ديسمبر 2015: "قمت بكتابة منشور على حسابي على الـ"فايسبوك" قبل حوالى شهرين تحدّثت فيه عن إحدى المدارس في غزة التي فيها غرفة للمدرّسات الحمساويّات، وغرفة أخرى للمدرّسات الفتحاويّات، وقد سمّيت المدرسة باسمها، ولكنّني أزلت المنشور لاحقاً".

ويبيّن العالول أنّه لم يقل إنّ ذلك الانقسام في المدرسة هو بناء على قرار من وزارة التربية والتعليم أو أيّ جهّة رسميّة، بل كنتيجة للانقسام المجتمعيّ، إلّا أنّ ذلك لم يمنع الوزارة من تقديم شكوى ضدّه لدى النائب العام اسماعيل جبر.

وأوضح لـ"المونيتور" أنّه في 10 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي، استدعته النيابة للتحقيق معه، مشيراً إلى تحويل القضيّة إلى محكمة الصلح.

وكان العالول قبل اعتقاله ينتظر تبليغه بموعد جلسة المحكمة، لكنّ جهاز الأمن الداخليّ سبق الجلسة باعتقاله.

أمّا الناشط حرزالله فقد أوضح لـ"المونيتور" في 28 كانون الأوّل/ديسبمبر 2015 أنّه تمّ تبليغه باتّصال عبر هاتفه المحمول بأنّ عليه التوجّه إلى النيابة العامّة في مدينة غزّة.

وأضاف: "اعتبرت هذا الاستدعاء محاولة لتكميم أفواه النشطاء فى القطاع، كي يبقى الجميع صامتاً عن الظلم".

وأكّد بقوله: "مهما حدث، لن أوقف نشاطي ولو كان الثمن أن أخسر حياتي، فالمهمّ الدفاع عن حقوق الناس".

وفي اليوم التالي في 29 كانون الأوّل/ديسمبر 2015، قال حرزالله لـ"المونيتور": "ذهبت إلى النيابة بصحبة اثنين من المحامين، وعرضوا علينا اسطوانة تحوي فيديو نشرته على صفحتي على الـ"فايسبوك"، وأبلغني وكيل النيابة بأنّ هناك شكوى مقدّمة ضدّي من وزارة الداخليّة والأمن الوطنيّ في غزّة بسبب هذا الفيديو".

وكان حرزالله قد نشر فيديو انتقد فيه تصرّفات أفراد حرس الحدود التابعين إلى وزارة داخليّة غزّة، حين صوّروا الشاب اسحاق حسّان (26عاماً) بهواتفهم المحمولة، وهو يتّجه في البحر إلى الحدود المصريّة، وتركوه عرضة لإطلاق نار من قبل الجيش المصريّ، حيث لقي حتفه في 24 كانون الأوّل/ديسمبر 2015، ووصفهم في الفيديو بـ"الاحتلال الأخضر"، -في إشارة غير مباشرة منه إلى حركة حماس-.

بعد اعتقال كلّ من العالول وحرزالله، لم يستطع "المونيتور" العثور على حسابهما على الـ"فايسبوك"، فقد اختفيا تماماً، كذلك الفيديو الذي نشره حرزالله.

حاول "المونيتور" مقابلة ممثّلين عن وزارة الداخليّة لسؤالهم عن استدعاء النشطاء الساخرين، لكنّها محاولات باءت بالفشل. فقد طلب المتحدّث باسم وزارة داخليّة غزّة إياد البزم إرسال الأسئلة مكتوبة، وردّ عليها بعبارة واحدة "حريّة الرأي والتعبير مكفولة في قطاع غزّة لجميع المواطنين وفق القانون الأساسيّ الفلسطينيّ، وفي حال جرى استدعاء أيّ مواطن فإنّه يتمّ وفق القانون".

يؤكّد منسّق البحث الميدانيّ في مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير زقّوت أنّ هذا الاعتقال لم يتمّ وفق القانون، موضحاً أنّ جهاز الأمن الداخليّ الذي اعتقل كلّ من حرزالله والعالول لا يتمتّع بصفة الضبط القضائيّة، وغير مخوّل لذلك، بل أنّ وكلاء النيابة، والشرطة المفوّضة من النائب العام هم من لهم الحقّ في ذلك.

وقال لـ"المونيتور": "من حقّ كلّ إنسان أن يعبّر عن رأيه بطريقة مناسبة، بما لا يخرج عن محدّدات القانون، كإفشاء الأسرار العسكريّة والأمنيّة والتشهير بأشخاص وبحياتهم الخاصّة".

وأكّد بقوله: "الإجراءات القضائيّة واضحة، ومن حقّ النيابة استدعاء أيّ شخص للشهادة، لكن لا يجوز المداهمة والاعتقال والمسّ بالكرامة الإنسانيّة، كما لا يجوز التسبّب بإثارة الشبهات حول الشخص المعتقل".

وأطلقت مجموعة من الصحافيّين والحقوقيّين عريضة توقيع للإفراج عن كلّ من العالول وحرزالله بتاريخ 4-1-2016، وقد نجحت في الوصول إلى ما يزيد عن الألف توقيع، كما نظّمت وقفة احتجاج أمام المكتب الإعلاميّ الحكوميّ في غزّة في 5 كانون الثاني/يناير2016.

وتبقى الإشارة إلى أنّ جهاز المباحث، فسم أمن المؤسسات استدعى في 17 كانون الأوّل/ديسمبر 2015 الكاتب الساخر أكرم الصوراني للتحقيق معه، بسبب حلقة شارك فيها من البرنامج السياسيّ الساخر"النشرة" التي تم نشرها على يوتيوب في 10-6-2015، لكنّ تدخّل بعض الشخصيّات تدخل شخصيات اعتبارية من المجتمع المدني كوسطاء لدى شخصيات من حركة حماس حالت دون اعتقاله.

وكان برنامج "النشرة" البرنامج الساخر الأوّل الذي ينتج برعاية وكالة إعلاميّة محلّيّة، وهي وكالة خبر الفلسطينية، وأفردت له صحيفة "الـنيويورك تايمز" قصّة خاصّة تركّز على موقف حماس منه بتاريخ 19-6-2015، موضحة أن حماس لا تمانع البرنامج، ولكنّ لم تصدر عن البرنامج سوى حلقتين، ليصبح اليوم فنّ الكومـيديا السياسيّة الساخرة في غزّة مهدّداً بالاختفاء القسريّ.

تم اطلاق سراح كل من حرزالله والعالول عصر يوم الاثنين الموافق 11-1-2016، وقال العالول في لقاء مع المونيتور "لن أكتب بعد اليوم، أنا خائف، لقد ضربوني ووضعوني في حبس انفرادي، لا أريد تكرار التجربة، ربما يطلقون النار علي المرة القادمة".

وأضاف " الجميع صامت، لقد تغيرت الأمور الآن، كان اعتقالي رسالة للرأي العام، فقد قال لي بعض رجال الأمن داخل السجن عندنا مشاكل مع السلطة الوطنية وإسرائيل ومصر، لذلك لن نحتمل انتقادكم واثارتكم للناس ضدنا الآن".