تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تعثّر وصول وزراء خارجيّة مصر والسودان وإثيوبيا لإتّفاق حاسم في شأن سدّ النهضة وإحالة الملف على الرؤساء

Egypt's President Abdel Fattah al-sisi attends a signing ceremony for the Agreement on the Declaration of Principles on the Grand Ethiopian Renaissance Dam Project in Khartoum March 23, 2015.   REUTERS/ Mohamed Nureldin Abdallah - RTR4UIKO

الخرطوم – بعد المواجهة المباشرة وتصاعد حدّة التوتّر والخلاف الّلذين سيطرا على جولة المفاوضات السياسيّة بين وزراء الخارجيّة والمياه في مصر وإثيوبيا والسودان حول سدّ النهضة في 27 كانون الأوّل/ديسمبر، اضطرّ الوزراء بعد ثلاثة أيّام من الإجتماعات المكثفّة في الخرطوم، إلى الإعلان عن توقيع وثيقة تعبّر عن استمرار التّعاون وبناء الثقة في محاولة لاحتواء تصاعد التعبئة والضغط الشعبيّ في مصر وإثيوبيا، ولكن من دون إيجاد حلّ حقيقيّ يضمن عدم الإضرار بمصالح الدولتين في مياه النيل. واستؤنفت المفاوضات في الخرطوم بعد أسبوعين فقط من الجولة الأولى المنعقدة في الأسبوع الأوّل من كانون الأوّل/ديسمبر بتوجّس مصريّ، خصوصاً بعد أن أعلنت إثيوبيا إعادة مجرى النهر لتمرّ المياه للمرّة الأولى داخل جسم سدّ النهضة في 26 كانون الأوّل/ديسمبر، قبيل ساعات من بدء المفاوضات، في إشارة إلى تأكيد رفض أيّ مطالب بوقف عمليّات البناء في السدّ حتّى انتهاء المفاوضات. ورغم وضع مسألة ملء خزّان السدّ وآليّات التّشغيل على رأس أجندة المفاوضات، إلاّ أنّ تباعد الرؤى وتمسّك مصر وإثيوبيا بمواقفهما تسبّب في عدم التّوصل إلى أيّ إتّفاق، حيث رفض الوفد المصريّ في الإجتماعات المطلب الإثيوبيّ بتخزين 3 مليار متر مكعّب من المياه خلف جسم السدّ من أجل اختبارات السلامة الإنشائيّة، مطالباً بعدم تخزين أيّ كميّات من المياه وتنفيذ التعهّدات الإثيوبيّة في هذا الشأن، المدرجة في البند الخامس من وثيقة إعلان المبادئ الّتي تنصّ على عدم ملء خزّان السدّ، إلاّ بعد الانتهاء من الدراسات الفنيّة، بينما رفضت إثيوبيا مطلب مصر مدّ فترة التّخزين إلى 11 سنة أو تقليل السعة التخزينيّة للسدّ إلى 50 مليار متر مكعّب.

وحسمت الإجتماعات في الساعات الأولى الموقف المتعثّر منذ 18 شهراً، للبدء في الدراسات الفنيّة لتأثيرات السدّ، بعد انسحاب المكتب الاستشاريّ الهولنديّ. وتمّ التّوافق على اختيار المكتب الإستشاريّ الفرنسيّ أرتيليا لتنفيذ نسبة 30 في المئة من الدراسات مع المكتب الفرنسيّ "بي أر إل" على أن يتمّ البدء الرسميّ في الدراسات مع بداية شباط/فبراير المقبل.

ويبدي كلّ من مصر وإثيوبيا ارتياحاً للمكتب الفرنسيّ الجديد، الّذي ساهم في مشاريع مهمّة في الدولتين، حيث شارك في الدراسات والتقويمين الفنيّ والإقتصاديّ لسدّ جيبا III في إثيوبيا لتوليد 1.870 ميجاوات. وفي المقابل، لدى الشركة مكتب دائم في مصر يقدّم الإستشارات الهندسيّة والفنيّة للمشاريع الهيدروليكيّة مثل قناطر أسيوط، ومشاريع الريّ ومعالجة المياه مثل مشروعي إعادة تأهيل ترعتي النوباريّة والاسماعليّة في الدلتا.

وفي هذا الإطار، قال مسؤول مصريّ مطّلع على ملف المفاوضات، فضّل عدم ذكر اسمه، في حديث مع "المونيتور": "ما زلنا نواجه معضلة كبيرة أمام موقف إثيوبيا بالإصرار على استمرار البناء في السدّ من دون تعهّد سياسيّ للالتزام بالدراسات الّتي قد يصعب تنفيذ توصياتها بعد اكتمال الإنشاءات وقرب تشغيل السدّ".

أضاف: "كانت هناك مشاورات بين الوفد المصريّ المفاوض مع الجهات الرسميّة كافّة، وكان التّوافق على عدم التّصادم ومحاولة الخروج بأيّ مكاسب إلى حين إحداث أيّ تغيّرات في الموقف الإثيوبيّ".

وتضمّنت وثيقة مخرجات الإجتماع، الّتي وقّع عليها وزراء الخارجيّة المصريّ والسودانيّ والإثيوبيّ في مؤتمر صحافيّ حضره "المونيتور" نقلوا خلاله رسائل إيجابيّة عكس الأجواء المشحونة الّتي سيطرت على الإجتماعات طوال الثلاثة أيّام، ثلاثة بنود رئيسيّة لا تضيف جديداً إلى بنود إتّفاق إعلان المبادئ الّذي وقعه رؤساء الدول الثلاثة في آذار/مارس من عام 2015، وهي اختيار مكتب أرتيليا الفرنسيّ والتعهّد بالإسراع في إتمام الدارسات الّتي أوصى بها تقرير اللّجنة الدوليّة IPOE في أيّار/مايو من عام 2013، واستمرار تعهّدات الدول الثلاث بسياسات حسن النيّة والثقة، وفقاً لبنود إعلان المبادئ.

وكانت مصر قد قدّمت مقترحاً فنيّاً خلال الإجتماعات بزيادة عدد مخارج المياه السفليّة في جسم السدّ لضمان تدفّق المياه يوميّاً من جسمه في حال وجود أيّ أعطال أو خلال عمليّات صيانة البوّابات الرئيسيّة أو أنفاق التوربينات الملحقة بالسدّ.

لكن بعد أول اجتماع فني عقد في أديس أبابا لخبراء من الدول الثلاثة في 7 و8 يناير، أعلنت إثيوبيا رسمياً رفض المقترح المصري وأكدت أنها لن تجري أي تعديلات في تصميم السد، وأن فتحات مخارج المياه كافية لتمرير كميات المياه المناسبة لمصر والسودان.

وقال خبير الطاقة الكهربائيّة الإثيوبيّ أسرات بيرهانو في حديث مع "المونيتور": "تحويل النهر إلى مجراه الطبيعيّ ودخول المياه إلى جسم السدّ يعنيان أنّ السدّ الآن جاهز للملء الأوليّ لتخزين ما يقرب من 4 مليار متر مكعّب من المياه في القريب العاجل".

وأكّد أنّ "هذا الإجراء لا يقلّل من المياه الّتي ستتدفّق إلى مصر والسودان من دون أيّ نقص خلال الانتهاء من إنشاءات السدّ".

وعن مطلب مصر لزيادة عدد مخارج المياه في السدّ: "إثيوبيا لديها بالفعل نموذج محاكاة هيدروليكيّ لتدفّق كميّات من المياه إلى مصر والسودان من دون التسبّب في ضرر كبير خلال فترة ملء بحيرة التخزين المصمّمة لاستيعاب 72 مليار متر مكعّب، والمقدّر ملؤها في فترة تتراوح بين 3 حتّى 5 سنوات".

أضاف: "التّصميم الأوليّ لمخارج المياه يسمح بمرور كميّات كافية من المياه إلى مصر والسودان عبر السدّ في فترة الملء الأولى، والّتي سيخزّن خلالها 4 مليار متر مكعّب من المياه بدءاً من تمّوز/يوليو المقبل".

وتابع: "تنفيذ طلب مصر بزيادة عدد مخارج السدّ إلى أربعة لن يكون ذي فائدة إقتصاديّة، خصوصاً أنّها لن تستخدم أثناء تشغيل السدّ".

وأثارت نتائج الإجتماعات اعتراضات وتخوّفات في الشارعين المصريّ والإثيوبيّ على حدّ سواء بسبب عدم التوصّل إلى حلّ قاطع يطمئن الشارع المصريّ، الّذي أصبح مشغولاً بتأثيرات السدّ على ما تحصل عليه مصر من حصّة سنويّة من مياه النيل، والرأي العام الإثيوبيّ تمّت تعبئته سياسيّاً في السنوات الأربع الأخيرة لإتمام مشروع السدّ الّذي أصبح حلم التنمية في إثيوبيا.

وفي أوّل ردّ فعل رسميّ في مصر على نتائج الإجتماعات، قال الرئيس عبد الفتّاح السيسي في 30 كانون الأوّل/ديسمبر في حديثه خلال إطلاق مشروع زراعيّ ضخم لاستصلاح مليون ونصف فدّان عن قلق المصريّين من سدّ النهضة: "أنا معكم في هذا القلق، لكن اطمئنّوا، وأنا لم أضيّعكم من قبل حتّى أضيّعكم مرّة أخرى"، فيما أكّد المسؤولون في إثيوبيا أنّ المفاوضات "لن تعني إيقاف البناء في السدّ أو منع إثيوبيا من تخزين المياه".

ومع انتهاء هذه الجولة من المفاوضات من دون أن تأتي بثمار واضحة لحلّ أزمة سدّ النّهضة، ينتظر الملف مساراً آخر من التّفاوض على مستوى الرؤساء، بعد تصعيد الأمور إليهم من خلال إجتماع منتظر عقده قريباً للّجنة العليا المشتركة بين مصر والسودان وإثيوبيا.

More from Ayah Aman

Recommended Articles