تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

توقّعات مستندة على معطيات: صراعات ما بعد "داعش" ستكون أصعب!

من المتوقع أن تكون مشكلات مرحلة ما بعد داعش أصعب وأكثر تنوعاً وتعقيداً من مشكلة الانتصار على داعش ، لأن الأطراف المتصارعة بشأن مصير المناطق المتحررة متنوعة وذات أجندات مختلفة ولها امتدادات إقليمية متصارعة.
RTS7Y63.jpg

رغم أنّ التحدّي الأكبر للعراق حاليّاً هو الخلاص من وحش "داعش"، إلاّ أنّ المتوقّع والمستند على أدلّة أنّ وضع المناطق المحرّرة سوف لن يكون أفضل في غياب توافق بين الأطراف المشاركة في الحرب، على وضعها المستقبليّ. وإنّ الصراع على المناطق المتنازع عليها من شأنه أن يحوّل وضع تلك المناطق إلى أسوأ من السابق. وبالفعل، بدأ الصراع على المناطق المحرّرة بين القوّات المختلفة المشاركة في تحريرها. ففور تحرير سنجار من قبل قوّات كرديّة متنوّعة وقوّات إيزيديّة محليّة في 12 تشرين الثاني/نوفمبر، تفجّر الصراع بين قوّات موالية لحزب العمّال الكردستانيّ وقوّات البيشمركة التّابعة لحكومة كردستان.

لقد بدا الصراع بسيطاً في الظاهر، ودار حول رفع الأعلام على المباني الرئيسيّة في المدينة، إذ قام كلّ طرف برفع أعلامه الحزبيّة على تلك المباني، الأمر الّذي اضطرّ برئيس إقليم كردستان منع رفع أيّ علم للأحزاب الكرديّة سوى علم إقليم كردستان. ومن جهة أخرى، اتّهمت القوّات الإيزيديّة على لسان قائدها حيدر ششو، مجموعة الأحزاب الكرديّة المشاركة في القتال بإهمال مصلحة سنجار لصالح خلافاتها الفئويّة. وتعدّ النزاعات القائمة في سنجار حاليّاً امتداداً للصراع الكرديّ الداخليّ من جهة، والتأثيرات التركيّة على الوضع الكرديّ في المنطقة عموماً من جهة أخرى. والمعروف أنّ الحزب الديموقراطيّ الكردستانيّ الّذي يقوده مسعود البارزاني، وصاحب الأغلبيّة في حكومة كردستان، يتمتّع بعلاقات طيّبة جدّاً مع حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، في الوقت الّذي يخوض فيه حزب العمّال الكردستانيّ صراعاً قديماً ودمويّاً مع الحكومة التركيّة في المناطق الكرديّة التّابعة لتركيا وسوريا. وما زال الجيش التركيّ يقوم بين الحين والآخر بقصف مواقع حزب العمّال في كلّ من تركيا والعراق وسوريا.

وكان البارزاني قد دعا في مرّات عدّة حزب العمّال إلى الخروج من كردستان العراق، تجنّباً لنشوب خلافات بين الإقليم وتركيا. ومن الواضح أنّ الصراع السياسيّ في العراق له ارتباطات قويّة بالمحيط الإقليميّ، وهذا ينطبق على كردستان بوضوح، فأيّ صعود لحزب العمّال يعدّ تحدّياً لتيّار البارزاني في الداخل، وتحدّياً لتركيا في سياق الصراع الكرديّ - التركيّ.

وفي جبهة أخرى من معركة تحرير الأراضي العراقيّة من "داعش"، نشبت معارك بين القوّات الكرديّة وقوّات الحشد الشعبيّ الشيعيّ بفصائلها المختلفة في قضاء طوزخورماتو بمحافظة صلاح الدين في 11 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2015، والوضع ما زال متوتّراً، رغم وساطات التّهدئة. وقد أدّت المعارك إلى مقتل عدد من المقاتلين من الطرفين وجرح آخرين، إلاّ أنّه لم يعلم عن العدد الدقيق للضحايا حتّى الآن. كما أنّ الطرفين قاما باختطاف عناصر تابعة للطرف الآخر.

ومرّة أخرى، تنعكس الخلافات الإقليميّة على الوضع الداخليّ في طوزخورماتو، إذ اتّهم رئيس الجبهة التركمانيّة أرشد الصالحي القوّات الكرديّة بأنّها أتاحت المجال لحضور قوّات حزب العمّال الكرديّ إلى مدينتهم ذات الأغلبيّة التركمانيّة، وأنّ ذلك سيولّد تداعيات خطيرة.

ومقابل ذلك، لفت القياديّ في حزب العمّال سرحد عفريني إلى أنّ الدولة التركيّة المعادية لحزب العمّال هي من تقف وراء هذه الإتّهامات، مشيراً إلى أنّ وجود حزبه في قضاء طوزخورماتو جاء لحماية الناس بمختلف طوائفهم من تهديدات تنظيم "داعش"، وأنّ حزبه لا يمتلك أيّ مشروع طائفيّ أو مذهبيّ في مناطق تواجده.

إنّ مشاكل ما بعد "داعش" ستكون أكثر تنوّعاً وتعقيداً من معركة دحر "داعش"، وربّما أصعب حلاًّ، لأنّ الأطراف المتصارعة في شأن مصير المناطق المحرّرة متنوّعة، وذات أجندات مختلفة لها امتدادات إقليميّة متنوّعة ومتصارعة. ويشمل هذا التنوّع قوى قوميّة ذات طموح انفصاليّ مثل حزب العمّال الكردستانيّ، وبمقدار أقلّ الحزب الديموقراطيّ التّابع لرئيس الإقليم مسعود البارزاني، وقوى دينيّة مثل الميليشيات الشيعيّة الّتي ترتبط بتحالف إيديولوجيّ كامل مع إيران، فضلاً عن قوى مناطقيّة.

وإزاء هذه المعطيات، من المتوقّع أنّ الحرب الحقيقيّة لم تبدأ في العراق بعد، ولحظة "داعش" هي بداية الانهيار الشامل للكيان العراقيّ. وإنّ ما يجعل هذه النتيجة محتملة هو أنّ الشركاء السياسيّين بعد عام 2003 لم ينجحوا في تأسيس واقع سياسيّ واحد ومتّفق عليه في مختلف مناطق العراق، وما نشهده اليوم يعكس تراكم خلافات وصراعات مؤجّلة إلى ما بعد "داعش"، بل إنّ هذه الخلافات ظهرت حتّى أثناء قتال "داعش"، مثلما حدث في سنجار وطوزخورماتو.

وفي هذا السياق، برزت حقيقة، وهي أنّ الرجوع إلى ما قبل "داعش" بات مستحيلاً، فالمعركة ضدّه أنتجت قوى سياسيّة وعسكريّة جديدة لم تكن موجودة سابقاً أو لم تكن فاعلة كما هي اليوم، وفي ما يأتي وصف عام لها:

- الميليشيات الشيعيّة المتنوّعة الّتي تقاتل تحت عنوان الحشد الشعبيّ، باتت واقعاً سياسيّاً لا يمكن لأيّ حكومة عراقيّة تجاهله مستقبلاً، لا سيّما في أيّ قرار قد تتّخذه إزاء المناطق المحرّرة.

- القوى الكرديّة الانفصاليّة أصبحت أكثر قوّة وصراحة في مشروعها الإنفصاليّ مقارنة بما قبل ظهور "داعش".

- قيام بعض الأقليّات بتأسيس قوى عسكريّة تدافع عن كياناتها في الصراعات الحاليّة والمقبلة.

وفي ظلّ هذه المعطيات، يتوجّب على الحكومة العراقيّة أن تركّز جهودها على إقامة مشروع مصالحة وطنيّة شاملة وواقعيّة يجمع مختلف الأطراف العراقيّة على قرار وطنيّ واحد، على أن يشتمل هذا المشروع أيضاً على تفاصيل كاملة ومتّفق عليها في شأن مستقبل المناطق المحرّرة أو المناطق المتنازع عليها ، قادرة على منع نشوب نزاعات مؤلمة مقبلة.

More from Ali Mamouri

Recommended Articles