تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حماس تحسّن رواتب موظّفي غزّة وتخوض صراعاً مع حكومة التوافق

منذ أن بدأت حكومة التوافق الفلسطينيّة مهامها في أواسط عام 2014، لم تعترف بموظّفي حكومة حماس السابقة. وبعد مرور أكثر من 18 شهراً على عملها، لم تمنح أيّاً منهم راتباً طوال هذه المدّة الطويلة، ممّا زاد من أزمة الموظّفين، ودفعهم إلى اتّخاذ خطوات تصعيديّة، وجعل حماس تلجأ إلى حلول اقتصاديّة لمنع انفجار الوضع في غزّة.
Palestinian Hamas-hired civil servants wait to receive payment at a post office in Gaza City October 29, 2014. Some 24,000 civil servants hired by the Islamist group Hamas, many of whom have not received a full salary in almost a year, finally got some pay on Wednesday from the new Palestinian unity government based in the West Bank. The funds were supplied by the gas-rich kingdom of Qatar, which is an ally of Hamas. But the fact the cash was delivered by the West Bank administration gave a boost to hopes t

على غير العادة، أعلن وكيل وزارة الماليّة في غزّة يوسف الكيالي في 11 تشرين الثاني/نوفمبر صرف دفعة ماليّة للموظّفين المدنيّين والعسكريّين بحدّ أدنى 1200 شيكل لموظّفي غزّة، بما يعادل 300 دولار، بصورة شهريّة، أي بنسبة 40% من الراتب الأصلي ومتوسطه 3 آلاف شيكل، 850 دولار، وهي المرّة الأولى التي يحصل فيها هذا الأمر بعدما اعتاد موظّفو غزّة التابعون إلى حكومة حماس السابقة على استلام سلف ماليّة كلّ 50 يوماً فقط.

منع الانفجار

أبلغ رئيس نقابة الموظّفين في القطاع العام في غزّة محمّد صيام "المونيتور" بأنّ "النقابة توصّلت أوائل تشرين الثاني/نوفمبر إلى اتّفاق نهائيّ مع وزارة الماليّة لصرف 1200 شيكل لموظّفي غزّة كحدّ أدنى، وتثبيت موعد الصرف بصورة شهريّة. ويبلغ عدد المستفيدين من هذا الاتّفاق 18 ألف موظّف من ذوي الرواتب المتدنّية".

شاهد "المونيتور" صباح 18 تشرين الثاني/نوفمبر عشرات الآلاف من موظّفي غزّة البالغين 42 ألفاً، وهو الرقم الذي أعلنه زياد الظاظا عضو المكتب السياسي لحماس، ونائب رئيس الحكومة السابقة يوم 19 مارس، يصطفون أمام مقرّات البنك الوطنيّ الإسلاميّ وبنك الإنتاج بمدينة غزة، ومكاتب البريد المنتشرة في مختلف أنحاء قطاع غزّة، لاستلام رواتبهم بناء على الاتّفاق الجديد المشار إليه بداية هذا المقال، والخاص باستلام 40% من رواتبهم بصورة شهرية منتظمة، وليس سلف متقطعة غير دورية كما جرت العادة.

مع العلم أن هذه بنوك أنشأتها حماس بعد سيطرتها على غزّة في حزيران/يونيو 2007، ولا تعترف بها سلطة النقد الفلسطينيّة، وترفض البنوك الأخرى التعامل مع الحركة خشية اتّهامها من قبل إسرائيل والمجتمع الدوليّ بدعم الإرهاب.

ليس سرّاً أنّ حماس تواجه أزمة ماليّة خانقة بسبب توقّف الدعم الإيرانيّ لها في أوائل عام 2013 حتّى اللحظة، وليست هناك بوادر لإعادة الدعم في المدى المنظور، وإغلاق مصر للأنفاق بين غزّة وسيناء منذ تمّوز/يوليو 2013، حيث استفادت حماس من الرسوم التي تجبيها من البضائع المهربة عبر الأنفاق الواردة من سيناء إلى غزة.

أكّد الخبير الاقتصاديّ الفلسطينيّ محمّد أبو جياب لـ"المونيتور" أنّ "قدرة حماس على منح موظّفي حكومة غزّة السابقة رواتب شهريّة منتظمة يعود إلى نجاحها في الأشهر الأخيرة في تعزيز مصادر إيراداتها الخاصّة، عبر الرسوم الجمركيّة والضرائب الخاصّة بحماية المنتج الوطنيّ، واتّفاقها مع المؤسّسات الاقتصاديّة الكبرى في غزّة كالبنوك والشركات الكبرى كالاتصالات معلى سبيل المثال، لدفع بعض النفقات التشغيليّة للحكومة كشراء الأدوية للمستشفيات، والوقود اللازم لمولّدات الطاقة في الوزارات الحكوميّة، واللوازم الخاصّة بها".

علم "المونيتور" من مسؤولين كبار في تلك الشركات، رفضوا الإفصاح عن أسمائهم بأنّهم "لا يدفعون أموالاً نقديّة مباشرة إلى حكومة غزّة، خشية اتّهامها من قبل إسرائيل بدعم الإرهاب، بل تشتري اللوازم المطلوبة لتلك الوزارات كالصحة والتربية والتعليم، انطلاقاً من مسؤوليّتها الاجتماعيّة، حيث تخصص البنوك والشركات 5% من أرباحها السنوية للمساهمة في تطوير عدة مجالات تتركز في قطاعات التعليم والشباب والرياضة والصحة والبيئة والشؤون الاقتصادية، وكل ذلك ساعد حكومة غزّة على أن ترفع عن كاهلها عبء النفقات التشغيليّة، وتحتفظ بالسيولة الماليّة اللازمة لدفع الرواتب إلى موظّفيها، وباتت قادرة على دفع جزء منها بصورة شهريّة منتظمة".

يبدو من الصعوبة بمكان القول إنّ هذه المؤسّسات الاقتصاديّة كالبنوك وشركة الاتصالات أقدمت على مساعدة حكومة غزّة من دون تفاهمات مع حكومة التوافق في رام الله، سواء للحفاظ على مصالح هذه الشركات والبنوك في غزّة، لأنّ حماس تمسك بزمام الأمور الأمنيّة والميدانيّة في القطاع، أم خشية حكومة التوافق من انفجار الوضع الأمنيّ في غزّة، إذا استمر عدم منح موظفي حكومة غزة لرواتبهم، مما قد يسرع بحدوث اضطرابات داخلية في غزة، حيث أعلن الموظفون أحياناً إضرابات عن العمل، وعلقوا الدوام في أيام أخرى، وأغلقوا بعض البنوك أحياناً لأنهم لم يستلموا رواتبهم، وهددوا باتخاذ إجراءات تصعيدية في غزة ضد حكومة التوافق.

أبلغ مدير عام الرقابة الداخليّة في وزارة الماليّة في غزّة إياد أبو هين "المونيتور" بأنّه "منذ تسلّم حكومة التوافق مهامها في حزيران/يونيو 2014، لم يستلم الموظّف الحكوميّ في غزّة سوى 35% من راتبه من إيرادات وزارة الماليّة في غزّة التي بلغت 100 مليون شيكل شهريّاً من الأنفاق والمعابر، وبعد إغلاقها وتشديد الحصار في أواسط عام 2013، تراجعت الإيرادات إلى النصف بقيمة 54 مليون شيكل فقط، تكفي لتسديد 40% من راتب الموظّف في شكل شهريّ، عقب حصول ارتفاع في الإيرادات الماليّة في غزّة مع نهاية تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي بنسبة 20%".

لكنّ إهمال حكومة التوافق التي ولدت من رحم اتّفاق الشاطئ للمصالحة بين حماس وفتح في نيسان/أبريل 2014، شكّل العامل الأكثر قسوة على موظّفي غزّة، لأنّهم واصلوا انخراطهم في مهامهم الحكوميّة، في كلّ القطاعات الأمنيّة والخدماتيّة والصحّية والتعليميّة، من دون أن تعترف بهم الحكومة، ممّا ألقى بظلاله السلبيّة على تفاصيل حياتهم كافّة في شكل قاسٍ، وإحالة حياة الكثير منهم إلى فقر مدقع.

توزيع الأراضي

في السياق ذاته، فجّر عضو المكتب السياسيّ لحماس زياد الظاظا قنبلة كبيرة، حين أعلن في 21 تشرين الثاني/نوفمبر أنّ الأسابيع المقبلة ستشهد توزيعاً لمستحقّات الموظّفين عبر توزيع الأراضي عليهم، وقدر الظاظا مساحتها بأنها تتراوح بين 965 و1200 دونماً من الأراضي الحكوميّة في شمال قطاع غزّة وجنوبه، وتصفير حساباتهم من ديون البلديّات والكهرباء، ضمن خطّة لحلّ أزمة رواتبهم ومستحقّاتهم.

استجلب إعلان الظاظا ردود فعل مؤيّدة ومعارضة، حيث اعتبره وزير الأشغال والإسكان في حكومة التوافق مفيد الحساينة، في 21 تشرين الثاني/نوفمبر، مخالفاً للقانون ويتجاوز حكومة التوافق، ولم تجر مشاورة الحكومة به من قبل حماس، وسيساهم في تعقيد المصالحة وتعميق الانقسام القائم منذ عام 2007 بين حماس وفتح.

لكنّ رئيس اللجنة الاقتصاديّة في المجلس التشريعيّ الفلسطيني عاطف عدوان، أبلغ "المونيتور" بأنّ "هذه الفكرة طرحت منذ فترة زمنيّة طويلة، ونفّذت حولها دراسات للتأكّد من جدوى تطبيقها، وقام المجلس التشريعيّ الفلسطيني بتخويل سلطة الأراضي للقيام بتسوية لمستحقّات الموظّفين، على أن يكون التنفيذ خلال الأسابيع القليلة المقبلة".

أخيراً... يبدو واضحاً أنّ قرار حماس الأخير بتوزيع الأراضي على موظّفيها الذين لم يتلقّوا رواتب منذ أشهر طويلة، سيثير مجدّداً الخلاف مع فتح، بما قد يساهم في ظهور سجالات إعلاميّة جديدة بينهما، ممّا يعني ابتعاد أيّ أفق للمصالحة بينهما.

في الوقت ذاته، يرسل قرار حماس رسائل تتأكّد يوماً بعد يوم أنّها باتت مقتنعة، أنّ حكومة التوافق أدارت ظهرها إلى موظّفي غزّة، وليس هناك في الأفق ما يشير إلى حدوث اختراق في هذه المعاناة الإنسانيّة لأكثر من 40 ألفاً من الموظفين الذين لا يتلقون رواتب شهريّة، ممّا قد يدفع حماس إلى اتّخاذ قرارات قد لا تلقى إجماع الفصائل الفلسطينيّة، لكنّها تساهم في إيجاد حلول لمشاكل غزّة الكارثيّة.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles