تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يختار الفلسطينيون الحرب الشاملة؟

تفكّر القيادة الفلسطينية في العودة إلى "استراتيجية 1948"، أي استراتيجية المواجهة الشاملة مع إسرائيل.
RTS44I7.jpg

تملك الموجة الحالية من الهجمات الإرهابية عدداً كبيراً من مقوّمات الانتفاضة، وغالب الظن أنها تمهّد لاندلاع انتفاضة. ثمة أسباب جذرية، وهي عميقة ومرتبطة أيضاً بالتطوّرات الراهنة. فالفلسطينيون، من دون أي استثناء تقريباً، فقدوا الأمل بأن تساهم عملية سياسية أو المجتمع الدولي في وضع حد للاحتلال الإسرائيلي وفي مساعدتهم على تحقيق استقلال ناجز. لقد ترك الإذلال الذي هو من المفاعيل اليومية للحياة في ظل الاحتلال منذ نحو 50 عاماً، ندوباً عاطفية عميقة تتجسّد في الإحباط والغضب والرغبة في الانتقام. وحالياً، تتعاظم هذه المشاعر انطلاقاً من الاعتقاد بأن إسرائيل تعمد بصورة تدريجية ومنهجية إلى تغيير الوضع القائم في جبل الهيكل (الحرم الشريف) بهدف السماح لليهود بإحياء صلوات أكثر تنظّماً في محيط المساجد.

تبدو القيادة السياسية في رام الله ضعيفة جداً بما يجعلها عاجزة عن مواجهة مثل هذا الوضع الذي لا يُحتمَل.

وفوق هذا كله، يذكّر المستوطنات والمستوطنون (وعددهم نحو نصف مليون) الفلسطينيين يومياً بوضعهم الذي يعتبرونه ميؤوساً منه.

تشكّل هذه المعطيات أرضاً خصبة تتيح لحركة "حماس" و"الجهاد الإسلامي" التحريض على العنف في الضفة الغربية وانطلاقاً منها. قد تؤدّي هذه الأسباب الجذرية، خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، إلى اندلاع انتفاضة ثالثة ستكون على الأرجح أكثر عنفاً من الانتفاضتين السابقتين. قال مسؤول أمني رفيع في حركة "فتح" لموقع "المونيتور" طالباً عدم الكشف عن هويته: "حذّر الرئيس [محمود] عباس [رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين] نتنياهو مرات عدة من تدهور الأوضاع، عن طريق رسائل شخصية سرّية. يريد فعلاً تدارك الأمور. هو لا يحبّ العنف، وقد أعطانا تعليماته بأن يكون الرد على الاحتلال غير عنيف". كما وجّه المسؤول الأمني الغاضب التحذير الآتي: "ربما فات الأوان. قد يشعر التنظيم [قوات فتح المسلحة] قريباً بأنه مرغَم على الانضمام إلى المواجهة وتسلّم زمام الأمور. لن يتركوا الجبهة الأمامية للمواجهة مع إسرائيل خالية أمام حماس. قد لا تندلع انتفاضة، إنما حرب استقلال. لم تترك لنا إسرائيل والولايات المتحدة خيارات كثيرة".

يرى المسؤول الفتحاوي في الأزمة الراهنة نقطة تحوّل تتمثّل في الانتقال من تسوية النزاع إلى النضال المسلّح من جديد. ويعتبر أن حركة "فتح" لن تبقى وحيدة في ساحة المعركة: "مع مرور الوقت، ستنضم حماس إلينا حفاظاً على مصالحها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى حزب الله. نعوّل على مصر والأردن كي يُقدما على الأقل على قطع علاقاتهما الديبلوماسية مع إسرائيل". أضاف مع ضحكة ساخرة: "هذه ليست تهديدات، بل مخططات".

يبدو هذا الكلام وكأنه يؤشّر إلى العودة إلى الاستراتيجية التي اتّبعها الفلسطينيون في العام 1948؛ إلا أن عامل الاختلاف هذه المرّة هو التركيز على الاستقلال الفلسطيني، والنظرة الدولية التي تعتبر أن الجانب العربي هو الضحية. في حال اندلاع مواجهة شاملة من هذا القبيل، غالب الظن أن القوى الدولية سوف تعمد إلى الاصطفاف كلٌّ بحسب مصالحه الإقليمية.

في هذه الحالة، من شأن الولايات المتحدة التي تقف على مشارف السنة الانتخابية على مستوى الرئاسة، والتي تشعر بالإحباط بسبب عجزها عن دفع الأفرقاء إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، أن تتدخّل من أجل تعزيز ضبط النفس، والعمل مع مرور الوقت على التوصّل إلى وقف لإطلاق النار.

سيكون من الصعب تحقيق ذلك، لأن الجانب الفلسطيني يأمل بتحقيق مكاسب سياسية من المواجهة العنيفة.

وسوف يسعى الاتحاد الأوروبي، برئاسة الفرنسيين على الأرجح، إلى تلبية المطالب السياسية الفسطينية بإقامة دولة فلسطينية بالاستناد إلى حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. قد تتّخذ هذه الخطوة شكل قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي. لكن إذا تم ذلك خلال العام المقبل، فغالب الظن أن الولايات المتحدة ستستخدم حق النقض (الفيتو) لمنع صدور مثل هذا القرار.

أما بالنسبة إلى روسيا والصين، فلن تتأثّرا بنزاع عنيف يندلع في أرضٍ يعتبرانها ساحة للمصالح الأميركية.

تعتبر إسرائيل، في عهد حكومة نتنياهو، أن السيناريو الأسوأ هو اندلاع انتفاضة فلسطينية مطوّلة. فمن وجهة نظر أمنية، يطرح ذلك تحدّياً بغاية الصعوبة، لأن الجيش الإسرائيلي لن يتمكّن من استخدام أسلحته المتطوّرة أو سلاحه الجوّي.

أما في ما يتعلّق بالمشهد الديبلوماسي، فمن الواضح، حتى بالنسبة إلى نتنياهو، أن التعاطف الدولي سيكون إلى جانب الضحية.

كما أن قدرة الإسرائيليين على الصمود ستوضَع على محك الاختبار، على ضوء التخبّط الاقتصادي. ففي ظل هذه الظروف، على الأرجح أن نتنياهو سيتحوّل عاجلاً أم آجلاً نحو زعيم المعسكر الصهيوني، إسحاق هرتزوغ، لتشكيل حكومة وحدة وطنية.

على صعيد الفلسطينيين، وفي حين أن معظم الرأي العام والقيادات يشعر بأنه ليس هناك بديل عن المواجهة العنيفة، من الصعب أن تقود المواجهة، في نهاية المطاف، إلى إقامة الدولة المنشودة. فإسرائيل، حتى في ظل حكومة وحدة وطنية، لن تقدّم التنازلات الضرورية تحت تأثير ضغوط من هذا القبيل.

قد تؤدّي المواجهة، بحسب المسؤول الأمني في حركة "فتح"، إلى معادلة يخرج منها الجميع خاسرين، على الرغم من أنها قد تدفع باتّجاه بذل مجهود دولي واسع النطاق لتسوية النزاع.

من الأجدى بجميع الأفرقاء المعنيين أن ينخرطوا في مثل هذا المجهود قبل اندلاع انتفاضة أو حرب شاملة. بما أنه من غير الوارد في الوقت الحاضر أن تطلق الولايات المتحدة مبادرة لتبنّي قرار في مجلس الأمن الدولي، أو في مختلف الأحوال، بما أنه من شأن مثل هذه المبادرة أن تُعتبَر غير فعّالة، ثمة منبر وحيد ذو فعالية في الوقت الراهن لتسوية النزاعات، ويتمثّل في نموذج مجموعة "خمسة زائد واحد" الذي أثبت جدواه في قضية الاتفاق النووي مع إيران. من الأفضل تبنّي هذا النموذج عاجلاً وليس آجلاً.

More from Uri Savir

The Middle East in your inbox

Deepen your knowledge of the Middle East

Recommended Articles